; أفغانستان وعناصر الصراع | مجلة المجتمع

العنوان أفغانستان وعناصر الصراع

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1981

مشاهدات 72

نشر في العدد 511

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 13-يناير-1981

الغزو الروسي حلقة من حلقات غزو الديار الإسلامية وثورة الأفغان حلقة من حلقات الجهاد الإسلامي.

مقدمة

الغزو السوفيتي لأفغانستان هو حلقة من سلسلة الغزوات التي بدأت منذ قيام الاتحاد السوفيتي بالاستيلاء على بلاد المسلمين في وسط آسيا، بعد جهاد مرير استمر أعوامًا طويلة قبل أن تسقط في يديه.

وهذه الحلقة الجديدة تتم بنفس الوحشية والعنف، ويقاوم فيها المسلمون بنفس الجرأة والاستبسال كأجدادهم السابقين في الشمال... والفرق هو أن مسلمي جمهوريات وسط آسيا تركوا يواجهون الاحتلال وحدهم، فلم تكن وسائل الاتصال مع مسلمي العالم تتيح لمن أراد المساعدة أن يساعد بالمال أو السلاح أو الرجال... وكانت الدول الإسلامية غارقة لآذانها في أيدي المستعمرين.

لقد سقطت الخلافة الإسلامية عام ١٩٢٤ أي بعد سبع سنوات فقط من قيام الثورة الشيوعية في روسيا القيصرية، فقد واكب الاحتلال السوفيتي لبلاد المسلمين أتعس حالات الضعف والانهيار في العالم الإسلامي.

أما اليوم فوضع العالم الإسلامي، بعد تحرره من الاستعمار، وبعد تدفق النفط والمال في يديه، أصبح مختلفًا عما كان عليه بالأمس، وأصبحت وسائل الاتصال ميسورة، فلقد ألغيت المسافات أو كادت، واقترب المسلمون بعضهم من بعض، أو هم يستطيعون، أو يقتربوا إن هم عقدوا العزم على ذلك.

أما قضية التوازن الدولي للقوى والاعتماد عليها، فهو أمر محظور، يتغير من يوم لآخر، وتحكمه المصالح المتقلبة للقوتين الكبريين، وتضعف من شأنه محاولات التوافق الدولي التي هي في حقيقتها التقاء مصالح الدولتين الأقوى لإضعاف مقاومة الفريسة حتى يسهل اقتناصها وتقسيمها فيما بينهما.

ومن ثم أصبح الحل الأوحد هو الجهاد... وقد شرعه الله منذ بدء الإسلام، وهو ماضٍ في هذه الأمة إلى يوم القيامة.

أطراف المواجهة:

كابول تبدو ملتهبة مع الشهور الأولى من عام (۱۹۸۱). ولعل مرور عام على الغزو الروسي الغادر لأفغانستان الإسلامية علمت أمم العالم أن المسلم لا يهين ولا يحزن... وإن المسلمين هم الأعلون...

• ففي أفغانستان يواجه الشعب الأعزل إلا من الأسلحة التي غنمها من أعدائه ثلاث قوات هي:

أ- القوات الأفغانية التابعة للجيش ووزارة الدفاع.

ب- قوات الغزو الروسي... وهي تقترب من/ ١٠٠/ ألف رجل بكامل أسلحتهم وفق آخر التقارير.

ج- القوات العسكرية الكوبية الرديفة التي استقدمها الروس لصد هجمات الثوار الأفغان، والاعتماد عليها في بعض المهام داخل المدن الأفغانية.

ولعل بعض المراقبين الغربيين أبدوا إعجابهم بالروح الجهادية العجيبة التي يملكها المجاهدون المسلمون في أفغانستان.

• من لندن نقلت الوكالات الإخبارية عن صحيفة بريطانية يوم 1980/12/13 أن الثوار المسلمين في أفغانستان قطعوا الطريق الرئيسي المؤدي الى كابول قبل نهاية عام ۱۹۸۰- وقد أشارت الى حصول معارك عنيفة دارت شمال العاصمة بين المجاهدين والقوات الروسية الغازية، وقالت نقلًا عن مصادر ديبلوماسية في نيودلهي: إن هذا الطريق يمر بإحدى المناطق الإستراتيجية الهامة التي تمر بها إمدادات التموين للجيش الروسي.

إن هذا شاهد أكيد على أن مستوى المواجهة، وإن كان متفاوتًا بين مجاهدي أفغانستان وأعدائهم... فإن النتائج تشير إلى عجز الروس وحلفائهم العملاء في هذه المواجهة من تحقيق أيًا من أهدافهم في ضبط الثوار المسلمين والقضاء على الحركة الجهادية المباركة.

الحكومة الأفغانية:

إنه من المعروف أن عجز الحكومة الأفغانية العميلة أيام حفيظ الله أمين كان السبب الأول... بل السبب الوحيد في دخول الروس بزحوفهم العسكرية إلى أفغانستان لمنع قيام حكم إسلامي، ينطلق فيما بعد ليعمم نموذجه العالم الإسلامي.

لكن... ماذا عن حكومة بإبراك كأرمل وحزبه «بأرشام» الذي خلق حزب خلق وحفيظ الله أمين؟

تقول بعض التقارير الصحفية: إن هناك خلافًا مريرًا في كوادر الهيئة الحاكمة العميلة في كابول، وقد كشفت الرحلة التي قام بها العميل «كأرمال» إلى موسكو في الشهر الماضي؛ بحثًا عجز الروس في تصفية الخلافات بين رجال حزب الشعب الحاكم في أفغانستان، كما عجزت عن وضع حد للمنافسة بين جناحي هذا الحزب. جناح خلق... وجناح بأرشام الذي ينتمي إليه «بإبراك كأرمال» العميل، ويبدو أن جناح «بأرشام» فاز على بعض منافسيه «من جناح خلق» في منافسات أدت إلى سفك دماء بعض القادة العملاء وإلى جهنم وبئس المصير.

ففي يونيو الماضي تمكن جناح بأرشام من القضاء على بعض الخصوم من جناح «خلق»؛ حيث تم إعدام عدد من أعضاء هذا الجناح، وأبعد نائب رئيس الوزراء أسد الله سافاري إلى منغوليا. وهو الذي كان يمثل جناح «خلق» في الحكومة، ثم تطور الخلاف بين جناحي حزب الشعب حتى توصل إلى مستوى الهجمات بالبنادق والمسدسات بين العملاء أنفسهم.

لكن أعضاء حزب خلق الذين خسروا بعض الجولات في البدء، عادوا وضموا صفوفهم، وقاموا بتأليف لجان دفاعية لصد الهجمات التي يشنها أعضاء من جناح بأرشام على بيوت ومكاتب أعضاء جناح خلق. ويقال: إن من بقي في كابول من أعضاء جناح خلق ما زالوا ينتظرون اللحظة التي سوف ييأس فيها الروس من إمكانية «بأرشام» في ضبط الأمور. ومن ثم لن يبقى أمام الروس من يتعاملون من سوى بقايا «خلق» المؤيدة لرئيس الوزراء الأسبق أسد الله سافاري.

الروس في ورطة:

تتوافق تصريحات المراقبين الغربيين والآسيويين في باريس وبون ونيودلهي وبكين في أن الروس الذين دخلوا أفغانستان منذ عام باتوا في ورطة... وكلما ازداد الزمن يزداد الروس تورطًا على حد تعبير المراقبين.

• فالعالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه بات يحقد على الروس وعلي العقيدة الشيوعية الفاسدة.

• والغرب يستغل الوجود الروسي في دولة من دول الصراع على النفوذ، فيحرك ذنبه في بلدان أوروبا الشرقية، وعلى رأسها بولندا؛ ليضيف إلى مشاكل الروس في العالم مشكلة جديدة.

• والجنود الروس الذين يلاقون الموت كل يوم بالمئات على أيادي المجاهدين باتوا نقطة حرجة داخل الجمهوريات السوفياتية. الأمر الذي اضطر الروس لاجتلاب المرتزقة الكوبين للقتال في أفغانستان؛ مما يبرز مؤشرات التورط بوضوح.

لعبة يعرفها المجاهدون:

في هذا الوقت الذي يجد الروس فيه أنفسهم في ورطة. يشتد ساعد المجاهدين ضربًا وعلى رؤوس العملاء والغازين... في هذا الوقت الذي يقف فيه الشعب الأفغاني وقفة رجل واحد يحاول بعض حكام العالم... ومنهم «أنور السادات حاكم مصر» تشجيع سياسة العودة إلى الحكم الملكي المتمثل بشخصية ملك أفغانستان «محمد ظاهر شاه» الذي ما زال على قيد الحياة.

• فالعالم الذي لا يريد دخول الروس إلى أفغانستان يشمل فيما يشمل على واردات دولية معينة لا ترغب أن يحقق المجاهدون الإسلاميون انتصارًا نهائيًّا. وإنما هم يعدون أطرافًا سياسيةً أخرى لقطف ثمار النصر في النهاية.

• ومصر هي من الدول البارزة التي تحتضن جبهات ضعيفة مؤيدة للعودة إلى الملكية، وسادات مصر يحاول أن يجعل من بعض الملكيين مجاهدين يتابعون خطى جمال الدين الأفغاني. محمد عبده على حد تعبير وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية يوم 4/1/1980 لدى استقبال بعض رجالات الثورة الأفغانية.

• أما ملك أفغانستان الأسبق، والذي يعيش في المنفى «روما» فهو يلقي التصريح تلو التصريح في كل مناسبة؛ ليلفت الأنظار إلى وجوده ومكانته السياسية لحل وسط بديل عن الروس والمجاهدين، بأن واحدًا ومن آخر تصريحاته في روما قوله: إن الأمة الأفغانية «تريد أكثر من أن تعيش» وقال في تصريح آخر: «إنه يصلي من أجل الشعب الأفغاني في كفاحه البطولي المشروع لتحقيق الاستقلال والحرية والكرامة الإنسانية».

وهنا نسأل الملك المعزول محمد ظاهر شاه.

• هل نسيت اليوم الذي كنت تضرب بيد البطش على رؤوس الإسلاميين في كابول والمدن الأفغانية الأخرى؟ ... وهل نسيت الأيام التي فتحت فيها الباب على مصراعيه للشيوعيين؛ حتى تسلموا أعلى مراكز السلطة والقوة في عهدك الأخير؟!!!

إنك لست بأكثر من رجل يبكي على عرشه!!! وإنها لعبة مكشوفة.

آخر صور للحال الأفغانية:

على الرغم من جميع المؤامرات التي دبرها الروس ورجال كارمال... وغيرهم؛ فإن الثوار الإسلاميين يواصلون ضرباتهم - ليل نهار - في أفغانستان... وهم مسيطرون على معظم المناطق الإستراتيجية من أفغانستان. هذا وقد وافانا مراسلنا في أفغانستان بالتقرير التالي:

اتصل زعماء المجاهدين الأفغان، وأفادوا بأن المعنويات لكل المجاهدين قويةً جدًّا، وهم مصممون على الجهاد في سبيل الله حتى خروج الجيش الروسي، وفي فصل الشتاء سوف يتقلص هجوم الروس بسبب الثلوج، كما أفادوا بأن خسائر الروس طيلة السنتين الماضيتين ثلاثة آلاف دبابة، أما القتلى فلا يقل عددهم عن (25.000) جندي، روسي قتيل، وهناك من يقول إن قتلى الروس يصل إلى 50.000 أما الجيش الأفغاني فيعتبر الآن في درجة المنحل، فالصدام الآن بين الروس وبين الشعب الأفغاني الأعزل من جهة وبين الروس والمجاهدين من جهة أخرى. كما أن الروس أخذوا يجبرون الأفغانيين على التجنيد... وقد بلغ عدد المهاجرين الأفغان إلى باكستان (١,٥٠٠,٠٠٠) مهاجر. وهناك قوى كاملة مدنية دمرت، ولجأ أهلها إلى الجبال والكهوف. وقد أرسل إلينا مراسلنا صورًا توضح ذلك نشرناها مع هذا المقال.

هذا ويسيطر المجاهدون على ٨٠٪ من أفغانستان وفي هذه الأيام اشتد العمل الجهادي في جنوب كابول، وكذلك حمى وطيس المظاهرات وهي على أشدها هناك.

وهناك محاولات تبذل لتكوين حكومة يرضى عنها الروس بدلًا من حكومة بابراك كارمال الحالية، إلا أن المجاهدين لم يقدموا مليون شهيد وجريح؛ ليرضخوا لمثل هذه المحاولات، وسيكون نصيب هذه المحاولات الفشل، والشعب الأفغاني لا يقبل إلا بخروج الروس دون قيد أو شرط، تاركين الأمر للشعب يرتب أمره دون ضغوط أجنبية.

حاجات المجاهدين:

واحتياجات المجاهدين تتلخص في السلاح والمال... وقد قال لنا أحد قادة الجماعات العاملة هناك وهو الشيخ محمد يونس خالص رئيس الحزب الإسلامي... إن ما يحتاجه المجاهدون منا ليس المال ولا السلاح؛ لأن الغلبة والنصر لن يكونا بالمال والسلاح لاستحالة التفوق في هذا المجال. ولكن الحاجة الماسة هي أن نحسن أعمالنا وصلتنا بالله عز وجل، فيستجيب الله دعاءنا، وهذا نموذج للفهم الواضح لطبيعة المعركة الربانية التي يخوضونها.

بالنسبة للسلاح كانوا يستولون على احتياجاتهم من الرشاشات والبنادق من يد عدوهم، ولكن الحرب الآن لم تعد كما كانت حربًا منظمة، ولا حرب عصابات. وإنما تحولت إلى حرب خاطفة؛ حيث تهجم القوات الروسية من داخل حدود الاتحاد السوفييتي وتعود في نفس اليوم، وأساس هجومها هو الطائرات العمودية المدرعة والدبابات...

ولذلك لم يعد السلاح الفردي متوفرًا عن طريق العدو... وإنما يشترى من المناطق الجبلية الواقعة بين حدود الدولتين... وهو متوفر من جراء بيع الجنود النظاميين الأفغان والحرس الوطني الذي جندوه مؤخرًا لسلاحهم إلى رجال القبائل... وهؤلاء بدورهم يعرضونه في محلاتهم للبيع.

أما المال فهو لازم للمجاهدين للإنفاق على الطعام والملبس؛ حيث إن كثيرًا من المزارع أحرقت ولم تعد القرى قادرة على إطعام المجاهدين.

وبعد:

ماذا فعلنا نحن كمسلمين حتى الآن مع أفغانستان الإسلامية... ونحن بعيدًا عن القومية العصبية الجاهلية التي أفسدت رؤيا الكثيرين، ننادي بالمسلمين وبحكامهم جميعًا أن هبوا... فإن أفغانستان هي قضية لكم. ولا تقل بشكل من الأشكال عن القضية الفلسطينية أبدًا. فكلتا القضيتين هما قضية واحدة للمسلمين أينما كانوا وحيثما حلوا. 

الرابط المختصر :