; أفلا يتدبرون؟ فلنشكر الله | مجلة المجتمع

العنوان أفلا يتدبرون؟ فلنشكر الله

الكاتب مجاهد مأمون ديرانية

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1998

مشاهدات 75

نشر في العدد 1306

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 30-يونيو-1998

تأمل معي المشاهد التالية: فيما أنت تقود سيارتك في الشارع العام المزدحم رأيت سيارة تتأهل للخروج من شارع فرعي، لكن سيل السيارات الذي لا ينقطع يمنعها من التحرك، فما كان منك إلا أن أوقفت سيارتك وأشرت لسائق السيارة بالمرور، فلم يتردد السائق وانطلق بسيارته في الشارع العام غير مبدٍ أي إحساس بصنيعك وبدون أن تظهر عليه أي إشارة تدل على الشكر أو التقدير.

حين أردت أن تخرج زكاة مالك بحثت وتحريت حتى اهتديت إلى أهل بيت فقراء محتاجين فانطلقت إلى حيث يسكنون فدفعت إلى رب البيت مالًا ومتاعًا، فأخذه منك وهو يقول: «أنت قمت بما هو واجب عليك، فما لك علينا من شيء تمن به، وإن هو إلا حق لنا وضعه الله في المال الذي أتاك». 

اعتدت -بين حين وحين- أن تحمل إلى بيتك شيئًا من أطايب الطعام والحلوى وسوى ذلك مما يحبه أهل البيت، ولكن أيا من أولادك أو زوجك لم يشكرك في يوم أبدًا أو يشعرك بالامتنان قط لما تقوم به من عمل....

ما الذي بدا لك غريبًا حين تأملت المشاهد السابقة؟

ثمة جزء من المشهد يبدو ناقصًا أو أنه قد «ركب» بطريقة خاطئة، فالناس مفطورون على حب الشكر وينتظرون التقدير لما يقدمون، حتى لو كان ما يقدمونه أمرًا متواضعًا أو معروفًا عابرًا كان يأذن سائق سيارة لآخر بحرية المرور، فترى السائق الآخر عندئذ- يرفع يده ملوحًا بها دلالة على الشكر والتقدير، وحتى لو كان ما يقدمون واجبًا عليهم شرعًا «كالزكاة» أو قانونًا «كالوظيفة»، وحتى لو كان التقدير لنفر من المقربين كالزوجة والأولاد، ولكن أهذا طبع يأمر به الشرع ويحض عليه أم يأباه وينهى عنه؟ الجواب في الأحاديث التالية:

عن النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال على المنبر: «من لم يشكر القليل لم يشكل الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله التحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب» «رواه أحمد» وعن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» «رواه أحمد من عشر طرق ورواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح» وعن الأشعث بن قيس: قال رسول الله ﷺ: «إن أشكر الناس لله -عز وجل- أشكرهم للناس» «رواه أحمد» وعن جابر عن النبي ﷺ: «من أعطي عطاء فوجد فليجز به «أي إن استطاع أن يرد العطاء بعطاء مثله فليفعل»، ومن لم يجد فليكن «أي علي المعطي» فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر» رواه أبو داود وأحمد والترمذي وقال: وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر وعن عائشة ومعني قوله: «ومن كتم فقد كفر» يريد: «قد كفر تلك النعمة» وعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: «من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد ابلغ في الثناء» «رواه الترمذي» ولما ذكر النبي ﷺ «في حديث جابر الذي يرويه أحمد» أن أكثر أهل النار من النساء بين العلة فذكر فيما ذكر: «وإذ أعطين لم يشكرن».

فإذا كان المرء مطالبًا بشكر نعمة مفردة محدودة أنعمها عليه أخر، فكيف بولي كل النعم وكيف بالذي كل خير يصيبنا فمن فضله ومن كرمه؟ في الحلقة الماضية وجدنا أن الواحد منا لا ينجح في شيء من أمور حياته إلا بفضل الله ومنه وكرمه، وقلنا إن علينا أن نرد الفضل إليه -عز وجل- في هذا النجاح لا إلى ما نظنه في أنفسنا من فطنة، أو موهبة، أو مقدرة، أو ذكاء وتتمة هذا الإقرار والنتيجة المنطقية له؛ أن نتوجه إلى الله بالشكر على ما أنعم وعلى ما تفضل.

قد يظن البعض أن هذا السلوك فطري طبيعي وأن الناس يشكرون الله على ما آتاهم، ولكن الحقيقة غير ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 243)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (يونس: 60). 

هذه شهادة الله -عز وجل- على بني آدم، فهل بعد هذه الشهادة من شك؟ ولكن من أين جاء هذا النكران وكيف تسلل خلق الجحود إلى الإنسان؟ إنه صنع إبليس الذي أعلن الحرب على آدم وذريته يوم فضله الله في الخلق عليه اسمعوا القصة ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (الأعراف 11:17)، ذلك كان العهد الذي قطعه إبليس على نفسه: أن يصرف الناس عن شكر الله، والله -عز وجل- أجاب -لحكمة يعلمها- إبليس إلى ما طلب ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ (الأعراف: 15)، ﴿ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (الحجر: 38:37) ولكنه عقب قائلا: ﴿قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الحجر: 43:41) وفي الآيات الأخرى قال: ﴿ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ  لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ (ص: 85:84).

ثم توجه الله -عز وجل- إلى بني ادم يذكرهم بفضله عليهم ويعدد نعمه التي أتاهم ويحضهم على ذكره وشكره: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (البقرة: 152) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (البقرة: 172). ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (النحل: 114).

من أجل ذلك كان النبي ﷺ يسأل الله- في دعائه- أن يعينه على شكره، فعن شداد بن أوس قال: كان النبي ﷺ يعلمنا أن نقول: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك»، «رواه الترمذي -واللفظ له- والنسائي وأحمد»

وعن أبي هريرة قال: دعاء حفظته من رسول الله له لا أدعه: «اللهم اجعلني أعظم شكرك وأكثر ذكرك، وأتبع نصيحتك، وأحفظ وصيتك» «رواه الترمذي وأحمد»، وعنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أتحبون أن تجتهدوا في الدعاء؟ قولوا: اللهم أعنا على شكرك، وذكرك وحسن عبادتك» «رواه أحمد» وعن معاذ بن جبل قال: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فقال: «إني لأحبك يا معاذ»، فقلت: وأنا أحبك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «فلا تدع أن تقول في كل صلاة رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، «رواه النسائي، وفي رواية لأبي داود في دبر كل صلاة».

إن الله يحب أن يُشكر في الدنيا، ويجب أن يُشكر في الآخرة، في حديث طويل عن أبي بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (الأعراف: 172)، قال ورفع عليهم ادم ينظر إليهم فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب لولا سويت بين عبادك؟ قال: «إني أحببت أن أشكر» «رواه أحمد»، ذلك في الدنيا، وأما في الآخرة فانظروا إلى ما يرويه أبو هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: «لا يدخل أحد الجنة إلا أري مقعده من النار- لو أساء- ليزداد شكرًا، ولا يدخل النار أحد إلا أرى مقعده من الجنة- لو أحسن- ليكون عليه حسرة» «رواه البخاري وأحمد».

وقد جعل الله -عز وجل- شكر الخلق له بمقام عبادتهم إياه، وعلق فعل العبادة منهم بفعل الشكر. وهذا هو المعنى الذي يدركه من تأمل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (النحل: 114)، فإن «إن» أداة شرط وضعت -كما يقول النحاة- «لتعليق الجواب على الشرط تعليقًا مجردًا يُراد منه الدلالة على وقوع الجواب وتحققه بوقوع الشرط وتحققه من غير دلالة على زمان أو مكان»، «النحو الوافي، ج4، ص ٤٣٢»، فعلمنا أن العبادة الحقة مرهونة بشكر الله ومتعلقة به تعلق الجواب بشرطه.

ولكن: كيف يكون الشكر؟

ذلك موضوع الحلقة القادمة إن شاء الله.

الرابط المختصر :