; هكذا حجنا معشر الموحدين | مجلة المجتمع

العنوان هكذا حجنا معشر الموحدين

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-1995

مشاهدات 96

نشر في العدد 1149

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 09-مايو-1995

·       الحج إعلان عالمي لحقوق الإنسان رد به الإسلام الناس إلى أصلهم الواحد وأبطل كل قيم الجاهلية

لم تكن رحلة إبراهيم -عليه السلام- إلى بيت الله المحرم في واد غير ذي زرع، وتركه ولده الرضيع إسماعيل وأمه هاجر هنالك بأمر من الله، لم تكن هذه الرحلة بغير هدف أو حكمة، لأنها أمر الله الحكيم العليم، وقد انجلت بعض آثار هذه الرحلة، وتكشفت بعض حكمة الله فيها لنا بقول الله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّاۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَاۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 127-128)، وظهرت هذه الحكمة ظهورًا بينًا حين أمر الله نبيه إبراهيم بقوله: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (الحج: 27-28)، ومنذ أذن إبراهيم عليه السلام بالحج والناس يحجون وسيظلون إلى يوم القيامة كذلك.

شتان بين حج وحج

ولقد كان الناس يحجون في الجاهلية، وهم كذلك يحجون في الإسلام، ولكن شتان بين حج الجاهلية لبيت تحوطه الأصنام وتعبد فوقه الأوثان ويقول الجاهليون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وحج الإسلام الذي تعلن فيه الجموع من كل فج عميق لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك..

ومع تلبية الحجيج يلبي كل شيء معهم حتى ينقطع الصوت من هاهنا وهاهنا، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ، وفي هذا تذكير بنبي الله داود -عليه السلام- الذي أوبت الجبال معه والطير استجابةً لأمر الله ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًاۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (سبأ: 10).

وشتان بين حج الجاهلية الذي يطوف فيه الناس عرايا حول البيت رجالًا ونساءً، وبين حج الإسلام الذي اعتبر الطواف بالبيت صلاة لا تجوز بغير طهارة.

شتان بين حج الجاهلية الذي لا يسوى فيه بين الناس فمنهم الحمس الذين يفيضون من المشعر الحرام، ومنهم غير الحمس الذين يفيضون من عرفات، وبين حج الإسلام الذي سوى بين الناس جميعًا فجعلهم يفيضون من عرفات كلهم.

إن الحج أحد أركان الإسلام فرضه الله على المؤمنين المستطيعين ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: 97).. وقد بين الرسول مناسكه يوم حج بالناس في العام العاشر من الهجرة وقال: «خذوا عني مناسككم»، وكان الصديق أبو بكر قد حج بالناس في العام التاسع وأرسل في إثره علي بن أبي طالب ليقرأ على الناس براءة من الله ورسوله، وليعلن في الجموع أنه «لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان..»، وفي العام العاشر حج الرسول ﷺ ومعه الجموع وقال قولته: «خذوا عني مناسككم» ليتعلم المسلمون أن الاتباع لا الابتداع هو ما يجب أن يسيروا عليه في هذا الدين.. اتباع كتاب الله واتباع رسول الله ﷺ هو المنهج الذي لا يتغير في أي وقت من الأوقات، ولا يستبدل به غيره، وكفى أن المسلمين يقرأون قول الله محذرًا من عدم خضوع الناس للمنهج ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِۖ وَاتَّقُوا اللَّهَۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الحجرات: 1)، وكان عمر بن الخطاب يتحرى منهج رسول الله ﷺ ويقول وهو يقبل الحجر: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك»، ووصل الاتباع بابن عمر -رضي الله عنهما- أن كان حتى في سفره يقيم حيث أقام الرسول ﷺ، وينزل حيث نزل، ويجلس حيث جلس، ووصل الأمر بالإمام مالك -رضي الله عنه- أن امتنع عن ركوب دابة في المدينة، وقال: لا أركب دابة تطأ بحافرها أرضًا تضم جسد رسول الله ﷺ، فهل كثير من المسلمين يتبعون أو هم يبتعدون ويبتدعون؟

درس الاتباع وتصحيح المفاهيم

يقول أحد أصحابه -رضي الله عنهم: «نظرتُ إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به».

وهذا أصل في الإسلام «وما عمل به من شيء عملنا به»، وعمله مبني على وحي من الله يتنزل به أمين السماء جبريل فيحسم المشكلات في الحديبية، وفي الإسراء، وفي حادثة الإفك، وفي غيرها، ولذا بكى الصحابة -رضوان الله عليهم- عند موته لأمرين: مفارقة الرسول ﷺ لهم، وانقطاع الوحي.

وما زالت أيها الإخوة دعوة الحق قائمة باقية ويجب أن يبقى الاتباع لها قائمًا وأن يلتف الناس حولها، كما التفوا حولها في حياة رسول الله ﷺ الذي حج معه عشرات الألوف يأتمون به ويأخذون عنه.

وفي الحج يتضح بجلاء درس التوكل بمعناه الصحيح من اللحظة الأولى التي وضع فيها إبراهيم ولده وزوجه عند البيت المحرم، وتسأله زوجه بعدما تركها راجعًا نحو الشام، آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، إنه التوكل على الله الذي ينبغي أن يظل دأب المسلمين، وهذا ما بينه الله في كتابه حين جاء أهل اليمن يحجون دون أن يتخذوا لأنفسهم زادًا، وقالوا: «نحج بيت الله ولا يطعمنا» فأنزل الله ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة: 179).

إنما ذلك تصحيح للمفاهيم التي ينحرف أصحابها عن جادة الإسلام؛ ليعودوا إلى الفهم الديني الصحيح، وكم من مفاهيم كثيرة اليوم بعيدة عن الإسلام يحتاج أصحابها إلى الرجوع إلى الدين القويم ليصححوا مفاهيمهم، ويرجعوا إلى مسيرة الإسلام الصحيح متوكلين على الله آخذين بأسباب الحياة.

وفي الحج طبق رسول الله ﷺ تطبيقًا عمليًّا قوله: «كلكم لآدم وآدم من تراب... أكرمكم عند الله أتقاكم...» فقد كانت قريش تفيض من المشعر الحرام على غير عادة الناس جميعًا استكبارًا بمكانها واستعلاءً لشأنها، فأنزل الله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 199،) وعن جابر قال: «فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له». فكان تصرفه إبطالًا لعادة جاهلية رضيتها قريش وأقرها العرب، وهكذا القدوات هم الذين يبطلون العادات الغريبة عن الإسلام بحيث تزول من مجتمعاتهم، وهم يدركون أن أصول الدين لا مجاملة فيها، ويقتدون في ذلك بالرسول e الذي أبطل العادات الجاهلية التي لا تتفق مع الدين، فكان زواجه بمطلقة متبناه زيد إبطالًا لعادة جاهلية لا يقرها الدين، وكان إبطاله الربا هدمًا لعادة جاهلية طبقها على عمه العباس أول ما طبقت، وكان أول دم وضعه دم ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، وهو القائل: «ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب..».

نبي الرحمة

وفي خطبته الجامعة في حجة الوداع جاءت الوصية بالنساء «اتقوا الله في النساء»، إنه خطاب الرحمة منه إلى أهل الأرض جميعًا «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، وهذا من رقة قلبه الذي يتحرق شوقًا وخوفًا على أمته، يقول عبدالله بن الشخير: «أتيت رسول الله ﷺ ولجوفه أزيز كأزيز المرجل»، وقد كان في وقت الكسوف يسجد بين يدي ربه ينفخ ويبكي ويقول: «رب ألم تعدني ألا تعذبهم وأنا فيهم، رب ألم تعدني ألا تعذبهم وهم يستغفرون، ونحن نستغفر». ولهذا بعث ﷺ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، ومن رحمته أنه لم ينس المستضعفين فأوصى بهم خيرًا، وكان من وصيته الجامعة «اتقوا الله في النساء».

إن في الحج دروسًا ودروسًا، وكفى أنه مؤتمر جامع للمسلمين يأتون شعثًا غبرًا يلتقون فيعرف بعضهم بعضًا، ويلم بعضهم بأحوال بعض، فيتراحمون ويتعاونون ويتناصرون.

إن مشاهد الحشر والبعث يوم القيامة لا تغيب عن مشاهد الحجاج وهم يأتون إلى عرفة من كل فج ثم وهم يفيضون منه إلى مزدلفة، ولباسهم البياض لا يلتف أحد إلا إلى قلبه، ليستشعر فيه معية ربه، ويدرك أنه يومًا محشور مع الناس أجمعين أمام رب العالمين، فماذا هو قائل، وماذا هو فاعل؟

إن رجم الجمرات استشعار بمعاداة الشيطان في صورة مادية ليظل الإنسان ذاكرًا أن الشيطان له عدو فلا يتبع خطواته، بل يرجمه في نفسه، ويظهر عداوته أمام الملأ أجمعين، ويتبرأ منه ومن فعاله في كل حين.

إن ذبح الهدي تقديم للخير وعطاء للمستضعفين، وفيه إشعار بأن الخير الذي يقدمه الإنسان يجبر الأخطاء، ويذهب السيئات، وصدق الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود: 114)، ويظل درس العطاء هذا عالقًا في أذهان المسلمين حتى بعد أن يعودوا إلى بلادهم، فلا تقسو قلوبهم على إخوانهم ولا يستأثرون بالخير دون غيرهم.

ويطوف الحجاج طواف الوداع متفكرين في عظمة الله، مسبحين بحمده، مظهرين له العبودية، ويتجهون إلى بلادهم، وكلهم أمل في أن يتقبل الله أعمالهم ويغفر ذنوبهم، ويكون حاديهم في ذلك قول الرسول: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2111

120

الجمعة 01-سبتمبر-2017

فريضة الحج.. مقاصد وغايات

نشر في العدد 2111

144

الجمعة 01-سبتمبر-2017

الحج.. وحدة الهدف والغاية

نشر في العدد 43

122

الثلاثاء 12-يناير-1971

هذا الأسبوع (43)