العنوان ألمانيا: المساجد تمتلئ بالمصلين رغم أجواء العداء للإسلام
الكاتب صلاح الصيفي
تاريخ النشر السبت 05-سبتمبر-2009
مشاهدات 63
نشر في العدد 1868
نشر في الصفحة 34
السبت 05-سبتمبر-2009
جاءت بداية شهر رمضان الكريم في ألمانيا مختلفة هذا العام، فبينما بدأ المسلمون الأتراك وهم الغالبية العظمى من المسلمين هناك صيام الشهر الكريم يوم الجمعة ٢١ أغسطس، نجد أن المسلمين العرب وغيرهم من الجنسيات الأخرى بدؤوا الصيام مع أغلب الدول العربية والإسلامية يوم السبت ٢٢ أغسطس.
ويأتي رمضان هذا العام ببعض شعور الخوف والقلق الذي يجتاح المسلمين في ظل تصاعد ظاهرة «الإسلاموفوبيا» في ألمانيا، خاصة من جانب الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تتنافس بشدة لكسب أصوات الناخبين في الانتخابات التي تجرى في الشهر المقبل، فعادة تستخدم هذه الأحزاب أسلوب التخويف والترهيب من الإسلام والمسلمين والتحذير من الأسلمة في حملاتها الانتخابية لكسب أصوات الناخبين. ولكن هذا الشعور بالخوف لم يفسد على المسلمين فرحتهم بقدوم شهر رمضان المبارك، فقد عمت الفرحة والسعادة وتبادل المسلمون التهاني وامتلأت المساجد بالمصلين من كل الجنسيات، حتى أنه في صلاة التراويح يصعب وجود أماكن فارغة للصلاة في بعض المساجد من كثرة إقبال العائلات المسلمة وأطفالهم على المساجد .
رمضان في الصيف
ويأتي رمضان هذا العام في ألمانيا في شهر الصيف، حيث تغرب الشمس في أوقات متأخرة من اليوم، ويبدأ الإفطار في الساعة التاسعة إلا ربعًا مساء حتى أنه في بعض النفس أوقات الصيف يتناول المسلمون إفطارهم بين الساعة العاشرة والحادية عشرة مساء، ولكن رغم طول يوم الصيام والعمل الشاق يواظب المسلمون بمختلف أعمارهم علي صيام أيام رمضان، حيث يعتبرونه جهادا مع والتقرب إلى الله، وهذا ما يراه الحاج حسين من تركيا، الذي يقول: إن الصوم تحت ظروف صعبة ممكن ولابد منه، فالله سبحانه وتعالى يمنح الصائمين الطاقة والقوة اللازمة لتحمله أيام رمضان الطويلة، ويساعدهم أيضًا على كبح الرغبات والشهوات طوال سبع عشرة أو ثماني عشرة ساعة في اليوم.
ويتبادر تساؤل في أذهان البعض في الشهر الكريم وهو: هل يؤثر صيام رمضان على إنجازات المسلمين والتزاماتهم المهنية في دولة صناعية كبرى مثل ألمانيا؟ وهل تزداد ضراوة الأحكام المسبقة ضد العرب والمسلمين في هذا الشهر الكريم؟
د. صلاح الدين نكدلي» «مدير المركز الإسلامي في آخن – ألمانيا»، يرد على ذلك بالقول: بالنسبة للأحكام المسبقة عن المسلمين في هذه البلاد، وعن تأثير رمضان في زيادة الموقف السلبي من المسلمين، فإننا لا نستطيع أن نجزم بأن رمضان يزيد من سلبية الناس تجاه المسلمين، إلا في بعض المواطن التي يحتك فيها المسلمون مع الجو المحيط، وخاصة في المساجد التي تكون في الأحياء السكنية، فإن صلاة التراويح واجتماع الناس في ظروف راحة المجتمع الآخر يؤثر كثيرًا على العلاقة بين المسلمين وجيرانهم.
المساجد ممتلئة
من جانبه يقول الشيخ «عبد الكريم البازي» إمام مسجد في المركز الإسلامي بمدينة بيليفيلد: إن المسجد في رمضان يكتظ بالمصلين من مختلف الجنسيات خاصة العربية، ولا يقتصر على الرجال فقط ولكن هناك إقبال من السيدات أيضا، حيث هناك طابق في المسجد مخصص للسيدات.
وقاعة للدروس الدينية، وتستطيع السيدات سماع الدروس الدينية بعد كل صلاة من خلال مكبرات الصوت.
ويتابع الشيخ «عبدالكريم البازي» قائلا: الحياة اليومية في المسجد تبدأ بعد صلاة الظهر، حيث نقوم بإلقاء درس ديني عقب كل صلاة، وبعد الانتهاء من الدرس الديني ينتشر المصلون في أرجاء المسجد يقرؤون القرآن الكريم كعادة المسلمين في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ثم يبدأ الإخوة في المسجد في الإعداد للفطور الجماعي بعد صلاة العصر. وأشار «عبدالكريم» إلى أن العادة الآن في ألمانيا بين المسلمين هو تبرع المسلمين والعرب من أصحاب المحلات الكبيرة أو الأغنياء بوجبة إفطار أو أكثر خلال شهر رمضان، فتوضع لوائح بأسماء المتبرعين فيدفعون ثمن الطعام أو يقدمونه جاهزا خاصة الذين يملكون مطاعم، أو يطهى في مطابخ الجمعيات إذا كان المتبرع صاحب محل بيع مواد غذائية.
ولا تقتصر مائدة رمضان على أفراد الجالية المسلمة، بل تكون الأبواب مفتوحة لكل من يريد.
ويذكر الشيخ «عبد الكريم» أن هناك يومًا في الأسبوع مخصص لإفطار العائلات، حيث يجتمع بالمسجد جميع أفراد العائلة من أطفال وشباب وكبار حول المائدة الكريمة، وغالبا ما الأحد، حيث العطلة الأسبوعية يكون يوم الرسمية في ألمانيا، كما أن هناك قاعة لتحفيظ الأطفال القرآن الكريم وتعليمهم مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، حيث إن بعض الأطفال يتعرضون لمضايقات في المدارس بسبب كونهم مسلمين، لذلك فنحن دائما نحاول ترسيخ العقيدة الإسلامية عند الأطفال الصغار لأنهم النواة للمستقبل.
في صلاة التراويح يصعب وجود أماكن فارغة في بعض المساجد من كثرة إقبال العائلات المسلمة وأطفالهم
وحول ما إذا كانت هناك مشكلات تواجه المسلمين في ألمانيا، وبالأخص في شهر رمضان يقول «عبدالكريم»: «من حيث الحرية الدينية فإنها مكفولة للجميع، والمسلمون يمارسون شعائرهم بكل حرية، فقط هناك إشكالية بسيطة تتمثل في شكوى بعض جيران المسجد للسلطات بسبب الازدحام الذي يسببه المسلمون عند خروجهم من المسجد بشكل جماعي بعد الصلوات، وما ينتج عن ذلك من ضجة تزعج الجيران، والمسجد هنا حريص على عقد الندوات الحوارية في شهر رمضان، وذلك في إطار حملة المساجد في ألمانيا للحوار بين الأديان وتعريفهم بعظمة وسماحة الدين الإسلامي الحنيف، كما أن هناك زيارات تقوم بها المدارس الألمانية لزيارة المركز، ومعرفة الكثير عن الدين الإسلامي، وعن شهر رمضان، وغالبا ما يطرحون العديد من الأسئلة حول الصيام وأهميته بالنسبة للمسلمين، وكيف يتحمل المسلمون الصيام في شهر رمضان؟
الشيخ البازي: المساجد تكتظ بالمصلين من مختلف الجنسيات خاصة العربية من الرجال والسيدات.
فاطمة (حديثة الإسلام): سعادتي لا توصف بروحانيات الصيام وحلاوة الإيمان وصلاة القيام وقراءة القرآن.
د. نديم إلياس: روحانية شهر رمضان عنصر تربوي يشجع المسلمين للحوار مع الآخر وتعزز الروح الجماعية.
رمضان والمسلمون الجدد
وللشهر الكريم روحانيات وأجواء رائعة عند المسلمين الجدد في ألمانيا، فهم دائمًا يشعرون بالسعادة البالغة بحلول الشهر الكريم، وعن الشهر الكريم وأجوائه وما تفعله طوال الشهر، تحدثنا «فاطمة» «ألمانية عمرها ٢٣ عامًا»، وأسلمت منذ عامين التي تقول: إنها تستعد للشهر الكريم قبله بفترة حيث اعتادت أن تأخذ إجازتها السنوية من العمل كل عام في شهر رمضان حتى تتفرغ بشكل كامل للصوم وشعائر رمضان، فهي تذهب إلى المسجد يوميا قبل الظهر بساعتين للصلاة، وقراءة القرآن، وسماع الدروس الدينية من إمام المسجد، ولا ترجع البيت إلا قبل الإفطار لتحضير الطعام وتناول الإفطار، ثم ترجع مرة أخرى إلى المسجد بعد الإفطار، وتظل هناك حتى الساعة الواحدة صباحا لأداء صلاة التراويح، وقراءة القرآن، وقيام الليل، وترجع «فاطمة» إلى شقتها لتنام بعض الوقت، وتصحو قبل الفجر لتناول طعام السحور ثم الذهاب إلى المسجد لصلاة الفجر.
هذا هو يوم «فاطمة» في رمضان الكريم وعندما سألتها هل تشعرين بالتعب في رمضان؟ ردت قائلة: «نعم أشعر ببعض التعب والإجهاد لقلة النوم طوال اليوم، ولكن يعوضني عن هذا سعادتي التي لا توصف بالروحانيات وحلاوة الإيمان التي أستمتع بها في كل لحظة أقف فيها بين يدي الخالق عز وجل لأداء الصلاة والتقرب منه وقراءة القرآن».
أما «سلوى»، شابة مغربية تعيش وتدرس في ألمانيا، فتقول: إن أجواء الشهر الكريم في المغرب أفضل بكثير من ألمانيا، لذلك تحرص كل عام للسفر إلى المغرب لقضاء بعض أيام رمضان مع أسرتها الكبيرة، كما أن الشوارع والمساجد تتزين في بلادنا استعدادا لرمضان، وهو ما نفتقده كثيرا هنا في ألمانيا ومع ذلك فهى تحاول جاهدة خلق بعض الأجواء، كما تقول: «بالنسبة لي أحاول خلق جو رمضاني كما تعودت عليه في المغرب بتحضير بعض الحلويات التي تصاحب مائدة الإفطار وشراء بعض اللوازم والسلع المميزة التي تتماشى مع الأطباق التي نحضرها خلال هذا الشهر»، وأحاول قدر الإمكان ألا أتناول الإفطار وحدي في المنزل، فغالبا ما نتجمع أنا وصديقاتي من العرب والمغاربة الذين يدرسون هنا لتناول الإفطار معًا.
السهر في رمضان
وفي رمضان يحلو السهر في المدن الألمانية المختلفة كمحاولة من المسلمين لاستعادة ذكرياتهم في البلاد العربية، فكل يحتفل على طريقته.
وفي هذا الإطار يقول «وجيه مصطفى» شاب سوري يدرس تربية رياضية في إحدى الجامعات الألمانية إنه حريص على لقاء أصدقائه كل يوم بعد صلاة التراويح، حيث يشربون الشاي العربي، كما يحرصون على مشاهدة بعض البرامج العربية من خلال القنوات الفضائية العربية.
وأشار إلى الجو الخاص الذي يصنعه الطلاب المسلمون في الجامعة، مثل: إعداد الإفطار الجماعي، والصلاة جماعة، ويؤكد وجيه أن الصيام في بلد إسلامي أفضل لأنه على الأقل يستطيع الإنسان سماع صوت الأذان.
وعن مدى التزامه بالعبادات في شهر رمضان يقول وجيه: إنه حريص يوميا على الذهاب للمسجد للصلاة وقراءة القرآن خاصة في الفترة بين صلاة العصر وحتى المغرب، حيث إنه يفطر مع أصدقائه وإخوانه العرب في المسجد يوميًا، كما عبر وجيه عن شوقه لقضاء شهر رمضان مع والأقارب والأصدقاء في سورية، وعن شوقه لسماع الأذان والمسحراتي ووجبة الطعام التي تعدها والدته ويجلس حولها كل أفراد العائلة.
رمضان والحوار بين الثقافات ويعيش في ألمانيا أكثر من أربعة ملايين مسلم، فهل يشكل شهر رمضان بالنسبة لهم مناسبة للحوار والتفاعل مع الثقافات والأديان الأخرى، أم أنه فترة للانعزال عن الآخرين؟ وحول مدى تشكيل شهر رمضان بالفعل مناسبة للحوار والاندماج بالنسبة للمسلمين في ألمانيا، يقول د. نديم إلياس» رئيس مجلس أمناء المجلس الأعلى لمسلمي ألمانيا: إن شهر رمضان مثل أي مناسبة ومثل أي وقت آخر يعتمد على الشخص نفسه، أما شهر رمضان فهو يضيف على المسلم حافزا إضافيا يشجع على الاتصال وعلى اللقاء، ليس فقط في نطاق المسلمين بعضهم بعضا، ولكن يشجع أيضا على اللقاء بالمحيط من غير المسلمين والحافز الأساسي الذي يشجع المسلمين للحوار مع الآخر هو روحانية هذا الشهر الكريم التي تدعو إلى الروح الجماعية. وهناك مثال على ذلك أحب أن أذكره وهو أن بعض المساجد في ألمانيا تفكر في إعداد وجبات طعام في رمضان توزع على من ليس لديهم سكن أو في السجون أو المدارس، وهذا يشمل المسلمين وغير المسلمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل