الثلاثاء 01-يوليو-1980
أقصوصة
الطفل الأفغاني.... وقطعة الحلوى
... أقبل الزوج مرهقًا من آثار العمل، والبسمة تلازم شفتيه وأسارير وجهه تدل على هدوء النفس والطمأنينة، وأحضر معه كعادته من المزرعة كمية من الفاكهة ولم ينس أن يعرج على صاحب الحلوى؛ ليشتري قطعة منها لفلذة كبده الصغير، ويصل البيت فيجد الزوجة وقد هيأت له جميع وسائل الراحة من طعام وشراب، ويجد ابنه الحبيب ينظر باتجاهه والابتسامة لا تفارقه فيقبل عليه ويقبله..... وهكذا تمر الأيام، والأسرة تعيش مع أهل القرية في هدوء وطمأنينة، لا يزعجها في ليلها الساكن إلا أحلام الصغير المزعجة بين الحين والآخر...
..... وعاد الزوج في يوم من الأيام، وعلامات القلق ظاهرة على وجهه، ولم يحضر معه شيئًا كعادته! فبادرته زوجته مستفسرة عن أحواله، فيحاول أن يتجاهل الأمر، ولكن- بعد إصرار الزوجة- أجابها بصوت مرتعش، والدموع تملأ عينيه قائلا: لا... لا... لن نستسلم ثم يصمت، ويذهب بعيدًا بخياله، وتقطع الزوجة حبل أفكاره وخواطره قائلة: ماذا تقصد؟ الكفار.... الروس... إنهم يريدون أن نخضع لهم، ونصبح عبيدًا لهم ويسلبونا أموالنا.
فتشعر الزوجة بالخطر وتنظر لابنها بلهفة، وكأنها شعرت أنها لن تسعد به فتحتضنه، وتضعه على صدرها، ويخيم الصمت الكئيب على جو الغرفة والكل يسرح ويفكر بعيدًا... بعيدًا، لا أحد يعلم ماذا يخطط الآخر؟. ووسط هذا الهدوء وسكونه تسمع الأسرة دويًا يكاد أن يصم الآذان فيخرج الزوج مذعورًا- ومسرعًا، مستفسرًا عن الأمر، فإذا بلهيب النار يجتاح المزارع، ويحرق ما فيها من دواب ونبات، ويقترب الزوج مسرعًا تجاه النار محاولًا أن يوقف زحفها، ويصل بقية رجال القرية، وهنا يصيح بهم قائلا:
أيها الإخوة في الله، هيا بنا إلى الموت في سبيل الله، هيا بنا إلى جنة عرضها السموات والأرض... أعدت للمتقين، هيا بنا لنواجه الكفرة وأعوانهم، فإنه لا يقل الحديد إلا الحديد، هيا بنا نعاهد الله، فأما النصر وإما الشهادة.
ورجع كل رجل إلى بيته ليأخذ قطعة السلاح، ويعود الزوج ليأخذ سلاحه لكي يمضي إلى المعركة، وتستوقفه الزوجة لتودعه، والدموع تملأ عينها وتصافحه بيد مرتعشة قائلة له: رافقتك السلامة و... ولم تستطيع أن تكمل كلماتها، وبقيت تنظر وكان دموعها جفت، فقال لها مودعًا: حافظي على الأمانة وسأعود بإذن الله، وإلا فموعدنا الجنة وخرج مسرعًا، وبقيت متسمرة في مكانها، تنظر إليه حتى غاب في الأفق، وعادت لطفلها لترضعه الجراح مع اللبن.
... كل مساء يقف الطفل على باب البيت، ينتظر والده كعادته... إنه ينتظر قطعة الحلوى، ولا يعلم أن والده لن يعود إليه أبدَا!!
أبو خالد/ كلية الشريعة- الرياض
والله الموفق