الثلاثاء 14-أغسطس-1979
هل كُتب علينا أن يظل حالنا هكذا من الذل والهوان بينما يتغنى لساننا حملة الحق وسنة الرسالة المحمدية؟!
كيف ندعي أننا نحمل مشعل النور لمسيرة البشرية جمعاء ولا نكاد نعرف كيف نخطو إلى الأمام خطوة واحدة؟
بل وكيف ندعي كذلك بأننا أتباع من استصرخته امرأة مسلمة سبيت بالمشرق فنادت «وامعتصماه» فجاءها المعتصم بخيل بلق دهم فاستنقذها من آسريها؟
إن الذي يرفع لواء الحق لابد أن يتحرر أولًا من جواذب الأرض.. من قيد المال والولد.
إننا مازلنا نعيش لنأكل ونثرى ونكتنز المال، ونبحث عن عافية البدن في أمن ودعة.. وإن أصابت ديننا ثلمة القعود عن الجهاد، ولا بأس من أن نبكي أصحابنا هنا وهناك، حين يذبحون ويشنقون، لنقنع أنفسنا بأننا ما زلنا على الطريق.
إن كل رقعة في أرض الإسلام مبتلاة.. فمصر، التي هدها طغيان عبد الناصر، أبى الله إلا أن يخرج من أصلاب المغلوبين فيها شبابًا ينادي بأن الحكم لله.. وأن الإسلام دين ودولة، وشريعة وحكم، ومنهاج حياة.. ومع ذلك يفقدون الرائد الذي ينهض بهم ومعهم إلى حيث ينشدون جنة فيحاء.. أو مجتمعًا صالحًا ينزل حاكمه راضيًا أو كارهًا على حكم السماء.
ونحن الذين تقدَّم بنا العمر نعيش حاضرنا في ماضينا.. ونكتفي من غدنا بالآمال.
أجل.. فما زلنا حتى اليوم نجتر أحداث الماضي الذي عجز فيه جمال عبد الناصر أن يستكتبنا أو يستنطقنا تأييده، فساومنا على رقابنا، وعلق لنا المشانق، فأبينا الباطل.. فقضى نحبه منا من قضى، وانتظر منا من انتظر.. وظللنا في المعتقلات نحوًا من عشرين عامًا.
ثم خرجنا إلى موكب الحياة.. نبارك ماضينا.. ونتنكر له.. ونتحدث عن أمجادنا.. ونعجز عن المُضي فيه.. في حين نرى صغارنا الذين تعلموا منا معنى الجهاد بالأمس يُشنقون في سوريا.. ويُقتلون في الأفغان.. ويُمزقون في فلسطين.. ويُساقون إلى مصارعهم في الحبشة وأوغندا وجاكارتا والفلبين.
إنها ليست قضية أرض بذاتها، ولا نظام حكم بذاته، إنما هي قضية الإسلام الذي تفجرت لفداء دماء أبنائه في حرب ضروس، شنها العالم كله بشرقه وغربه... وعجمه وعربه... وكفاره من أصل الكتاب والملحدين... من كل ملة وجنس.
فهل لنا أن نستفيق؟
إن زعيم مصر الذي صالح اليهود بالأمس، ليقيم أمجاده على أشلاء الإسلام والمسلمين- بعلم أو بغير علم- يقبل اليوم من كارتر زعيم أمريكا أن يقدم العون المالي لبابا مصر، ليقيم جامعة مسيحية ترفع لواء النصرانية، كما يرفع الجامع الأزهر لواء الإسلام، فهذا هو التسامح! وإلا اتُّهم من الغرب بالتعصب، ومن المسيحيين في العالم بالعنصرية!
ونقول في قضية المسيحيين في مصر ما قلناه في قضية اليهود والصلح بالأمس.. إن كارتر الذي دفع أربعين مليون دولار لمسيحيين في مصر ليقيموا بها جامعتهم المسيحية، إنما قذف بها أربعين مليون سهم في قلب مصر، ليمزقها كما تتمزق لبنان اليوم... والويل لمن يعترض هذا العطاء المسموم... فإنه يتهم بالتعصب والطائفية والانحراف وضيق الأفق وتفتيت الوحدة الوطنية.
إن دماء شهداء جماعة الإخوان المسلمين، التي صبها الله حممًا على رؤوس قاتليهم، من يوم استشهاد حسن البنا إلى يوم استشهاد محمد وليد عطار، لتنادي كل المسلمين في بقاع العالم أن أفيقوا.. أفيقوا أيها المسلمون... حاولوا أن تعرفوا ماذا يراد لكم.
إن أعداءكم يعرفون أن قوتكم في عقيدتكم، ولذا فهم يحاولون مسخها وقصرها على الصوم والزكاة والحج والصلاة.. شعائر بلا روح، وجسد بلا عزيمة، لا يدفع باطلًا ولا يحق حقًّا.. ويعرف أعداؤكم أيضًا أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.. فامتصوا أموالكم لكيلا تروا بذلًا أبعد من الحصول على لقمة العيش تمسكون بها رمقكم، فأقعدكم ذلك عن واجب بذل المال في سبيل أكله.
وأثاروا الرعب في صدوركم، فمثلوا بشهدائكم وذبحوهم كالنعاج.. فذهبوا وأجرهم على الله، ولكن..
إذا كان سجن المؤمن خلوة ونفيه سياحة، فأشرف من هذا وذاك أن يعيش مطلق السراح، بعيدًا عن القضبان، يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب حين يكون الجهاد فرض عين.. وهو اليوم كذلك مهما أفتى المتفيهقون، وتقوَّل المخرصون.. أجل.. إنه فرض عين في أرض الإسلام كلها... وفي كل مكان ينادي فيه بأن تكون كلمة الله هي العليا.. فهل أن لنا أن نرشد فنرى هذا السيل من دماء الشهداء يدفعنا إلى الأمام فلا نغرق فيه؟ ونرى ما حولنا من مكر الأعداء فنتقيه؟ وما أمامنا من كتاب الله فنفتديه؟ إن الطريق طويل والزاد قليل، والناقد بصير وليس أمامنا والله إلا الصبر.. صبر في اللقاء.
ولا أقول فقط صبر على احتمال البلاء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل