العنوان ألبانيا... ملحمة جديدة لشعب عريق
الكاتب د.حمزة زوبع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1999
مشاهدات 84
نشر في العدد 1348
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 04-مايو-1999
نحن على استعداد لاستقبال مليون مهاجر من كوسوفا ... رغم فقرنا هكذا صرح رئيس الوزراء الألباني الشاب باندل مايكو..... للصحافة والعالم، ليقلب كل الموازين ويغير مفاهيم كثيرة لدى الكثير من المراقبين عن الحزب الاشتراكي الحاكم، وليعيد الأمور إلى نصابها، مذكرًا العالم بشعار «شعب واحد ومصير واحد» الذي رفعته كل أحزاب ألبانيا العام الماضي ومع بداية المذابح في درينتسا واسكنراي فقد راهنت صربيا واليونان على النهج الجديد لحكومة الاشتراكيين في عهد فاتوس نانو والتي قامت في أعقاب أحداث مارس عام ١٩٩٧م في ألبانيا وراهن الكثيرون على أن كوسوفا وشعبها يجدان الدعم من الحكومة في تيرانا، ولكن تصريحات باندل مايكو وأعضاء الحكومة الاشتراكية جاءت لتعيد الأمور إلى نصابها ولتثبت الحقيقة التاريخية أن الشعب الألباني في كوسوفا وألبانيا ومقدونيا والمهجر شعب واحد، وإن اختلفت حكومات أو تعاقبت الأنظمة.
إن استقبال شعب ألبانيا الرائع والتاريخي لإخوته من كوسوفا ضرب أعظم المثل للتحضر والرقي، فشعب ألبانيا يعاني من الفقر في كافة النواحي ويكفي أن متوسط دخل الفرد هناك يكاد يصل إلى ١١٠٠ دولار في السنة مسجلًا رقمًا قاسيًّا في أوروبا كأفقر شعب يعيش في خاصرة أوروبا وعن يساره إيطاليا ومن أسفله اليونان تمتد علاقاته التاريخية شرقًا بتركيا التي تم إخراجها من المعادلة السياسية البلقانية.
هذا الموقف ليس بغريب على هذا الشعب، فقد استقبلت ألبانيا أفواج المهاجرين من كوسوفا في فترات التهجير العلنية المعروفة تاريخيًّا بعد اتفاقية ... عام ۱۹۱۲م، ومن قبل ذلك في أواخر القرن الماضي ولم تنقطع أفواج المهاجرين الألبان من كوسوفا في الستينيات من هذا القرن وحتى في الثمانينيات وبعد وصول مبلوسوفيتش إلى سدة حكم في صربيا عام ۱۹۸۹م، وحتى تاريخ اللحظة، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن هناك قرى في وسط ألبانيا يطلق عليها اسم كوسوفا قد زرت بعضًا منها ورأيت أن الاختلاف سياسي قد يحتدم، ولكنه لا يؤثر أبدًا في منظومة علاقات الإنسانية والأخوية بين أبناء الشعب الواحد.
ويكفي أن رجب ميداني رئيس دولة ألبانيا الحالي والرجل المتزن فكريًّا، هو من أبناء كوسوفا علمًا أن صالح بريشا الرئيس السابق كان من قبيلة تمتد نسبًا وجوارًا إلى الحدود بين كوسوفا
وألبانيا.
وربما كانت أتعس فترات التاريخ الألباني الحديث هي فترة حكم الطاغية أنور خوجا والتي امتدت قرابة النصف قرن منذ ١٩٤٤م وحتى انتهاء الشيوعية في العام ۱۹۹۲م، ربما كانت هذه الفترة هي الأسوأ سياسيًّا، بعد أن تخلى خوجا في اتفاق ضمني مع أوروبا، عن دعم كوسوفا وحقها في الاستقلال، لكن عودة الوعي والعودة إلى الصحيح هي النتيجة التي نراها منذ عام ١٩٩٢م. حين اعترفت ألبانيا بدولة كوسوفا الوليدة بعد استفتاء عام ١٩٩١م الشهير بالإقليم.
إن الملحمة التي يخطها شعب فقير في أوروبا لم يشهد لها الأصدقاء من المسلمين المتابعين عن قرب للشأن الألباني مثيلًا، بل وصحافة العالم حين روت مراسلة لوكالة رويتر ما شاهدته بنفسها تقول: التقيت بالشابة الكوسوفية ... فاتون جيهايا، وهي أم لأربعة أطفال رغم أن عمرها لم يتجاوز السابعة والعشرين، وقصت عليَّ رحلة هجرتها من كوسوفا خلال أسبوع تصعد تلًا وتهبط واديًا، تختبئ كثيرًا. وتظهر قليلًا، تتحرك وحدها بأطفالها الأربعة بعد أن غاب زوجها وصلت السيدة إلى كوكس الحدودية مع ألبانيا.. كان ذلك منتصف الليل تقريبًا، لم تعرف أين تذهب وظلت تسير حتى إذا خرج إليها رجل ألباني من إحدى القرى، ودعاها وأطفالها الأربعة لبيته.... تقول: دخلت وكنت أظن أنني وحدي وأسرتي سنكون ضيوفًا في هذا البيت الفقير جدًّا، وكانت المفاجأة أني وجدت خمس أسر بأطفالهم يسكنون معنا في البيت.
ويقول التقرير: عندما لجأ المكسيكيون إلى أمريكا كانوا ضيوفًا غير مرغوب فيهم بل اعتبروا غزاة»، ويضيف: «الألبان الذين ليس لديهم ما يطعمون أنفسهم يفتحون بيوتهم للاجئين من كوسوفا».
ويشيد التقرير بتلفاز ألبانيا الذي لم يفوت الفرصة ليقدم الأغاني الوطنية والفلكلور الذي يجمع بين الألبان في كل مكان.. والناس يتحدثون عن التضحية وكيف أن رغيفًا يمكن أن يطعم أفواهًا عدة.
فهل بعد ذلك من رقي، وهل بعد ذلك من مروءة في زمان عزت فيه المروءة وقل فيه النصير.. وهل بعد ذلك من تشكيك في صدق نوايا هذا الشعب الألباني القابع ضمن حدود دولة ألبانيا الفقيرة.
لقد تعودنا أن نقرأ عن الخلافات بين ألبان كوسوفا وألبان الدولة الأم، لكننا كنا نشاهد بأعيننا كيف فتحت ألبانيا حدودها للاجئين من قبل والآن ورأينا ألبانيا تفتح جامعاتها للكوسوفيين والألبان من مقدونيا بعد أن أوصدت كل من صربيا ومقدونيا حق التعليم بالألبانية في وجه ثلاثة ملايين ألباني في كوسوفا ومقدونيا، ورأينا كيف فتحت الحكومات الألبانية أبواب مطابعها أمام الصحافة الكوسوفية التي طردت من بلادها، وكيف أنها ساعدتهم وما زالت من أجل نشر قضيتهم العادلة ورأينا كيف يستقبل إبراهيم روجويا على الدوام في قصر الرئاسة الألبانية مع كل مناسبة قومية أو رسمية أو بدون ذلك.
ورأينا مراكز الدراسات والثقافة والتاريخ الكوسوفية تقبع في وسط تيرانا.
وعرفنا قصة كوسوفا عبر الأقمار الصناعية ومن خلال تلفاز ألبانيا الفقير والذي خصص ساعتين يوميًّا لإخوانه الكوسوفيين لبث برامجهم بعد أن حرموا من ذلك في كوسوفا ومقدونيا وتحت سمع وبصر أوروبا التي تنادي بالحرية وحقوق الإنسان.
ولقد كنا لفتنا الأنظار إلى ألبانيا منذ العام ۱۹۹۳ م في مقالات عن الواقع الألباني وحاجته إلى الدعم الإسلامي في المجال الاقتصادي والسياسي قبل أن تنقض صربيا عليه، ولكن وعلى رغم أن حديثنا يبدو متأخرًا إلا أنه أفضل من لا شيء، وما لا يدرك كله، لا يترك جله، ويكفي نداء هاشم ثاتشي قائد جيش تحرير كوسوفا والذي وجهه إلى العالم العربي والإسلامي بعد وصول المساعدات السعودية والكويتية والإماراتية إلى مقدونيا والذي قال فيه: نريد أن تتوجه المساعدات إلى ألبانيا وليس لمقدونيا»، ليضرب مثلًا في الوفاء لشعب كوسوفا تجاه ألبانيا الأم. وبالفعل فبعض المساعدات التي توجهت إلى مقدونيا صادرتها الحكومة المقدونية من بينها المساعدات الأردنية، ثم قامت بترحيل المهاجرين إلى ألبانيا ليضيفوا رقمًا جديدًا إلى حسابات الفقر في ألبانيا.
إن الملحمة الحالية تعيد إلى النفس تاريخًا مجيدًا من الالتحام والوحدة بين الشعوب المسلمة وإن غيبت كثيرًا عن إسلامها، لكن يكفي أن تنبض القلوب، وتتحرك الجوارح، وتتسع القلوب قبل البيوت، يكفينا أن نرى هذه التصريحات من جانب أكبر مسؤول ألباني رغم انتمائه لليسار الذي حاول تجريب الحل السياسي مع عدو لا يعرف الدبلوماسية ولم يمارسها منذ وصوله إلى الحكم.
هذه التصريحات تضعنا نحن المسلمين في اختبار حقيقي تجاه هذا الشعب الكريم على فقره المعطاء على رغم حاجته.