; أفغانستان مقبرة الروس والأمريكان | مجلة المجتمع

العنوان أفغانستان مقبرة الروس والأمريكان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يناير-1980

مشاهدات 71

نشر في العدد 464

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 08-يناير-1980

السياسة الأمريكية مسؤولة عن دفع أفغانستان في أحضان الاتحاد السوفياتي

أثبتت التجارب أن الشعب الأفغاني شعب قتالي من نوع فريد

أمريكا تتدخل في باكستان بحجة الحماية... وبذلك تقتل محاولة قيام الدولة الإسلامية.

لسنا

مـجـازفين عندما نُشرك الأمريكان مع الروس في القتال الدائر ضد المسلمين في أفغانستان، ولا نرضى بـالـسـذاجة السياسية التي تفسر الأحداث بظواهرها الخادعة… فقبل أن نسترسل في الحرب القائمة، علينا أن نحدد بعض الحقائق والظواهر المهمة.

  • أفغانستان كانت منذ فترة قصيرة تعتبر إحدى مناطق النفوذ الغربي الـذي تـتـزعـمـه أمريكا.. والـنـفـوذ الغربي يرتدي ألبسة متنوعة تخدع أمزجة الشعوب.. فتارة يكون النفوذ الغربي بلباس المتدين، وتارة بلباس الديموقراطية، وأخرى بلباس الشيوعية والاشتراكية.. ولـنـا شـواهـد كثيرة في العالم العربي المعاصر…
  • الاتفاق الدولي على تقسيم مناطق النفوذ وما سبقه ولحقه من اتفاقيات خاتمتها «سالت» الشهيرة.. و«سالت» الأخيرة جاءت بعد انبعاث ظاهرةالانبعاث الإسلامي التي أرعبت القوى الدولية.. و«سالت» الأخيرة لم يمض على عمرها سنة.. و«سالت» الأخيرة تحوي أكثر مما أعلن عنه.. ومما تـحـويـه ولـم يـعـلـن عـنـه قضية أفغانستان.. فكما صرح أحد المراقبين السياسيين، ونشرته الصحف أن أفغانستان من ضمن المناطق التي تم الاتفاق على اقتسامها بين الروس والأمريكان.. كيف نصدق أن يتفق الروس والأمريكان على تقسيم مناطق النفوذ، وتقوم روسيا بنقض الاتفاق بصورة لم يسبق لها مثيل في أقل من سنة من الاتفاق؟
  • الرؤوس التي اعتلت كرسي الحكم في أفـغـانـسـتـان ظلت ذات خلفية أمريكية مريبة.. ونحن لا نعني الرؤوس الملكية ولا محمد داود.. إنما نعني تراقي الذي كان مُلحقًا ثقافيًّا في سفارة مملكة أفغانستان في واشنطن «١٩٥٢- ١٩٥٣»، وعـضـوًا في الـوكـالـة الأمريكية للتنمية العالمية في كابول «1955-  1958»، ومتـرجـمًـا في السفارة الأمريكية في أفغانستان «1962- ١٩٦٣».. كما نعني حفيظ الله أمين الذي تلقى تعليمه في جامعة كولومبيا بنيويورك في الولايات المتحدة.

المسـتـقـرئ للأحداث التاريخية المعاصرة هـو الـذي يـعـلـم تـمـامًا ماذا يعني هذا؟؟ هذا يعني إضافة رقم كبير لمقدار الاحـتـمـال الذي يريد أن يصل إليه المحلل السياسي.

  • أشارت وكالات الأنباء العالمية إلى وثيقة سياسية تعود إلى ثلاث وعشرين سنة مضت، جاء فيها أن «السياسة الأمريكية مسؤولة عن دفع أفغانستان في أحضان الاتحاد السوفيتي»، والوثيقة عبارة عن شهادة أدلى بها السفير الأمريكي في الهند عام ١٩٥٧م، أمام اجتماع مغلق للجنة العلاقات الخارجية وشؤون الدفاع التابعة للكونغرس الأمريكي.
  • ثم ما هو الموقف الأمريكي تجاه ما يحدث في أفـغـانـسـتـان؟ المـوقـف الأمريكي أو الغربي مدعاة للسخرية.. وتبدو عليه سمات التآمر والخديعة.. فالموقف الأمريكي الغربي لم يتعد الاستنكار الذي تبعه سيل من الاستنكارات في عالمنا الإسلامي... وكأن إشارة الضوء الأخضر أضـيـئت مـن أمريكا.. ثم لم يتعد الموقف سوى قرار يقول بتخفيض صادرات القمح إلى روسيا.. والقرار لم يوضع حتى الآن في حيز التنفيذ.. ثم قرار آخر بالامتناع عن المشاركة في دورة الألعاب الأولمبية التي ستقام في موسكو.. وآخـر مـا طالعتنا به الصحف -عند كتابة هذا التعليق- أن أمركيا تدرس تقديم المساعدات العسكرية للثوار الأفغان.. وهذا يدلل بقوة على أن أمريكا لم تقدم أية مساعدة عسكرية للأفغان كما كان يشاع، ولا نظن أنها ستقدم شيئًا...

ولقد أكـد المـجـاهدون المسلمون في أفغانستان أكثر من مرة وفي مناسبات عدة أن الغرب لم يمدهم بأي عون في ثورتهم، سواء كان هذا العون في السلاح أو المال أو غيرهما.

كل هذا يُدلل على أن أمريكا مشتركة بكل جسمها في المؤامرة.. مشتركة بالطريق المباشر.. والرسمي.. والمتعمد مع سبق الإصرار..

  • وخير لنا من أن نمضي في التدليل على اشتراك النفوذين في الحرب الدائرة في أفغانستان.. وفي التآمر على الإسلام والمسلمين.. خير لنا من هذا كله أن نبرز السبب الذي من أجله تدور هذه الـحـرب، ونـبـرزه بـالـخـط الأحـمـر والعريض..

إن ظاهرة الانبعاث الإسلامي أزعجت القوى العالمية، وأثارت في داخلها الهلع والخوف.. ظاهرة الانبعاث الإسلامي تنبئ بانفتاق التماسك العالمي المتآمر، و بروز قوة جديدة عالمية ألا وهي القوة الإسلامية.. لقد ظهر هذا الانزعاج والـقـلـق في تصريحات المسئولين الأمريكان، وفي تصريحات المسئولين الإسرائيليين، وفي تصريحات المسئولين الروس، ثم في تصريحات المسئولين الأتباع.. وكان أكثر ما ينبئ بالخطر الداهم هو:

  • المحاولات الإصرارية الجادة لإقامة حكومة إسلامية في باكستان.. واندفاع الشعب برمته لسحق الفساد المستشري في البلاد، وائتلاف القوى السياسية والشعبية من أجل إقامة حكومة إسلامية ضد الفئة الحاكمة...
  • الاضطرابات التركية التي تقلق المراقبين الدوليين، والتي تنبئ بظهور اتجاه يأخذ اندفاعًا أكثر نحو الإسلام.. واضـطـرابـات مماثلة تعم الـعـالـم العربي...
  • ما يحدث في إيران من اندفاع ديني والتفاف حول العلماء. 
  • الاقتراب من الحصول على القنبلة الذرية في باكستان المرشحة القوية للتحول للإسلام حكومة ودولة، و يكون حينها دخول دولة إسلامية في النادي الذري...

وغيرها من أسباب ستبدو جلية كلما اقتربنا من الأفق البعيد الذي يحوي حقائق ومعلومات رهيبة...

  • كان لا بد للقوتين العالميتين أن تطمس كـل قـوة مـرشـحـة للبـروز والتنافس على النفوذ العالمي.. كان لا بد من الاقتلاع من الجذور.. اقتلاع المحاولات الأشبه بالبراعم الصغيرة.

فكانت أفغانستان هى الموقع الطبيعي على الخريطة الدولية التي تلتصق بباكستان وإیران قريبًا من تركيا.. وهنا بدأت الحرب في أفغانستان.

  • كان لا بد مـن ضـرب الإسـلام أيـديولـوجـيًّا.. لذلك نشط الاتجاه اليساري فيأفغانستان أيام الملكية.. ووجد له كل التسهيلات والمساعدات.. وأعـدم الدعاة إلى الله.. ولكنه فشل في هزيمة الإسلام أيديولوجيًّا.
  •  تحول الاتجاه إلى لعبة العسكر في ضرب الحركات الإسلامية.. فجاء داود الذي سلم لليسار الشيوعي مقاليد السلطة، وأعطاه مرونة الحركة في ضرب الإسلاميين ولكنه فشل...
  • تحول الاتجاه إلى لعبة الانقلابات العسكرية.. فـتـوالـت الـحـكـومـات العسكرية الشيوعية، ابتداء بتراقي ومرورًا بأمين وانتهاء بكارمل.. ولكن هذه المرة ارتدت عليهم،إذ اشتعلت أراضي أفغانستان ثورة خضراء تجعل مـن دمـاء الروس وعملائهم سمادًا طبيعيًّا لإحياء أرض أفغانستان.. لقد انـضـم الـشـعـب إلى هـذه الـثـورة.. وانضمت فصائل من الجيش لتقاتل أعداء الله.
  • إن الحرب الدائرة بين المسلمين الأفغان والكفار الروس وأتباعهم هي حرب على الإسلام بالدرجة الأولى، وقد كتبنا مرارًا في مجلة المجتمع محذرين من تدخل روسي في أفغانستان، ومن خطورة الوضع في تلك المنطقة.. لقد طالبنا بنصرة الثوار المسلمين.. طالبنا من تبقى في نفسه بقية من مروءة.. بقية من شهامة.. بقية من حمية...

ولكن كما قال الشاعر:

لقد أسمعت لو ناديت حيًّا

                        ولكن لا حياة لمن تنادي 

  • في الوقت الذي نرصد هذه الحرب من زاوية العقيدة.. من زاوية الإسلام.. نجد الروس والأمريكان يرصدونها من زاوية المصالح المشتركة.. الأمريكان يريدون هذه الحرب؛ لأنها ذات أهداف قريبة وبعيدة، وهي:
  1. ستخفف النقمة الإسلامية التي شملت العالم الإسلامي تجاه الولايات المتحدة بتزعمها لاستنكار التدخل السوفيتي، وادعائها أنها تريد أن تقدم مساعدات للمسلمين المجاهدين في أفغانستان.
  2. ستشغل العالم الإسلامي عن مؤامرة «كامب ديفيد»، ودعوته لمواجهة (الخطر الأدهى) وهو الشيوعية التي تريد أن تتسلل عبر أفغانستان إلى منابع النفط في الخليج.
  3. ستعيد نغمة اليمين واليسار بعد أن خف لحنها، وحل محلها إسلام ولا إسلام.
  4. ستـستـنـزف طاقات المسلمين في تـأيـيـد المـجـاهـدين في أفغانستان، وتصرفهم عن مساعيهم في التمكين لعقيدتهم في بلادهم.

 هذه الأهداف القريبة لأمريكا، وربما لها أهداف أعمق...

  • فهي قد تتدخل في باكستان عسكريًّا بحجة حماية باكستان من الخطر الداهم.. وبذلك تقتل المحاولة القوية لقيام دولة مسلمة في باكستان.. وتنهي القلق الغربي من امتلاك شعب مسلم لسلاح ذري.. وتعيد هيبتها إلى المنطقة من جديد.. وتطفىء المحاولات المنيرة للبعث الإسلامي...
  • أما روسيا فـأطـمـاعـها التوسعية تدفعها لتدخل السافر والغزو القبيح.. وروسيا تريد أن تكسب لشعاراتها زخمًا جديدًا في المنطقة بعد أن تلاشی ظلالها.. وروسيا متعطشة لمنابع البترول في الخليج.. خاصة وأنها ستكون في الثمانينات -كما تقول التحليلات الاقتصادية- من مستوردي النفط.. وروسيا يعنيها كثيرًا -أكثر من أمريكا- ضرب الإسلام.. ضـرب الإسلام بشراسة وبلا هوادة...
  • إننا لا نخشى على أفغانستان؛ لأن فيها رجـالًا مـؤمـنـين.. ورجـالـهـا من أشراس المقاتلين.. بل إننا فرحون أن تجربـة الـروس هـذه جـاءت في أفغانستان.. فأفغانستان تختلف عن بقية المناطق الإسلامية.. فشعبها أبيّ صلب لا يهادن ولا يخنع.. أثبتت تجارب القرنين الماضيين على أنه شعب قتالي من نوع فريد عجزت عن قهره الإمبراطورية البريطانية.. بل لا تزال ذكرى مـجـازر الأفـغـان للـجـنـود البريطانيين ماثلة أمام الروس والأمريكان.. إن أفغانستان مقبرة.. مقبرة لكل الغزاة.. يقول المسيو لو مارشان أحد ضباط الجيش الفرنسي ومن أعضاء الأكاديمية العسكرية في كتابه «حرب الإنجليز مع الأفغان» الذي ظهر سنة 1879م ما يلي «في سنة 1841م شبت نار الثورة في كابول، وقتل فيها المعتمد البريطاني وعدد من ضباط الإنجليز، ثم اضطر القائد الإنجليزي -بالنظر إلى تحرج موقعه- إلى طلب الأمان على نفسه وعلى جنده.. على أن يخرج من البلاد بدون توقف لا يلوي على شيء.. وهـكـذا خرج في أشد زمهرير الشتاء.. وكـان مـا كـان من الملحمة المشهورة التي استأصل فيها الأفغانيون 16 ألف أو ۱۷ ألف جندي إنجليزي.. ليس منهم سوى 4 إلى 5 آلاف مقاتل في كمين نصبوه لهم في «خورد كابول».. فلم ينج منهم سوى الطبيب العسكري «بريدون»الذي فر إلى جلال آباد؛ ليخبر قومه بالفادحة العظمى».

    ويقول «لقد أردنا الإشارة إلى هاتين الحملتين اللتين تقدما للإنجليز في أفغانستان لما لهما من العلاقة بالحرب الحاضرة (يعني حرب سنة ١٨٧٨م إلى سنة ١٨٨٠م».. كـمـا أنه لا يخلو من الفائدة معرفة ما يعترض جيشًا أوروبيًّا يريد التوغل في تلك الديار من العقاب الصعاب، وما يستجلب النظر من كون كتائب العساكر الأفغانية الـتـي كـان الإنجليز قد كتبوها.. واسـتـخـدمـوهـا.. وظـنـوهـا أصبحت من جملة جيشهم.. قد انقلبت عليهم، وكانت أشد أعدائهم وطاة في تلك الحرب».

يقول المؤرخ شكيب أرسلان في تعليقه على «حاضر العالم الإسلامي»: الإنجليز قد تعلموا من تلك الواقعة أن ينظروا إلى الأفغان بغير العين التي ينظرون بها إلى جيرانهم الهنود.. وعرفوا أن الأفغاني لا ينام على الثأر.. ولا يقبل أن يطأ الأجنبي وطنه.. ولا يواطيء العدو على استقلال بلاده، كما حصل من كثير من أمراء المسلمين الذين كان الواحد منهم يسعى بين يدي القوة الأجنبية.. ويذلل أمامها مناكب قومه.. طمعًا في أن تلبسه تاجًا موهومًا، أو تركبه عرشًا اسما، كلا، إن الأفـغـان منذ أول احتكاكهم بالإنجليز أفهموا بأعمالهم هؤلاء أنهم ليسوا من طينة غيرهم من جيرانهم».

ونـقـول نـحـن للـروس إنـكـم تـقـذفون بأبنائكم إلى جهنم أفغانية ستصليكم بلظـاهـا بلا رحمة.. وإن أفغانستان ليست المجر ولا تـشـكـوسـلـوفـاكيا ولا فيتنام ولا كوبا.. إن أفغانستان ظـاهـرة عجيبة.. سـتـعـرفـونـهـا بعد تجربتكم هذه إن شاء الله «وإن جندنا لهم الغالبون».

الرابط المختصر :