العنوان أقاصيص من الوطن المصفود..«إنه جيش آخر»
الكاتب يحيي حاج يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-1989
مشاهدات 55
نشر في العدد 907
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 07-مارس-1989
دهش فواز كثيرًا عندما رأى طفليه الصغيرين يهربان منه، ويختبئان خلف أمهما وهما يصرخان: ماما.. جيش... ماما.. جيش.. ثم يضجان بالبكاء، وهما يكرران هذه الكلمة.
بدأت الأم تخفف من بكائهما وتقول: إنه بابا يا عمر، لمَ تخاف منه؟ فليس جيشًا كما تظن!!
وأدركت الزوجة أن «البدلة المبرقعة» تثير الرعب في قلبي الطفلين فطلبت إلى زوجها أن يخلعها، ويرتدي ثوبًا آخر، ومع ذلك فقد ظل الطفلان ينظران إليه في خوف حتى بعد أن خلع البدلة!
سأل زوجته: ما الذي يدفعهما إلى البكاء الشديد؟ ومتى كانا يخافان من لباس الجيش؟
فمضت الزوجة تقص عليه ما رأى الطفلان من أعمال الوحدات والسرايا من قتل وإرهاب، وتخويف للأطفال بالضرب والشتائم.
اقترب الأب من طفليه: لست من الجيش يا حبيبي.. أنا بابا.. هل نسيتني يا عمر؟
توقف الصغير الذي لم يتجاوز الرابعة، وكأنه لمس صدق ما يسمع، ثم اندفع إلى حضن أبيه وهو يقول: هل أنت طيب يا بابا؟
- نعم يا حبيبي.. ألا تراني؟
وببراءة الطفولة الخائفة انطلق عمر يقول: لقد قتلوا البابات كلهم! كيف وصلت أنت إلى هنا؟ ألم يرك الجيش؟!
- بلى رآني.
- الجيش الذي في «الحاضر»؟
- نعم يا حبيبي.
صمت الطفل، وكأنه لا يريد أن يصدق، ثم التفت إلى أمه قائلًا: أمي... احكي لبابا ما فعل الجيش... أمي تحكي لك فهي قد رأتهم أيضًا.... كل الجيران يا بابا ماتوا، والجامع الذي تصلي فيه ضربوه، والمئذنة... والروضة... وآنستنا أخذوها للدكتور.
نظر الأب إلى الأم وهي تهز رأسها، وعمر الصغير يمضي في التعبير عن الصور المظلمة التي انعكست على صفحة طفولته البيضاء.
***
أوقفه عن الكلام، فهو لا يريد لطفله أن تكون صورة الجيش الذي يحمي الأطفال في بلاد العالم، ويقابله الأطفال بنثر الورود والرياحين والضحكات البريئة، أن تكون بهذه الصورة القاتمة.
أخرج من محفظته صورة وسأل طفله: من هذا يا عمر؟
أجاب الصغير وقد اتسعت عيناه الذابلتان: هذا عمي سعيد.
- ماذا يعمل؟
حدق عمر في الصورة مرة أخرى.. فعمه سعيد يلبس لباس الشرطة وأجاب ببراءة: إنه شرطي في الجيش يا بابا.
- هل تخاف منه يا عمر؟
- كلا يا بابا.. إنه يجلب لنا اللعب والحلوى.
وقبل أن يتساءل عمر عن الفرق بين عمه سعيد وبين الجيش الذي رآه يهدم ويقتل في المدينة خلال شهر وأكثر، قال الأب: هذا هو الجيش يا عمر... إنه عمك وخالك، وكل الذين يحبونك، ويجلبون لك الهدايا واللعب، وأما الذين رأيتهم يهدمون المسجد والروضة ويضربون الآنسة، فهم ليسوا جيشنا يا حبيبي.. إنهم جيش آخر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل