; المدرسة الإصلاحية بريئة من هذه التهمة.. رد على مقال المدرسة الإصلاحية وبدعة الإسراء بالروح.. | مجلة المجتمع

العنوان المدرسة الإصلاحية بريئة من هذه التهمة.. رد على مقال المدرسة الإصلاحية وبدعة الإسراء بالروح..

الكاتب الشيخ أحمد الحماني

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1977

مشاهدات 71

نشر في العدد 363

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 16-أغسطس-1977

أكان الإسراء بالروح فقط.. أم بالروح والجسد؟

أحقًا أن هذه المدرسة مبتدعة ترد المعجزات أو تؤولها مسايرةً الغرب؟ كلا فإن المدرسة الإصلاحية -بكل رجالها المفكرين- نصيرة السنة، وعدوة كل بدعة، بريئة من هذه التهمة مستعيذة بالله من الضلالة، إذ كل بدعة -في الدين- ضلالة مردودة وكل ضلالة في النار، إن إيمانهم بالإسراء كإيمان أبي بكر لما جاءه الخبر.

 إن الأستاذ سالم البهنساوي لم يكن -في مقاله الذي نشرته له مجلة المجتمع في عددها الصادر بتاريخ 19 رجب 1396هـ- محققًا، ولا نحريرًا مدققًا، ولا متحريًا كما يجب أن يكون عليه المؤمن عملًا بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6).

 لقد «رمى» الأستاذ البهنساوي أمام المصلحين وشيخ المجددين لهذا الدين، على رأس هذا القرن الشيخ محمد عبده وتلاميذه، بأنهم تأثروا بقول بعض المبشرين والمستشرقين، وأنهم ردوا المعجزات النبوية التي لم ترد في القرآن أو السنة المتواترة إذ يقول بالحرف:

«زعم بعض المبشرين والمستشرقين أن الإسراء كان بالروح فقط، ولا غرابة أن يقولوا ذلك فليس بعد الكفر ذنب، إنما الغريب أن تأثر بعض المفكرين الإسلاميين بهذا أمثال الشيخ محمد عبده وتلاميذه، الذين عرفوا باسم المدرسة الإصلاحية، حيث ردوا المعجزات النبوية التي لم ترد في القرآن أو في السنة المتواترة.

 إن القارئ الخبير ليعجب من مثل هذه المجازفة في القول، ويشفق على الأستاذ البهنساوي أن يرسل مثل هذا الكلام ليشيع في المؤمنين مع فساده الواضح:

أولًا: زعم أن الشيخ محمد عبده وتلاميذه متأثرون بأقوال المبشرين والمستشرقين، والتاريخ خير شاهد على أن محمد عبده وتلاميذه إنما كانوا شجى في حلاقيم أدعياء العلم والتحقيق من هؤلاء المدلسين المبشرين والمستشرقين أو الجهلاء المعتمين، وحاربوهم بسلاحهم العصري وبأسلوب البحث العلمي، فكشفوا جهالاتهم، وفندوا مفترياتهم وفضحوهم علميًا، وألحقوا بهم الهزائم الساحقة، كان ذلك منذ أن اصطدم جمال الدين ومحمد عبده بالفيلسوف الفرنسي «رنان» في باريس، فطأطأ الرأس واضطر إلى الاعتذار، ثم حطم محمد عبده «هانوتو» وزير خارجية فرنسا في مقالاته الشهيرة التي تهجم فيها على الإسلام، ومن يجهل ما كتبه في «الإسلام والنصرانية» مع العلم والمدنية، وقد سلك سبيله تلميذه الأستاذ محمد رشيد رضا طيلة حياته، يناظر المنحرفين، ويفند شبه الملحدين، ويرد كيد المبشرين والمستشرقين، وعمله في تفسير المنار وفي مجلة المنار ما زال منشورًا معلومًا، وسلك نفس السبيل الشيخ عبد الحميد بن باديس في الجزائر، فمزق أشلاء مستشرق هاجم الإسلام ويدعى «أشيل» في مجلته «الشهاب» فقضى عليه، وما يزال المصلحون يطاردون أفكار المستشرقين المنحرفة وشبهات المبشرين المخرفة حتى اليوم، فكيف يسوغ لمسلم أن يجعلهم متأثرين أو تلاميذ لأعداء الإسلام الكائدين؟

ثانيًا: زعم الأستاذ البهنساوي بأن القول بأن الإسراء كان بالروح فقط ولم يكن بالجسد، هو من قول المستشرقين والمبشرين، وأن من قال بذلك من المسلمين إنما تأثر بهم وأنه لا يقول به مسلم، والمجازفة بهذا الزعم واضحة، فإن القول بأن الإسراء كان بالروح دون الجسد معروف صحيح النسبة إلى صحابة أبرار، وتابعين أخيار، وعلماء مجتهدين أحرار، وإن خالفوا في قولهم الجمهور من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من العلماء المجتهدين، ولم يلم أحد من المحققين من قال بهذا أو هذا.

 إن هذا الخلاف مشهور منقول في كتب التفاسير، الصغير منها والكبير، وفي شروح كتب الحديث الصحيحة، يقول الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الشهير «مفاتيح الغيب» عند تفسير قوله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (الإسراء: 1) ما نصه: «اختلف في كيفية ذلك الإسراء، فالأكثرون من طوائف المسلمين اتفقوا على أنه أسري بجسد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والأقلون قالوا إنه ما أسري إلا بروحه» ثم نقل عن ابن جرير الطبري في تفسيره ما نصه عن حذيفة أنه قال: «ذلك رؤيا، وإنه ما فقد جسد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإنما أسري بروحه، وحكي هذا القول أيضًا عن عائشة -رضي الله عنها-، وعن معاوية -رضي الله عنه-» 1 هـ.

وقال الشوكاني في تفسيره «فتح القدير» ما نصه: «اختلف أهل العلم هل كان الإسراء بجسده -صلى الله عليه وسلم- مع روحه أو بروحه فقط؟ فذهب معظم السلف إلى الأول، وذهب إلى الثاني طائفة من أهل العلم منهم عائشة ومعاوية والحسن وابن إسحاق، وحكاه ابن جرير عن حذيفة بن اليمان، وذهبت طائفة إلى التفصيل فقالوا: كان الإسراء بجسده يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح، واستدلوا على هذا التفصيل بقوله: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (الإسراء: 1)، فجعله غاية الإسراء بذاته -صلى الله عليه وسلم- فلو كان الإسراء من بيت المقدس إلى السماء وقع بذاته لذكره» 1 ه. وقد أراد بعض العلماء أن يستنبط من ألفاظ الآية دليلًا على عروجه إلى السماء بذاته، فرد قولهم الإمام الرازي بقوله: «أما العروج إلى السماوات وإلى ما فوق العرش فهذه الآية لا تدل عليه» 1 ه.

 وإن أردت أن تتعلم كيف يكون البحث العلمي الهادئ، فراجع بحث هذا العلامة العظيم الذي أبطل أدلة القائلين بإن الإسراء كان بالروح فقط، وأثبت بأدلة علمية هندسية إمكانه بالروح والجسد مع التزامه بالأدب.

 وقال القاضي البيضاوي في تفسيره -وهو تفسير علمي مختصر- ما نصه: «واختلف في أنه كان في المنام أو في اليقظة، بروحه أو بجسده، والأكثر على أنه أسري بجسده إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماوات» 1 ه، وعندما فسر قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (الإسراء: 60) قال: «ليلة المعراج، وتعلق به من قال إنه كان في المنام» 1 ه.

 وقال النووي في شرحه على صحيح مسلم -نقلًا عن القاضي عياض- ما نصه: «اختلف الناس في الإسراء برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقيل إنما كان جميع ذلك في المنام، والذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف، وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أسري بجسده -صلى الله عليه وسلم-» ثم قال «وأما قوله في رواية شريك «وهو نائم» وفي الرواية الأخرى «بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان» فقد يحتج به من يجعلها رؤيا نوم...».

 وجاء في سيرة ابن هشام فيما حدثه به ابن إسحاق ما نصه: «أن عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن أسري بروحه.. وأن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال كانت رؤيا من الله صادقة فلم ينكر ذلك من قولهما لقول الحسن: إن هذه الآية أنزلت في ذلك: قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (الإسراء: 60)، ولقول الله تعالى في الخبر عن إبراهيم: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (الصافات: 102) ثم مضى على ذلك، فعرفت أن الوحي من الله يأتي الأنبياء أيقاظًا ونيامًا، قال ابن إسحاق: وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول فيما بلغني: «تنام عيني وقلبي يقظان» والله أعلم أي ذلك كان، قد جاءه وعاين فيه ما عاين من أمر الله، على أي حاليه كان نائمًا أو يقظان كل ذلك حق وصدق» 1 ه.

 وليس مقصودي من هذه النقول إثبات أن الإسراء وقع بالروح فقط أو بالروح والجسد معًا، فقد برهن العلماء بحججهم كل على مذهبه، وبسط كل منهم حجج معارضيه بكل دقة وأمانة وأدب، ومن أقدرهم الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره أن برهن بحجج  علمية عقلية ونقلية، على إمكان الإسراء بالروح والجسد معًا، وفند حجج معارضيه، ولكنه التزم الأدب، ولم يحكم الفخر -ولا غيرهم من الباحثين- على القائلين بغير قولهم بأنهم أهل بدعة، أو متأثرون بأقوال الزنادقة والمنافقين وأعداء الإسلام والحق والعلم، وكيف يسوغ لعالم أن يزعم ذلك، وفي هؤلاء القائلين أم المؤمنين عائشة الصديقة العالمة الذكية، حبيبة رسول الله، وتلميذة الوحي المسؤولة كما يدل على ذلك الحديث الصحيح الذي خرجه الشيخان عن مسروق عن عائشة -واللفظ لمسلم- قالت: «ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية.. قلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال مسروق وكنت متكئًا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله -عز وجل-: ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (التكوير: 23) ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (النجم: 13)؟ قالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلقه الله عليها إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًا عظم خلقه ما بين السماء والأرض، فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام: 103)، أولم تسمع أن الله يقول ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى: 51)» 1 ه. المقصود من رواية هذا الحديث، ومرادنا التدليل على أن عائشة كانت تسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حريصة جدًا على تعلم ما لم تكن تعلم، وما أدراك أنها لم تسأله عن الإسراء فيما سألته؟ أو أنها استنبطت ذلك استنباطًا صحيحًا من آيات الكتاب المبين؟ وقد قال بهذا القول حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما- وهو من هو في السابقين الأولين من الأنصار والعلماء الطيبين الأخيار، ومعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- وهو كاتب الوحي والأمين عليه، ولعله أخذ ذلك عن أخته أم حبيبة بنت أبي سفيان وهي من الطيبات كسائر أمهات المؤمنين، وبهذا القول أخذ سيد علماء التابعين واستدل له بالقرآن الحسن بن أبي الحسن البصري وابن إسحاق، شيخ علماء السيرة ورواتها، وما زال لهذا القول أنصار منذ عهد هؤلاء الأخيار، ولسان حالهم ما قاله ابن إسحاق -رحمه الله- عقب ذكر القولين: «والله أعلم أي ذلك كان قد جاءه وعاين فيه ما عاين من أمر الله، على أي حاليه كان نائمًا أم يقظان، كل ذلك حق وصدق».

 وقدوة ابن إسحاق في هذا القول -وهو قدوة جميع المؤمنين- أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- إذ جاءه المكذبون بالإسراء فقالوا: «هل لك يا أبا بكر في صاحبك يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس، وصلى فيه ورجع إلى مكة؟ فقال لهم أبو بكر: إنكم تكذبون عليه فقالوا: بلى، ها هو ذاك في المسجد يحدث به الناس،  فقال أبو بكر في هدوء المستيقن: والله لئن كان قاله لقد صدق».

 فهل يصدق على جميع هؤلاء أنهم خرجوا عن الإسلام، وكفروا به كما يستفاد من فتوى الأستاذ البهنساوي الذي يقول من غير تحرج في مقاله المذكور: «لا يقبل من مسلم أن يزعم أن هذا كان بالروح فقط»؟

ثالثًا: أنه زعم أن فئة المصلحين يردون معجزات النبي، ويؤولون النصوص الشرعية تبعًا للهوى ومسايرة للغرب، إذ قال: 

«تناقض أصحاب المدرسة الإصلاحية: المدرسة الإصلاحية عبارة أطلقها الغربيون على «هذا» النفر من العلماء الذين يؤولون النصوص الشرعية تأويلًا يساير الغرب، وقد بدأ أصحاب هذا التيار برد المعجزات التي لم ينص عليها القرآن والسنة المتواترة، ولكن النتيجة الطبيعية لهذه البدعة أن هؤلاء العلماء أصبحوا يؤولون المعجزات الواردة في القرآن الكريم بنص صريح، فزعموا أن الإسراء كان بالروح فقط...».

 هذا كلام متهافت من أوله إلى آخره، فإن آخره يحشر عائشة ومعاوية وحذيفة والحسن وابن إسحاق -رضي الله عنهم- في زمرة المتهمين بتحريف الكلام عن مواضعه مسايرةً للغرب، واسترضاءً للمستشرقين والمبشرين، وسائره رجم بالغيب و«قذف» للمؤمنين، فليس في طائفة المصلحين -من مدرسة محمد عبده- من ينكر معجزة أو يردها، مما ورد في القرآن أو جاءت به الأحاديث الصحيحة تواترًا أو آحادًا، على أن التواتر في لفظ الحديث نادر جدًا أو لم يقع، وبالتأكيد لم يرد شيء في المروي منه في معجزات النبي، ولكن حصل بذلك التواتر المعنوي في كثير منها، وليس فيهم من يؤول المعجزات الواردة في القرآن بنص صريح، بل فيهم من يعتبر ذلك ردةً وكفرًا.

 إن مؤلفات علماء الإصلاح ومقالاتهم ودروسهم طافحة بالشواهد الكثيرة الدالة على إيمانهم بالمعجزات النبوية على وجهها الذي رويت به -إذا احتاج النهار إلى دليل - ولو كلف صاحب المقال نفسه عناء مراجعة أهم المصادر التي منها تستقى آراء الذين عناهم بالذكر- وهو تفسير المنار لما جازف بإلقاء مثل هذا الكلام على عواهنه.

 التأويل الفاسد ارتداد أو ابتداع:

 هذا ما صرح به الأستاذ محمد رشيد رضا في تفسير المنار في الجزء الحادي عشر صفحة 240 -الطبعة الأولى-، وهو يتكلم على إثبات معجزات الأنبياء الكونية بالقرآن، وأنه لا يمكن إثبات شيء منها إثباتًا علميًا إلا بالقرآن، لأن كتبهم لم تصل إليهم بطريق التواتر، ولا بلغتها الأصلية التي أنزلت بها، ويرد على منكري المعجزات والمتأولين لها فيقول: «إن الثابت بنصوص القرآن من آيات الأنبياء والمرسلين المعينة قليل جدًا، فما كانت دلالته قطعية من هذه النصوص فصرفه عنها بالتحكم في التأويل الذي تأباه مدلولات اللغة العربية، وينقض شيئًا من قواعد الشرع القطعية ارتداد عن الإسلام، وما كانت دلالته ظاهرة غير قطعية وجب حمله على ظاهره، إن لم يعارضه نص مثله أو أقوى منه، فإن عارضه فحينئذ ينظر في الترجيح بين المتعارضين بالأدلة المعروفة، والخروج عن ذلك ابتداع» 1 ه.

هل تجرد نبينا من «العجائب» الكونية؟

 وزعم دعاة النصرانية أن نبينا تجرد من العجائب التي أيد بها الأنبياء صدق رسالتهم فتصدى لهم، وفند دعواهم وبين لهم -ولمن كان يعقل- أن هذه «العجائب» لا يمكن إثبات شيء منها بطريق علمي صحيح إلا بالقرآن، وأن اعتمادهم عليها -وحدها- لا يفيدهم في إثبات نبوة المسيح عليه السلام، فضلًا عن ألوهيته كما يدعون، وفي ذلك يقول في الجزء المذكور من المنار صفحة 155: «بقي الكلام في مسألة العجائب الكونية التي بنيت على أساسها الكنائس النصرانية على اختلاف مذاهبها، وفيما يدعونه من تجرد محمد -صلى الله عليه وسلم- من لباسها، وهي قد أصبحت في هذا العصر حجة على دينهم لإله...» ثم يقول عن الإسلام: «إن أساسه قد بني على العقل والعلم وموافقة الفطرة البشرية، وتزكية أنفس الأفراد وترقية مصالح الاجتماع، وأما آيته التي احتج بها على كونه من عند الله تعالى -وهي القرآن- وأمية محمد -عليه الصلاة والسلام- فهي آية علمية تدرك بالعقل والحس والوجدان... وأما تلك العجائب الكونية فهي مثار شبهات وتأويلات كثيرة في صحتها وفي دلالتها» ثم نقل عنهم بعض عجائب المسيح وتزيد على الثلاثين، ونقل أيضًا ارتياب بعض النصارى أنفسهم -من مؤمنيهم- فيما نسب إلى المسيح -عليه السلام- من إحياء بعض الموتى، واتهامهم إياه بأنه تواطأ مع -الميت- وذويه ليتوصل إلى إيمان اليهود به، وقال مبرئًا له: «حاشاه عليه السلام، وإنما ننقل هذا لنبين أن النصارى لا يستطيعون إقامة البرهان في هذا العصر على نبوة المسيح، فضلًا عن ألوهيته، بهذه الروايات التي تدل على النبوة وتنفي الألوهية كما فهم الذين شاهدوها، لأنه ليس لها أسانيد متصلة إلى كاتبيها، ولا دليل على عصمتهم من الخطأ في روايتها. دع قول المنكرين باحتمال الاحتيال والتلبيس أو المصادفة فيها، أو عدهم إياها -على تقدير ثبوتها- من فلتات الطبيعة، وإذا كان أعظمها -وهو إحياء الميت- يحتمل ما ذكر فما القول في شفاء المرضى وإخراج الشياطين؟...» انظر صفحة 156 - 158 من الجزء المذكور.

بل آيات نبينا الكونية أكثر وأبهر:

 وإذا كانت الآيات التي أتى بها عيسى وغيره من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- لا يثبت شيء منها برواياتهم لانقطاعها وعدم التواتر فيها، فإن آيات محمد -صلى الله عليه وسلم- المروية بالأسانيد المتصلة الصحيحة أكثر وأبهر، وفي ذلك يقول الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار الجزء المذكور ص 159 ما نصه: «أن ما رواه المحدثون بالأسانيد المتصلة تارة والمرسلة أخرى، من الآيات الكونية التي أكرم الله تعالى بها رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- هي أكثر مما رواه الإنجيليون وأبعد عن التأويل، ولم يجعلها برهانًا على صحة الدين، ولا أمر بتلقينها للناس...» 1 ه.

 ومن المعلوم أن المشركين طالما اقترحوا آية كونية يستدلون بها على صدق النبي، فكان من رحمة الله بأمة محمد أن لم يستجب لهم، لأنه لو جاءهم بما اقترحوه ثم لم يؤمنوا لحق عليهم العذاب كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ (الإسراء: 59)، وقد شاءت رحمة الله أن يكرم محمدًا بتوبة أكثرهم وإيمانهم بعد كفرهم، لأنه كان عزيزًا عليه عنتهم حريصًا على إيمانهم، وقد كان لهم بعد إسلامهم الأثر الحميد في حروب الردة والفتوح، وإلى ذلك يشير الشيخ محمد رشيد رضا في قوله: «قص الله علينا في كتابه أن المشركين اقترحوا الآيات الكونية على رسوله فاحتج عليهم بالقرآن في جملته، وبما فيه من أخبار الرسل والكتب السابقة التي لم يكن يعلمها هو ولا قومه، وبهدايته وعلومه وبإعجازه وعدم استطاعة أحد ولا جماعة ولا العالم كله على الإتيان بمثله ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: 88)» 1 ه صفحة 159 من المصدر المذكور.

بعض هذه الآيات لنبينا:

وقد ذكر رحمه الله بعض هذه الآيات الكونية التي أكرم الله بها نبينا فقال (صحفة 159-160) ما نصه بالحرف: «وأما ما أكرمه الله تعالى به من الآيات الكونية فلم يكن لإقامة الحجة على نبوته ورسالته، بل كان من رحمة الله تعالى وعنايته به وبأصحابه في الشدائد، كنصرهم على المعتدين عليهم من الكفار الذين يفوقونهم عددًا وعددًا واستعدادًا بالسلاح والطعام، وناهيك بغزوة بدر والنصر فيها، ثم بغزوة الأحزاب إذ تألب المشركون واليهود على المسلمين، وأحاطوا بمدينتهم فردهم الله بغيظهم، لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال.

 ومن تلك الآيات شفاء المرضى، وإبصار الأعمى، وإشباع العدد الكثير من الطعام القليل في هذه الغزوة وفي غزوة تبوك، كما وقع للمسيح عليه السلام، ومنها تسخير الله السحاب لإسقاء المسلمين وتثبيت أقدامهم التي كانت تسيخ في الرمل ببدر، ولم يصب المشركين من غيثها شيء. ومثل ذلك في غزوة تبوك إذ نفد ماء الجيش في الصحراء والحر شديد، حتى كانوا يذبحون البعير ويخرجون الفرث من كرشه ليعتصروه ويبلوا به ألسنتهم، على قلة الرواحل معهم، وكان يقل من يجد من عصارته ما يشربه شربًا، فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله عودك في الدعاء خيرًا فادع لنا، فرفع يديه فدعا فلم يرجعهما حتى كانت السماء قد سكبت لهم ما ملأوا ما معهم من الروايا، ولم تتجاوز عسكرهم».

 ويقول في تفسير آية رمي النبي -صلى الله عليه وسلم- المشركين يوم بدر وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (الأنفال: 17) ما نصه: «ما رميت أيها الرسول أحدًا من المشركين في الوقت الذي رميت فيه تلك القبضة من التراب، بإلقائها في الهواء فأصابت وجوههم، فإن ما أوتيته كأمثالك من البشر من استطاعة على الرمي، لا يبلغ هذا التأثير الذي هو فوق الأسباب الممنوحة لهم، ولكن الله رمى وجوههم كلهم بما أوصل التراب الذي ألقيته في الهواء، مع قلته أو بعد تكثيره بمحض إرادته»، ثم يقول في هذه المعجزة للرسول صفحة 622 ما نصه:

 «فهو من فعله تعالى وحده دون كسب عادي للنبي في تأثيره، فالرمي منه كان صوريًا لتظهر الآية على يده -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله-، فمثله في ذلك كمثل أخيه موسى -عليه السلام- في إلقائه العصا ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ (طه: 20) فخاف منها أولًا كما ورد في سورتي طه والنمل».

 وقال أيضًا في صفحة 620 يذكر معجزات النبي في هذه الغزوة وهي كثيرة: «ومنها أنه رمى المشركين يومئذ بقبضة من التراب قائلًا «شاهت الوجوه»، فأعقبت هزيمتهم» ثم روى ما ورد من الأحاديث في رمي هذه القبضة من التراب وعقب عليها بقوله:

 «فإن لم تكن رواية من هذه الروايات وصلت إلى درجة الصحيح، فمجموعها مع القرينة حجة على ذلك، وروى مثل هذه الرمية في غزوة حنين» وفي هذا النص ما يثبت فساد قول الأستاذ البهنساوي إن المصلحين لا يقبلون من المعجزات إلا ما ثبت بالقرآن أو بالأحاديث المتواترة.

استنكار عمل منكري المعجزات: 

 وفي بحث جليل عن الخوارق والمعجزات ضمنه الجزء الحادي عشر وفند فيه المذاهب الضالة بالحجج الواضحة، أنكر مذهب الذين يؤولون المعجزات أو ينفونها فقال في صفحة 232 ما نصه:  «لا وجه لاتخاذ أحد من العقلاء إنكار كل ما يخالف السنن العامة قاعدة عامة، ولا سيما فعل الخالق -عز وجل- لها، وهو خالق كل شيء بقدرته وواضع نظام السنن والأسباب بمشيئته، وأكثر منكري الخوارق يؤمنون به وإنما ينكرون وقوع شيء مخالف لسنته بأنه مخالف لحكمته.

 ومن ذا الذي أحاط بحكمته أو بسننه علمًا؟ وإنما الذي يقضي به العقل ألا نصدق بوقوع شيء على خلاف السنن الثابتة المطردة في نظام الأسباب العامة، إلا إذا ثبت ثبوتًا قطعيًا لا يحتمل التأويل، وهذا هو المعتمد عند المحققين وعلماء المادة وغيرهم».

 قد بان -والحمد لله- من هذه النصوص الكثيرة الصريحة من قلم أكبر كتاب مدرسة الإصلاح، بما لا يدع مجالًا للشك براءة مفكري المدرسة الإصلاحية وأئمتها مما رماهم به الأستاذ البهنساوي، وتجنيه عليهم أن اطلع عليها ثم بقي مصرًا على اتهام محمد عبده وتلامذته ومدرسته، برد المعجزات التي لم ترد في القرآن ولم ترو بطريق التواتر، وتأويل ما ورد منها في القرآن تأويلًا فاسدًا مسايرةً للغرب، ما الذي يدعوهم إلى الإدهان في الدين، واتباع غير سبيل المؤمنين وقد تحرروا بهداية الإسلام من كل عقدة نفسية، ومركب نقص أو كمال، ولم يخافوا في الله لومة لائم؟

 إن الحركة الإصلاحية - منذ عهد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله- والتي ترجع جذورها إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية كانت -دائمًا- تدعو المسلمين إلى الدين الخالص، والتمسك بالقرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وفهم السلف الصالح، وقد كانت السبب الأكبر في يقظة المسلمين ونهضتهم وتخلصهم من الاستعمار الفكري والسياسي، ومن آفات التقليد الأعمى، ومن الدجل والخرافات وعبادة القبور وزيارة المشاهد، ودعاء ما يعقل وما لا يعقل من المخلوقات دون الله، ومن كل انحطاط فكري واجتماعي وسياسي، وكل ذلك من الإصلاح والصلاح، فغير صحيح ما جاء في المقال من أن المدرسة الإصلاحية- إنما هي عبارة أطلقها الغربيون على هؤلاء العلماء، وإنما الحق أنهم وصفوا بهذا الوصف القرآني، لأن من عملهم محاولة إصلاح العقائد الزائغة والعقول المتحجرة والأخلاق المنحرفة، وعلاج النفوس المريضة ومحاربة العادات الفاسدة بدواء القرآن والسنة وسلاح الحق، شعارهم ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (هود: 88)، ولا يغرها مدح الغربيين ولا يضيرها هجومهم، وقد يخلط بها هؤلاء الغربيون عن سوء نية من ليس من رجالها أمثال مصطفى كمال، وأحمد خان الهندي، ولعل هذا منشأ الخطأ الذي وقع فيه صاحب المقال، ولولا أنه ذكر محمد عبده علمًا عليها لما لفت نظري.

لقد كانت حركة الإصلاح السبب في رجوع كثير من علماء الإسلام إلى كتاب الله وسنة رسول الله يدرسونهما، ويغترفون من منبعهما، ويهتدون بهديهما، ويستمدون من مددهما، وقد كانوا من قبل هذه الحركة مصرين على التقليد والجمود متعصبين جدًا للمذاهب، لا يصلي أحدهم بصلاة آخر يخالفه في مذهبه، وحتى في بيت الله الحرام كان لكل مذهب إمامه ومنبره، ولولا الحركة الإصلاحية التي كادت تقضي على التعصب، لما سهل على الحكومة العربية السعودية السلفية إزالة هذه المعرة بعد استيلاء جندها على الحرمين الشريفين، وكانوا أثناء القرن الماضي قد أصدروا الفتاوى العديدة ضدها، يشهرون بها وبأعمالها، ولقد كان من آثار الحركة الإصلاحية ذلكم التفسير العظيم للقرآن الكريم الذي اشترك فيه الإمامان محمد عبده في المسجد، ويسجله محمد رشيد رضا، ويحرره ثم يعرضه عليه وينشره، وقد أتما معًا خمسة أجزاء، ثم توفي الأول فأتمه الثاني حتى نهاية الجزء الثاني عشر، وقد كان هذا التفسير فتحًا مبينًا مهد الطريق لكل من جاء بعده، وسلك مسلكه من علماء القرآن المحققين في دروسهم وتأليفهم، وكانت مجلة «المنار» مشعل الهداية الإسلامية والنهضة الفكرية البعيدة عن الجمود، وعن التحلل والانحراف والإلحاد، وإني أنصح الأخ البهنساوي أن يقبل على دراسة هذا التفسير العلمي المفيد، بعيدًا عن التحيز وسوء الظن منصفًا في حكمه منتصفًا منه إن رأى فيه ما لا يوافقه، فله أن يعترض ويناقش ويجادل بالتي هي أحسن عن بينة وعلم، ولا يضير ذلك صاحبي التفسير، ولا فئة المصلحين، فإن من أعظم ما ركز عليه الإمامان وما قامت عليه الحركة الإصلاحية هو ذم الجمود والتحجر والتقليد الأعمى، ومدح العلم والتحرر الفكري والبحث المفيد واستعمال العقل والفكر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 30

123

الثلاثاء 06-أكتوبر-1970

في ذكرى الإسراء والمعراج

نشر في العدد 29

197

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

يوميات المجتمع (29)