العنوان ألعابُ الفيديو: الخطر والبديل
الكاتب خالد بن سعود الحليبي
تاريخ النشر السبت 25-نوفمبر-2006
مشاهدات 91
نشر في العدد 1728
نشر في الصفحة 22
السبت 25-نوفمبر-2006
مأزقنا مع أطفالنا يكمن في أنهم يعيشون في زمن تبعثرت بل زالت فيه الحدود بين الثقافات، فلم يعد هناك مجال لخصوصية الثقافة في أي مكان في العالم، ولذلك نعيش معهم جهادًا مستمرًّا لدرء الأخطار عنهم، ولتقديم ما هو مفيد ونافع وممتع لهم دون أن يمسهم أذى تلك الثقافات التي لوثت حتى الهواء الذي يتنفسونه!
تسلية.. وإن كثيرًا من الأمور التي نحيط أطفالنا بها هي في نظرنا مجرد تسليات، ليس لها بعد آخر في منظورنا الذي تعود تبسيط الحياة من حولنا، حين يكون فيه ما يذهلنا عن واقعنا، ويبعدنا عن التأمل فيه، بينما نحن نألم كثيرًا للأمور التي تنتج عن إهمالنا ذلك، كالآثار الصحية التي نراها على أجساد أولادنا، أو الضعف الدراسي الذي تفشى في صفوف البنين على وجه الخصوص.
البلاي ستيشن!!
ومن أبرز ألعاب الأطفال الحديثة.. ألعاب الفيديو المختلفة، والتي اشتهر منها ما يسمى (بلاي ستيشن)، حتى قدم في دعاية تقول: كيف ستكون حياتك بدون بلاي ستيشن وافتتن به أطفالنا بل وشبابنا؛ فأكل صحتهم وأوقاتهم، وأوغل في التأثير على أعصابهم، ولعلمي بأن هذه القضية ليست مسلمة عند كثير من الناس، وإن كانت مسلمة بالنسبة لي على الأقل، فقد احتجت هنا إلى التدليل.
تؤكد إحدى الدراسات أن الأطفال المشغوفين بهذه اللعبة يصابون بتشنجات عصبية تدل على توغل سمة العنف والتوتر الشديد في أوصالهم ودمائهم، حتى ربما يصل الأمر إلى أمراض الصرع الدماغي إذ ماذا تتوقع من طفل قابع في إحدى زوايا الغرفة وعيناه مشدودتان نحو شاشة تمضي ببريق متنوع من الألوان البراقة المتحركة، ويداه تمكسان بإحكام على جهاز صغير ترتجف أصابعهما من كل رجفة من رجفاته، وتتحرك بعصبية على أزرار بألوان وأحجام مختلفة كلما سكن، وآذان مصغية لأصوات وصرخات وطرقات إلكترونية تخفت حينًا وتعلو أحيانًا أخرى لتستولي على من أمامها، فلا يرى ولا يسمع ولا يعي مما حوله إلا هي (۱).
لقد اتصل بي أحد الآباء، وذكر لي أن له ابنًا في الثالثة عشرة من عمره، مصاب بتشنج في يديه، وإذا أصيب بالتشنج ازدادت رغبته في العدوانية مباشرة، وربما ضرب حتى أمه إذا كانت بجانبه، وبعد عدد من الأسئلة تبين أنه كان يلعب البلاي ستيشن خمس ساعات في اليوم تقريبًا.
يقول «د. سال سيفر»: إن ألعاب الفيديو (مثل البلاي ستيشن) يمكن أن تؤثر على الطفل فيصبح عنيفًا، فالكثير من ألعاب (القاتل الأول) «فيرست بيرسون شوتر» تزيد رصيد اللاعب من النقاط كلما تزايد عدد قتلاه، فهنا يتعلم الطفل ثانية أن القتل شيء مقبول وممتع (۲).
إن الطفل هنا يشارك في العنف بالقتل والضرب والتخريب والسحق والخطف ونحو ذلك، وربما كان ذلك بمسدس في يده، فتكون بمثابة تدريب شخصي فردي له.
مشاهد عارية:
ومن المشاهد كذلك أن هناك ألعابًا ذات صور عارية سواء في (الكمبيوتر) أو في ألعاب البلاي ستيشن، وتقوم هذه الألعاب -بفكرتها الخبيثة- بتحطيم كثير من الأخلاقيات التي يتعلمها الطفل في المجتمع المسلم، وتجعله مذبذبًا بين ما يتلقاه من والديه ومعلميه، وبين ما يدس له من خلال الأحداث الجارية، والصور العارية والألفاظ والموسيقى بوسائل تشويقية كثيرة، فالذكاء يصور على أنه «الخبث» والطيبة على أنها «سذاجة»، و«قلة الحيلة»، مما ينعكس بصورة أو بأخرى في عقلية الطفل ويجعله يستخدم ذكاءه في أمور ضارة به وبمن حوله.
وقد ذكرت لي إحدى الأمهات عبر رسالة لها أنها اكتشفت طفلها وهو يلعب لعبة ملخصها أن الطفل الفائز هو الذي يستطيع أن يعري المرأة التي أمامه أكثر من الآخر، وآخر قطعة يسقطها الطفل عن جسدها تكون هي مكمن فوزه!
دراسة علمية:
الأطفال الشغوفون بهذه اللعبة يصابون بتشنجات عصبية.. وربما يتفاقم الأمر إلى الصرع الدماغي.
من الواقع:
أصيب طفل بتشنج في يديه وازداد سلوكه العدواني.. كان يلعب «البلاي ستيشن» خمس ساعات يوميًّا!
ألعابهم غير ألعابنا!
وللعلم فإن علماء الغرب «استحدثوا ألعابًا إلكترونية واستبقوها لأنفسهم تسمى (المحكيات) ولاسيما في مجال الحروب قاموا بتطويرها حتى أصبحت أهم وسائل التدريب الحربي لديهم طلابًا وجنودًا، بما يقوم به تلك النوعية من دور مهم في مجالات الإدارة والتخطيط والتدريب ونظم التحكم والسيطرة، باعتمادها على أحدث المستجدات في مجال ما يسمى بالحقيقة الافتراضية، حيث يولد جهاز الكمبيوتر عالمًا ثلاثي الأبعاد، يتعامل معه المستخدم وينمي قدراته العلمية، فيجيد بذلك فن التصرف بحكمة في المواقف الصعبة، ويتيح تنمية قدراته العقلية أيضًا؛ ليقوم باتخاذ قرار المناسب في الوقت المناسب» (3).
آثار أسرية: وربما أسهمت هذه الألعاب في بعث الشقاق الأسري بين الإخوة والأخوات.. فقد نشرت جريدة «الوطن» السعودية باسم مراسلها في «أبها» حادثة مفادها: أن أبًا كان يراقب لعب ابنه الكبير وعمره عشرون عامًا، مع ابنه الصغير الذي يبلغ الثامنة من العمر لعبة كرة القدم في جهاز «البلاي ستيشن» وكان الأخ الأكبر متمكنًا مع اللعبة أكثر من الصغير، فأراد والدهما أن يدخل الفرحة إلى قلب ابنه الصغير، وأشار للأخ الأكبر بالسماح لأخيه بالفوز عليه وعندما استطاع الأخ الأصغر تسجيل هدف في مرمى شقيقه غضب الأخ الأكبر، وقام بإحراز هدف التعادل، ومن ثم هدف الفوز لتنتهي المباراة، مما جعل الأخ الأصغر ينفجر باكيًا، فغضب الأب من ابنه الأكبر بشدة، وقام بكسر جهاز اللعبة وضرب ابنه وطرده من المنزل وظل الابن في منزل عمه حتى سمح والده له بالعودة بشرط ألا يدخل جهاز البلاي ستيشن إلى البيت مرة أخرى.
وهكذا تضيف هذه الأجهزة سببًا جديدًا إلى قائمة أسباب التفكك الاجتماعي الأسري، ولك أن توسع هذه الحادثة بين الزوجين والوالد وولده والأشقاء إلى آخر ذلك.
ومن أجل الإسهام في وضع حلول لهذه المشكلة أضع هذه المقترحات بين يدي القارئ:
(1) وجه أولادك ورغبهم في شراء الألعاب المربية للذوق والمنمية للذاكرة.
(2) شجع طفلك على مزاولة الألعاب الجماعية، وتفضيلها على النشاطات الفردية، فإذا هو اندمج فيها قلت احتمالات العودة إلى مشاهدة التلفاز (٤).
وأشير هنا إلى بعض الجهود الطيبة للكابتن صالح العريض وفرقته المتميزة من خلال برنامجه المتميز (أفكار ومواهب) الذي يشتمل على ألعاب رياضية وأساليب ترفيهية وقصص مسلية، تمتاز بالجدة والتنوع وتستهدف غرس حب الخير والفضيلة في نفوس الأطفال، وإعطاءهم ثقة في نفوسهم، من خلال مشاركتهم في التعليق والحوار كل ذلك في أسلوب فني راقٍ جدًّا، وجذاب جدًّا، وهو يقدم برنامجه وهدفه واضح أمام عينيه -كما أخبرني بنفسه- وهو: «تعليم الأطفال من خلال الترفيه» (٥).
(3) توجيه الطفل إلى الألعاب ذات الطبيعية التركيبية والتفكيرية، وأشير إلى كتيب الألعاب الحركية الذي أعده الأستاذ زيد الغيث وراجعه الكابتن صالح العريض، وإلى ألعاب الذكاء والبناء والمسابقات الثقافية في برامج الحاسب والألعاب التعليمية التي تصدرها شركة الفناتير.
(4) توجيه الطفل إلى هواية مفيدة «ودعمه بالمال والأدوات والمكان والتشجيع المستمر» (6).
(5) تحديد ساعات معينة للعب في الألعاب المختارة بعناية، بحيث لا تزيد عن ساعة أو ساعتين على الأكثر متقطعتين غير متواصلتين، حتى لا تضيع أوقات الأطفال هدرًا. وأنبه إلى أن خبراء الصحة النفسية والعقلية أجمعوا على ضرورة قضاء 75% من وقت فراغ الطفل في أنشطة حركية، وقضاء 25% في أنشطة غير حركية، بينما «واقع أطفالنا أن جلوسهم أمام التلفاز يصل إلى حوالي 80% من أوقات يقظتهم، وبخاصة في الإجازات» (۷).
ولكن ينبغي أن نتنبه إلى أننا حينما نحدد معه وقت المشاهدة نبين له أنه من أجل صحته لا بد أن يقوم بنشاط حركي.
(6) توجيه الطفل للمشاركة في حلقة لتحفيظ القرآن الكريم أو مركز اجتماعي، أو زيارة قريب أو صديق أو مريض، أو القراءة المفيدة، أو خدمة الأهل في البيت والسوق أو أي منشط مفيد له، حتى لا تضيع فترة تربيته في إتقان اللعب واللهو، ويفقد مهارات حياتية كثيرة سوف يحتاجها في المستقبل.
(7) بناء الحصانة الذاتية في نفوس أولادنا، بحيث تنتج عنها طبيعة رافضة لكل ما هو ضار أو محرم دون تدخل منا، وهو ما ستحاول مقالة أخرى قادمة -إن شاء الله- التفصيل فيه.
بهجة أطفالنا.. أين؟!
وأخيرًا.. لا بد أن نوقن _نحن الآباء_ أن البهجة التي يبحث عنها أطفالنا لا توجد في الألعاب الإلكترونية، وإنما الفرحة الحقيقية والضحكات النقية الصافية تنطلق من أعماق هؤلاء الأبرياء بدون أية مؤثرات إليكترونية خادعة، ولا تكلف ضحكات هستيرية مصطنعة، لتعبر بصدق عن مشاعرهم المرهفة بدون تكلف، وتتحدث عن مدى استمتاعهم بالحياة دون خوف أو وجل، ودون استفزاز للمشاعر أو غرس لأفكار عدوانية، ولا تخريب لأخلاقيات الفطرة السليمة بالعنف والبطولات الكاذبة...!
إنني أتحدث عن صغارنا الذين يحتاجون منا إلى الحنان الحقيقي، وإلى مشاعر الأبوة، وأحاسيس المحبة النابعة من القلوب الكبيرة المحيطة بهم. أتحدث عن المناغاة والملاعبة البريئة والقصص الحلوة التي كانت تسبق النوم، والتي يجب أن نعود إليها ونمارسها معهم نحن الآباء والأشقاء والأمهات، أو أي قريب أو بعيد يعيش مع هؤلاء الصغار، أو يرونه صباحًا أو مساء أتحدث عن هذه الصورة التي الصعب الحصول عليها في جيل آباء من اليوم.
لا بُدّ أن نمنح أطفالنا من أوقاتنا:
لنتحاور معهم، ونقص عليهم قصص تاريخنا الجليل ونخرج معهم للفسحة ونخطط لأوقاتهم، ولعل فيما مضى مقترحات لا أقصد بها تحديد ما يمكن أن نفعله مع أولادنا، ولكن لنطلق العنان لتفكيرنا، لننطلق أكثر في التفكير الدائم لإيجاد أفكار متجددة تنمي قدرات أولادنا لإعدادهم للمستقبل بدلًا من إفناء حياتهم فيما يعود بالضرر البالغ عليهم.
فلنتق الله -أيها الإخوة- في أولادنا ومن استرعانا الله عليهم، ولنسعَ للخروج من هذا المأزق الذي نعيشه، بدءًا بمعرفة خطورة الموقف، ثم البحث عن حلول، ومن ثم العمل على تطبيقها في واقع الحياة لا ننس أبدًا أن صلاح الآباء يدرك الأبناء بإذن الله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (الكهف :۸۲)، وأن الله قد علمنا الدعاء لأولادنا، فلنلهج لله تعالى بمثل هذه الأدعية:
﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: 74).
إبليس في بيوتنا!
إحدى الأمهات عبر رسالة: اكتشفت طفلي يلعب بلعبة ملخصها أن الطفل الفائز يستطيع أن يعري المرأة التي أمامه أكثر من الآخر!
(المحكيات).. ألعاب إلكترونية هادفة استحدثها علماء الغرب واستبقوها لأنفسهم.
الهوامش:
(1) الألعاب الإلكترونية وواقع أطفالنا لإسماعيل حسين أبو زعنزنة، باحث ومستشار ثقافي الشقائق، العدد: 61، رجب ١٤٢٣هـ (سبتمبر ۲۰۰۲م)، ص29.
(۲) كيف تكون قدوة حسنة لأولادك؟ ص 253
(3) الألعاب الإلكترونية وواقع أطفالنا، مرجع سابق، ص۲۹.
(٤) كيف تتعاملين مع طفلك؟ جمال الكاشف ص ٦٩.
(٥) مقابلة على هامش برنامج «فرحة العيد» الذي نظمه المعهد العلمي في قاعة هيئة الري والصرف في الأحساء، في غرة شوال عام ١٤٢٢هـ.
(6) كيف تتعاملين مع طفلك؟ مرجع سابق ص 69.
(7) المرجع السابق، ص 69.
(*) أكاديمي بجامعة الملك فيصل بالأحساء، قسم علم نفس.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل