العنوان أكبر قضية فساد تشهدها باكستان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 26-أبريل-2008
مشاهدات 59
نشر في العدد 1799
نشر في الصفحة 28
السبت 26-أبريل-2008
باكستان
إعفاء ٥٠ ألف شخص من ديون حكومية قيمتها مليار دولار!..
- إسقاط الديون ليس «بدعة» استحدثها «مشرف» فقد سبقه إليها، «نواز شريف» و «بي نظير بوتو» اللذين تنازلا عن ٣٥ بليون روبية!.
إسلام آباد خدمة «ميديا لينك»
كشفت صحيفة ذا نيوز الباكستانية عن بعض ما جاء في تقرير رسمي سري للغاية تم رفعه في نهاية عام ٢٠٠٧م إلى لجنة المحاسبة العامة في البرلمان الباكستاني، يشير إلى إعفاء عدد كبير من السياسيين والمسؤولين المدنيين والعسكريين من ديون تبلغ قيمتها الإجمالية نحو ٥٤ بليون روبية، «ما يقارب المليار دولار»، حسب قانون سنه الفريق الاقتصادي للرئيس برويز مشرف في أكتوبر عام ٢٠٠٢معقب الانتخابات العامة مباشرة، وأن على رأس المستفيدين من ذلك الإعفاء وزير الاقتصاد الأسبق شوكت عزيز، والذي أصبح فيما بعد رئيسًا للوزراء!
وجاء في التقرير السري أن عدد المستفيدين من ذلك الأعضاء زاد عن الخمسين ألف شخص بينهم سياسيون كبار في الحكم، ومسؤولون مدنيون وعسكريون وعمالقة قطاع الأعمال من مدينة «كراتشي» «العاصمة الاقتصادية للبلاد» ومدينة «لاهور» عاصمة إقليم «بنجاب» ثاني أكبر مدينة باكستانية من ناحية النشاط الاقتصادي.
5 والغريب أن هذا التقرير السري كان معنيًا فقط بالأغنياء والأثرياء من السياسيين ورجال الإقطاع إذ كان يشير إلى أن المعنيين بالعفو هم من يبلغ أقل حد للدين لديهم من أجل العفو عنهم ٥٠٠ ألف روبية، أي أن الفقراء سيكون عليهم إعادة الأموال والديون، وإلا فإن عليهم مواجهة القضاء وتنفيذ الأحكام، في حين يعفى الأثرياء المتعثرون، وفي كل الأحوال ليس بإمكان المواطن الاعتيادي استدانة هذه المبالغ الضخمة بسبب الإجراءات الصعبة والضمانات التي تطلبها البنوك لتقديم الديون.
وتم الكشف عن الموافقة التي جرت على ذلك الإعفاء الصالح الأثرياء من جانب فريق الرئيس «مشرف» الاقتصادي والبنك المركزي الباكستاني -الجهة المنظمة النشاطات البنوك في البلاد- وتحت ضغوط من كبار السياسيين في الحكم عقب الانتخابات العامة عام ٢٠٠٢م، ويتردد بقوة أن اثنين من رؤساء الحكومات الإقليمية كانوا ضمن من استفاد من ذلك القانون وأحدهما يملك عددًا من مصانع السكر.
وقد طلب هذا التقرير السري من لجنة المحاسبة العامة أن تكشف عن دوافع العفو عن هذه الديون الضخمة والخسارة الفادحة التي ألحقتها بخزينة الدولة، والخطورة أن هذا هو أول تقرير رسمي يظهر على السطح ويكشف عن حجم الديون المعفو عنها، ما قد يكشف فضائح أخرى.
إعفاء «مفيد»!
والغريب أن هناك من يدافع عن هذا الإعفاء، حيث يقول عمر أيوب خان وزير الدولة للشؤون الاقتصادية السابق، مدافعًا عن موقف حكومة «مشرف» العسكرية السابقة: «إن ٥٠,٤١٤ شخصًا استفادوا من ذلك الإعفاء»، ويرفض القول بأنه كان بمثابة رشوة لإرضاء السياسيين وكبار رجال الأعمال لكسب تأييدهم، ويضيف «إن البنوك تتخذ قراراتها في صالح أعمالها دون خضوعها لضغط من أي جهة».
وفي الصفقة التي أعلنت عنها حكومة مشرف مع رئيسة الوزراء السابقة وزعيمة حزب الشعب الراحلة بي نظير بوتو، نهاية عام ٢٠٠٧م كان أهم قراراتها إعلان الحكومة العفو عن «بوتو» التي كانت تواجه اتهامات بالفساد المالي لا تقل عن ٩٠ بليون روبية «١,٥بليون دولار»، وتم طي هذه الصفحة رغم ما قامت به الحكومة في السنوات الثماني الماضية من ملاحقة بوتو، في محاكم مختلفة من دول العالم أنفقت خلالها أموالًا ضخمة من أجل إقناع البنوك الغربية بتجميد أموالها وإعادتها إلى حزينة الدولة.
منافع متبادلة
لكن كل شيء تغير بعد أن قرر مشرف البقاء في السلطة مهما كلفه الأمر، فقرر تلبية شرط مهم له بوتو قبل مقتلها، وهو إلغاء جميع التهم الموجهة إليها، وكان لها ذلك إذ أعلنت الحكومة بعد الانتخابات البرلمانية في فبراير ٢٠٠٨م إسقاط جميع التهم واعتبار الأموال التي اختلست أو تصرفت فيها بوتو أموالًا معفوًا عنها وإلى الأبد لكن بشرط تأييد حزبها لبقاء مشرف في الحكم!!
وكان الجنرال «مشرف» قد برر انقلابه العسكري في أكتوبر ۱۹۹۹م ضد الحكومة المدنية المنتخبة بحالة الفساد الذي وصلت إليه واختلاس أموال الدولة، وأعلن بعد سيطرته على الحكم أنه سيعاقب ناهبي خزينة الدولة قائلًا: «إنهم لن يفلتوا من صرامة القضاء ويد القانون، وسيجلب كل من سرق أموال الشعب إلى العدالة، وستتم استعادة الأموال إلى خزينة الدولة»، وهو ما لم يحدث!.
وفي المقابل قامت الحكومة باعتقال بعض المختلسين غير المهمين واستعادة الأموال منهم عن طريق مؤسسة أنشأتها الحكومة تسمى مكتب المحاسبة الوطني لكن مسار عمل ذلك المكتب أخذ منحى آخر بعد الانتخابات البرلمانية عام ٢٠٠٢محيث جمع الجنرال مشرف السياسيين من أحزاب مختلفة تحت مظلة تحالف لتأييده.
وبعدها تبخرت جميع الدعاوى التي أعلنها مشرف من تصميمه على استعادة أموال الشعب المختلسة إلى خزينة الدولة إذ تم إعفاء جميع السياسيين الراغبين في التحالف معه من ملايين الروبيات وكانت هذه بداية نهاية فترة النزاهة والعودة إلى نمط الفساد الاقتصادي الذي كان سائدًا قبل حكم «مشرف».
صفقة حكومية الأمر الواضح أن إعفاء السياسيين الفاسدين من ديون وأموال الدولة شمل بوجه خاص من يوافقون على التعاون مع النظام الحاكم أو اللجوء إلى الاعتداء على السياسيين والنشطاء النقابيين والإعلاميين الرافضين الانصياع.
فبعد وصول الجنرال مشرف إلى السلطة في أكتوبر عام ١٩٩٩م، وإعطائه صلاحيات غير مسبوقة لجهاز المخابرات في ترتيب البيت السياسي الباكستاني وإعداد المشهد السياسي الذي ترغب فيه الحكومة، لوحظ ارتفاع حجم الاعتداءات السياسية والتعرض بالاعتداء على الشخصيات الإعلامية والنقابية وحتى الدينية التي فضلت احترام مبادئها.
ويقول مراقبون: إن ازدهار ثقافة العنف وإشهار سيف الحجاج، في وجوه الرافضين السير في طريق الانقلابيين وهي ليست جديدة على تاريخ باكستان كان بسبب الدور الذي باتت تلعبه الاستخبارات بعد حصولها على صلاحيات من الرئيس مشرف.. فالاستخبارات الباكستانية اتبعت نظرية الإغراء والتهديد وطالبت السياسيين الباكستانيين عامي ۲۰۰۱ و۲۰۰۲م بالاختيار بين معسكر مشرف أو أعدائه.
ومن انضم إلى معسكر «مشرف»، أصبح من حقهم العفو عنهم وعدم محاسبتهم أو ملاحقتهم، وهو ما استجاب له ثلث قيادات حزب الشعب الفائزين في الانتخابات البرلمانية عام ۲۰۰۲م وأعلنوا انضمامهم إلى حكومة مشرف في مقابل التخلي عن مطالبتهم بإعادة نحو بليون من الدولارات إلى خزينة الدولة، ومن بينهم وزيرا الداخلية السابقان مخدوم فيصل صالح حياة، و «أفتاب أحمد شيرباو»، وكذا وزير الدفاع «راو سكندر» ووزير شؤون كشمير والمناطق الشمالية «فيصل صالح حيات»، وجنرالات عسكريون متقاعدون بالإضافة إلى آلاف المسؤولين السياسيين.
وبعد تحذيرات الاستخبارات انضم إلى هذه المجموعة السابقة قياديون في حزب حركة مهاجر قومي فضلوا التعاون مع مشرف في مقابل العفو عن الأموال الباهظة التي اقترضوها من البنوك الحكومية، والتي تزيد عن البليون دولار.
كما انضم نتيجة تلك التحذيرات ٨٠% من قيادات حزب الرابطة جناح نواز شريف في مقابل العفو عن أموال أخذوها من الحكومة كديون تزيد عن ٥ بلايين من الدولارات كما تقول مصادر متفرقة.
رشاوى لها سوابق!
ويؤكد المراقبون أن هذا الإعفاء ليس «بدعة» سياسية استحدثها الرئيس مشرف في تطويع السياسيين وحملهم على تأييده من أجل البقاء في الحكم، وإنما هي رشاوى على الطريقة الباكستانية وهناك سوابق لها، فقد سبقه إلى ذلك رئيسا الوزراء السابقان «نواز شريف»، و«بي نظير بوتو» حيث تنازلا عن ٣٥ بليون روبية كانت ديونًا واختلاسات تورط فيها سياسيون ونقابيون خلال الأعوام من ۱۹٩٩١ إلى ۱۹۹۷م، في مقابل تأييدها الحكم والانضمام إليه.
ولكن بشهادة الخبراء فإن حكومة الرئيس «مشرف» سجلت أكبر عدد من الفاسدين والمختلسين والمتهربين من إعادة الأموال إلى خزينة الدولة، وتم العفو عنهم وعن الأموال التي أخذوها في مقابل تأييدهم للرئيس مشرف، وحمايته والدفاع عنه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل