العنوان أفغانستان: انقلاب كابل وأبعاد الصراع بين خلق وبرشم
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مارس-1990
مشاهدات 56
نشر في العدد 958
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 13-مارس-1990
المحاولة الانقلابية متوقعة ولم تكن مفاجأة لمن يرقب الأحداث.
مع استمرار تضارب الأنباء لليوم الثالث على التوالي فيما يتعلق بالمحاولة الانقلابية التي حدثت في 6 مارس الجاري في العاصمة كابل، إلا أنها كشفت وأبرزت كثيرًا من الحقائق حول أبعاد الصراع القائم بين جناحي الحزب الشيوعي الحاكم في كابل: "خلق" و"برشم".
ومع أن هذا الصراع قديم، وربما كانت بدايته مع بداية تكوين الحزب الشيوعي في أفغانستان في أوائل الستينيات، إلا أن هذا الصراع بدأ يأخذ أبعادًا جديدة بعد وصول الشيوعيين للسلطة في أبريل 1978. وظل معدل الصراع بين الجناحين الشيوعيين يتصاعد من حين لآخر حتى وصل ذروته في هذه المحاولة الانقلابية الأخيرة التي كان يتوقع حدوثها كثير من المراقبين. فما أبعاد هذا الصراع؟ وما نتائجه المتوقعة؟
لم يكن الإعلان في 6 مارس الجاري عن قيام شاه نواز تاناي، وزير الدفاع في نظام كابل، بمحاولته الانقلابية إلا تتويجًا لمحاولات عديدة سابقة قام بها ضباط تابعون له، وكان هو من ورائها. ورغم سعي نجيب خلال الشهور الأخيرة للقيام بمحاولات عديدة للصلح بين جناحي الحزب الشيوعي "خلق وبرشم"، فقام بإخراج كثير من أعضاء "خلق" من السجون وعينهم في بعض الوظائف، وكان منهم محمود بريالي شقيق بابراك كارميل، إلا أن ذلك لم يهدئ من حدة الصراع بين جناحي الحزب. وكان سعي تاناي الدؤوب خلال الشهور الأخيرة للقيام بعدة محاولات انقلابية ضد نجيب سببًا رئيسيًا في نسف كل الجسور التي كان يسعى نجيب لبنائها بين "خلق" و"برشم". وكانت المحاولة الانقلابية التي قادها ضباط تابعون لجناح "خلق" في ديسمبر الماضي هي قمة التصعيد للمواجهة بين "خلق" و"برشم". وقد ذكرت وكالة أنباء المجاهدين "ميديا" في تقرير لها نشر في 1989/12/6 أن اشتباكات عنيفة قد وقعت داخل العاصمة كابل بين الأجنحة المتصارعة، قُتل وجُرح خلالها عشرات من المارة على أرصفة الشوارع. وقد ذكر القائد عبد الحق، أحد قادة المجاهدين البارزين حول كابل، في تصريح خاص لـ"المجتمع" أن الصراع بين جناحي "خلق" و"برشم" قد أخذ أبعادًا واسعة خلال الشهور القليلة الماضية، وقال إن السوفيت قد أرسلوا عدة وفود خلال الفترة الماضية للإصلاح بين قادة جناحي الحزب الشيوعي "خلق" و"برشم". وكان قلب الدين حكمتيار، أمير الحزب الإسلامي، قد أعلن في خطابه الذي ألقاه بالقرب من بيشاور في 1989/12/27 بمناسبة الاحتفال بالذكرى السنوية العاشرة للتدخل السوفيتي في أفغانستان "أن الخلافات قد تفاقمت بين كل من د. نجيب رئيس جناح "برشم" وشاه نواز تاناي وزير الدفاع ورئيس جناح "خلق"؛ وذلك بسبب خوف نجيب المتزايد من قيام انقلاب عسكري ضده بقيادة تاناي. وقد أدى ذلك إلى قيام نجيب باعتقال ثلاثة جنرالات وكولونيل واتهامهم بالسعي لعمل انقلاب عسكري ضده في أوائل ديسمبر 1989". وأضاف حكمتيار أن قيام نجيب من آن لآخر باعتقال أو إبعاد كبار الضباط في الجيش قد أدخله في مشاكل مع وزير دفاعه الذي اعترض على هذا الأسلوب الذي يشكك دائمًا في رجاله، وقد أدى هذا إلى وصول لجنة مصالحة سوفيتية إلى كابل في محاولة لإعادة الثقة بين الرجلين.
ونقلت مصادر صحفية أخرى أن "أسلم وطنجار" وزير الداخلية وأحد المقربين من نجيب قد اقترح عليه إبعاد شير نواز تاناي إلى موسكو أو إحدى دول أوروبا الشرقية، كما فعل مع الفريق سيد محمد جلاب رئيس جناح "خلق" السابق الذي أبعده نجيب وعينه سفيرًا في موسكو. والجدير بالذكر أن نجيب قد أعلن عن تعيين أسلم وطنجار وزيرًا للدفاع خلفًا لتاناي بعد إقدامه على المحاولة الانقلابية الأخيرة. وفي 1990/1/14 ذكرت وكالة "ميديا" نقلًا عن مراسلها في كابل أن أنصار جناح "برشم" الذي يتزعمه نجيب قد قاموا بحملة تمشيط واسعة النطاق ضد أفراد جناح "خلق" الذي يتزعمه وزير الدفاع شاه نواز تاناي خاصة في صفوف الجيش، وأنه قد تم اعتقال الجنرال عبد الفتاح قائد القوات الجوية، والجنرال يوسف أمين رئيس قسم الكشف بالقوات الجوية؛ وذلك بتهمة الاتصال بالمجاهدين ومحاولة قلب نظام الحكم. وكلا الجنرالين ينتميان إلى جناح "خلق". كما أُقيل بعض الضباط الآخرين الذين ينتمون لنفس الجناح مثل الجنرال آصف شور قائد فرقة قندهار العسكرية واللواء الركن قيام الدين قائد الفرقة الحدودية رقم 10. وأضاف التقرير أنهم قد تعرضوا لتعذيب شديد، نُقل بعضهم على أثره إلى مستشفى كابل العسكري.
هذه الأسباب وغيرها كانت تنذر بقرب تفجر الصراع الذي أدى إلى قيام تاناي بمحاولته الانقلابية في 6 مارس الجاري. وأشارت بعض المصادر أن إقبال تاناي على تنفيذ محاولته في هذا الوقت بالذات هو شعوره أو تأكده أن نجيب قد يقدم فعلًا على إقالته والانفراد بالسلطة، خاصة وأن المراقب للأحداث يستطيع أن يدرك أن تاناي ربما فرضه السوفيت فرضًا على نجيب طوال الفترة الماضية، وأن نجيب لم يكن يستطيع أن يقدم على إقالته دون موافقة السوفيت.
من هو نجيب؟
ولد نجيب في عام 1947 في كابل، وهو بشتوني يتقن اللغة الفارسية. وقد انضم للحزب الشيوعي في أفغانستان عام 1965، ويعتبر من مؤسسي الحزب. تخرج من كلية الطب في كابل عام 1975. وفي عام 1979 عُين سفيرًا في إيران عقابًا له على مشاركته في المحاولة الانقلابية التي كان جناح "برشم" يسعى للقيام بها على جناح "خلق". ثم عاد إلى أفغانستان بعد دخول السوفيت، حيث عينه كارميل رئيسًا لجهاز المخابرات الأفغاني "خاد". وعرف عنه منذ صغره ميوله العدوانية وغلظته وفظاظته. وفي مايو 1985 أُزيح كارميل وعُين نجيب رئيسًا للنظام في كابل. وقد تعرض خلال سنوات حكمه إلى محاولات اغتيال عديدة فشلت كلها. وقد سعى خلال سنوات حكمه الأخيرة خاصة قبيل خروج السوفيت من أفغانستان بمحاولة التقرب من المجاهدين، وأعلن مرارًا استعداده لما أطلق عليه المصالحة الوطنية مع المجاهدين.
من هو تاناي؟
أما شاه نواز تاناي، وزير الدفاع وزعيم المحاولة الانقلابية، فعمره 40 عامًا. وكان يُعتبر من قديم أحد أركان الحزب الشيوعي في الجيش الأفغاني، وقد كان له دور بارز في انقلاب أبريل 1978 الذي جاء بالشيوعيين إلى السلطة وركز دعائمهم. تولى رئاسة جناح "خلق" بعد تعيين سيد محمد جلاب سفيرًا لأفغانستان في موسكو. وقد عُرف بتعصبه للشيوعية ورفضه لكل محاولات المصالحة الوطنية التي كان يعلنها نجيب، حيث إنه يرى ضرورة القضاء على المجاهدين نهائيًا واستئصال شأفتهم. ويشير المراقبون إلى أن هذا الأمر كان من أسباب خلافاته الدائمة مع نجيب. ولعل هذا جعلهم يقعون في حيرة حينما أُعلن عن أن شاه نواز تاناي قد طلب مساعدة المجاهدين. وقد أكدت مصادر صحفية في بيشاور أن تاناي قد نقل زوجته وأولاده الثلاثة إلى بيشاور بعد ظهر 7 مارس، وعاد إلى أفغانستان مرة أخرى على متن طائرة هليكوبتر.
"خلق" و"برشم"
لم تكن ولادة حزب الشعب الأفغاني في كابل في بداية سنة 1965 إلا نتاجًا لجهود كبيرة بذلتها الشيوعية من أجل وضع أقدامها وترسيخها على الأرض الأفغانية. ولم يكن إعلان الحزب عن وجوده رسميًا من خلال جريدته الأولى "خلق" أي "الشعب" إلا بداية للصورة التي تعيشها أفغانستان وتحياها الآن. وفي سنة 1967 ظهرت أول بوادر الخلاف داخل الحزب الشيوعي بين نور محمد تراقي رئيس الحزب وبابراك كارميل أحد مؤسسي الحزب، ونتج عن هذا الخلاف انقسام الحزب إلى قسمين: الأول يحمل اسم "خلق" أي "الشعب" ويرأسه نور محمد تراقي، والثاني يحمل اسم "برشم" أي "الراية أو العلم" ويرأسه بابراك كارميل. وقد اختلف المراقبون في تحليلاتهم حول أسباب هذا الخلاف، فبعضهم أرجعها إلى أسباب عرقية وصراعات شخصية بين أعضاء الحزب، وبعضهم أرجعها إلى أسباب خارجية على هيئة ضغوط سوفيتية تتيح للسوفيت فرصة اللعب بأكثر من ورقة، وبعضهم أرجعها إلى كلا العاملين.
السلطة في كابل بين "خلق" و"برشم":
لم يكن الانقلاب الذي جاء بالرئيس محمد داود في عام 1973 ليعلن انتهاء العهد الملكي في أفغانستان وبداية العهد الجمهوري إلا صنيعة من صنائع الحزب الشيوعي. وقد بدأ نفوذ جناحي الحزب الشيوعي في أفغانستان يقوى بصورة ملحوظة بعد هذا الانقلاب الذي سعى القائمون عليه لتصفية الحركة الإسلامية التي بدأ عودها يقوى في تلك الآونة. ولم تكن الحرية التي أطلقت للحزب الشيوعي بجناحيه للعمل في عهد داود إلا عاملًا أساسيًا في احتدام الصراع والسباق بين كل منهما. ورغم المحاولات التي بذلت للتوحيد بين جناحي الحزب في مؤتمر عقد في كابل في صيف 1977، إلا أن الصراع لم ينته، ولم يكن لهذا المؤتمر أية أصداء عملية خاصة بعد مقتل مير أكبر خيبر، أحد المنظرين البارزين في جناح "برشم"، وذلك في أبريل 1978، واتهام جناح "خلق" أنه وراء مقتله. إلا أن داود حينما بدأ يدرك أبعاد اللعبة الشيوعية سعى لإبعاد الشيوعيين عن مناصب التأثير والنفوذ في البلاد، فقام الشيوعيون بانقلابهم وقتلوه في 27 أبريل 1978 وأعلنوا قيام الدولة الشيوعية في أفغانستان. وأصبح نور محمد تراقي رئيس جناح "خلق" هو أول رئيس لهذه الدولة، وبدأ بالفعل بالقيام بعملية تصفيات ومضايقات لأعضاء جناح "برشم". إلا أن الود لم يدم طويلًا بينه وبين تلميذه ونائبه حفيظ الله أمين، فقام صراع طويل بينهما وصل إلى مواجهة مسلحة، انتهت بمقتل نور تراقي على يد ضباط موالين لأمين، واستيلاء أمين على السلطة عن طريق انقلاب عسكري في 13 سبتمبر 1979. وظل أمين الذي تزعم جناح "خلق" بعد مقتل تراقي يواصل اضطهاده لأعضاء جناح "برشم"، حتى دخل السوفيت إلى أفغانستان في 27 ديسمبر 1979 فقُتل حفيظ الله أمين لينتهي بذلك فترة حكم جناح "خلق" لأفغانستان، وتبدأ فترة حكم جناح "برشم"، حيث استدعت القوات السوفيتية بابراك كارميل الذي كان منفيًا في تشيكوسلوفاكيا في منصب سفير يرأس الدولة. وكان أول خطاب يوجهه كارميل إلى الشعب الأفغاني كان من راديو "طشقند" الذي يبث من إحدى الجمهوريات الإسلامية الواقعة تحت الاحتلال الروسي. وكان من الطبيعي أن يرد أعضاء "برشم" الكيل لأعضاء "خلق"، خاصة بعد وصول السلطة إلى أيديهم. وامتد مسلسل الصراع بين "برشم" و"خلق" كمواجهة وبين أعضاء "برشم" داخل الجناح نفسه، وكذلك بين أعضاء "خلق" داخل الجناح نفسه. وانتهت الصراعات داخل جناح "برشم" بتغلب نجيب على بابراك كارميل في مايو 1986، حيث استُدعي كارميل إلى روسيا ولم يعد، وتسلم نجيب السلطة بعده ليستمر جناح "برشم" في السلطة، وتبدأ حلقة جديدة من حلقات الصراع بين "خلق" و"برشم".
موقف المجاهدين من الأحداث:
في الوقت الذي أعلن فيه قلب الدين حكمتيار أمير الحزب الإسلامي تأييده للمحاولة الانقلابية، وعقد في 6 مارس مؤتمرًا صحفيًا في إسلام آباد، وفي 7 مارس مؤتمرًا آخر في بيشاور ليؤكد فيه دعمه لشاه نواز تاناي وزير الدفاع، فإن حكومة المجاهدين قد وقفت موقفًا آخر من الأحداث. وأعلن البروفيسور عبد رب الرسول سياف، رئيس حكومة المجاهدين، أن الصراع القائم في كابل الآن هو صراع داخلي بين جناحي الحزب الشيوعي "خلق" و"برشم"، وأن المجاهدين لا علاقة لهم بهذا الصراع، ولا يؤيدون طرفًا ضد الآخر. وأضاف سياف في البيان الذي أصدره في 7 مارس أنه قد دعا المجاهدين إلى محاولة الاستفادة قدر الإمكان من أحداث هذا الصراع، وأن يسعوا إلى شن هجمات شديدة وقوية على مواقع نظام كابل والاستيلاء على أكبر قدر ممكن من هذه المواقع.
رؤية على الأحداث:
من خلال الصورة التي عرضناها، ومن خلال آخر ما ورد من أنباء من كابل لليوم الثالث للمحاولة الانقلابية، يستطيع المراقب أن يرصد بعض الجوانب الهامة من خلال هذه المحاولة الانقلابية، منها:
1. إن السوفيت لهم دور رئيسي وخطير في هذه الأحداث، ولا يمكن أن يحدث هذا وهم في موقف المتفرج. ويشير بعض المراقبين إلى أن روسيا ربما أرادت أن تكرر ما حدث في رومانيا بعدما أصبح نجيب هو الورقة الذي يراهن عليها الجميع، وأصبحت كثير من الأطراف تعتبر أن التسوية السياسية للقضية الأفغانية يمكن أن تتم لو تغير وجه نجيب وليس وجه النظام.
2. إن هذه الأحداث تعكس الوجه الحقيقي للشيوعية الذي ربما تكرر قبل ذلك في عواصم وبلاد كثيرة، ولعل الدمار والخراب الذي حل بالعاصمة كابل من جراء القتال بين الرفاق من أجل الصراع على السلطة يعكس هذا الأمر بوضوح.
3. إن هذه المحاولة الانقلابية هي نتاج لمرحلة طويلة من الصراع بين جناحي الحزب الشيوعي الحاكم "خلق" و"برشم"، وإنها كانت متوقعة ولم تكن مفاجأة لمن يرقب الأحداث.
4. إن شاه نواز تاناي لا يقل في صورته عن نجيب، بل هو وجه آخر ربما أكثر تعصبًا للشيوعية وعداء للمجاهدين، وإن هدفه الرئيسي من وراء المحاولة هو الاستيلاء على السلطة والانتقام لرفاقه الذين أذلهم حكام "برشم" أكثر من عشر سنوات.
5. إن إعلان باكستان عن وصول بعض الجنرالات من قيادات المحاولة الانقلابية إلى أراضيها في 7 مارس وطلبهم حق اللجوء السياسي، وكان من بينهم قائد القوات الجوية، وقائد قاعدة بغرام الجوية التي لجأ إليها تاناي، ربما كان لهذا الأمر دور في انحسار الموجة الانقلابية، حتى إن مراسل وكالة الأنباء الفرنسية في كابل قد أبرق في 8 مارس برقية أشار فيها إلى أن الحياة الطبيعية بدأت تعود للعاصمة كابل.
6. إن القوى الدولية سوف تسعى لاستغلال هذا الحادث في الضغط على الأطراف المختلفة كي تقبل بتسوية القضية سياسيًا.
7. إن المجاهدين يجب عليهم أن يسعوا للاستفادة قدر ما يستطيعون من هذه المحاولة التي سيكون لها ولا شك تأثير شديد وقوي على الأوضاع المختلفة لنظام كابل. وإن الفرصة مواتية لهم الآن للقيام بعملياتهم على المراكز المختلفة للنظام خاصة بعدما أخذت تشير الأنباء إلى زعزعة الثقة التي انتشرت بين صفوف الجنود، حتى إن وحدات كاملة قد بدأت تستسلم للمجاهدين. وقد ذكرت وكالة الأنباء الأفغانية في تقرير لها نشر في مساء 8 مارس أن المجاهدين قد تمكنوا من تحرير مدينة "قلات" عاصمة ولاية زابل، وبذلك تصبح زابل سادس ولاية يحرر المجاهدون عاصمتها ويحكمون قبضتهم عليها وذلك صباح 8 مارس. وأضاف التقرير أن وحدة "تور كوتل" التابعة لنظام كابل قد استسلمت للمجاهدين في قندهار بكامل أسلحتها وعتادها صباح نفس اليوم، وأن معارك شديدة تدور بين المجاهدين وجنود النظام من ناحية، وبين جنود النظام التابعين لـ"خلق" والآخرين التابعين لـ"برشم" من جهة أخرى في كل من قندهار وجلال آباد وخوست وحول العاصمة كابل.
إن المجاهدين يستطيعون أن يستفيدوا جيدًا من هذه الأحداث لو أرادوا ذلك، غير أن الأمر بحاجة إلى مزيد من توحيد الصفوف والمواقف حتى تتحقق الأهلية: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم:4-5).
"المجتمع" تراقب آخر تطورات الانقلاب
فيما دخلت المحاولة الانقلابية التي قادها وزير الدفاع في نظام كابل ورئيس جناح "خلق" في الحزب الشيوعي الأفغاني شاه نواز تاناي ضد رئيس النظام ورئيس جناح "برشم" د. نجيب يومها الرابع، بدأت كثير من معالمها تتضح. ولعلنا نسعى من خلال بعض النقاط في استعراض آخر وأهم هذه التطورات وذلك قبيل مثول "المجتمع" للطبع.
أكد مراسلون غربيون في العاصمة كابل أن الحياة بدأت تعود إلى طبيعتها داخل العاصمة كابل، وأن اشتباكات متفرقة كانت تدور في أطراف المدينة. وقد نقل تلفزيون باكستان في 8 مارس لقطات من داخل كابل تشير إلى ذلك.
أعلن د. نجيب، رئيس نظام كابل، أنه قد قام بتحويل بعض قيادات المجلس العسكري الحاكم في كابل إلى المحاكمة بسبب تواطؤهم في المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قادها وزير الدفاع. كما أعلن نجيب عن تعيين أسلم وطنجار، وزير الداخلية، وزيرًا للدفاع خلفًا لتاناي الذي لا يزال هاربًا.
اتهم نجيب باكستان أنها كانت وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة إلا أن وزير الخارجية الباكستاني قد نفى ذلك. والجدير بالذكر أن الإعلام الباكستاني الرسمي كان يبدو منحازًا للمحاولة الانقلابية التي قادها تاناي، كما صدرت تصريحات لمسؤولين باكستانيين أعلنوا فيها تأييدهم للمحاولة الانقلابية لأن ذهاب نجيب سيساعد على تسوية القضية الأفغانية حسب زعمهم.
أرجع مراقبون ومحللون دبلوماسيون في باكستان أسباب فشل المحاولة الانقلابية إلى عدة عوامل من أهمها: اعتماد تاناي على سلاح الطيران وحده، واستعداد نجيب التام لمثل هذه العملية التي سبقتها إرهاصات كثيرة جعلته على استعداد تام للمواجهة، كما أنه يملك ميليشيا لحمايته شخصيًا ربما يصل عددها إلى 30 ألفًا.
ألمح بعض المراقبين إلى أن المحاولة الانقلابية كان الهدف الرئيسي منها هو تغيير نجيب كشخص، والضغط بعد ذلك على المجاهدين حتى يقبلوا المصالحة الوطنية، وتكوين حكومة ذات قاعدة موسعة مع النظام الجديد.
ذكرت بعض المصادر الصحفية في بيشاور أن الحكومة الباكستانية قد مارست ضغوطًا على قادة المنظمات الجهادية الست التي لم تؤيد الانقلاب؛ وذلك حتى تؤيد الانقلاب وتكون مجلسًا ثوريًا عسكريًا بالاشتراك مع ضباط الانقلاب، إلا أن قادة المجاهدين قد رفضوا ذلك، وأعلنوا أنهم سيواصلون جهادهم دون الانضمام لأي من الطرفين لأن كليهما شيوعيان.
نفى مصدر رفيع المستوى في حكومة المجاهدين ما أشيع في وسائل الإعلام عن قيام شاه نواز تاناي، قائد المحاولة الانقلابية، بالاجتماع مع بعض قادة المجاهدين ظهر الأربعاء 7/3. وأضاف المصدر أن حكومة المجاهدين تنظر لتاناي نفس نظرتها لنجيب.
في الوقت الذي لا يزال فيه مصير تاناي ووجوده مجهولًا، فقد ذكرت بعض المصادر الخاصة في بيشاور أن تاناي قد لجأ إلى باكستان مع 20 من كبار الضباط الذين اشتركوا معه في محاولته الانقلابية إلا أن ناطقًا باسم وزارة الخارجية الباكستانية قد نفى ذلك وأكد أن تاناي لا يزال داخل أفغانستان. وذكرت مصادر صحفية أخرى في 9 مارس أن تاناي قد اضطر لمغادرة قاعدة بغرام الجوية التي كان يسيطر على بعض أجزائها، وانتقل إلى مكان آخر بعد قيام قوات نجيب بدك القاعدة بشدة. والجدير بالذكر أن قاعدة بغرام تعد من أكبر القواعد الجوية في أفغانستان، وأنها تقع في شمال كابل في محيط ولاية بروان.
أما مصادر المجاهدين فقد ذكرت أن المجاهدين قد سعوا للاستفادة من حالة التخبط والهرج والمرج التي يعيشها النظام، فكثفوا من هجماتهم على معظم مواقع النظام. فقد ذكرت وكالة "ميديا" في تقرير لها نشر في 8/3 أن 5 نقاط أمنية للنظام قد استسلمت للمجاهدين بكامل عتادها وذلك في منطقة كمبيري الواقعة في شمال مدينة جلال آباد، وكان من بين الغنائم دبابة و3 سيارات عسكرية صالحة للاستعمال. وأضافت الوكالة أن قادة المنظمات الجهادية قد أصدروا أوامرهم لقادة الجبهات بأن يشنوا هجمات مركزة وقوية على كافة مواقع النظام خاصة في قندهار وهيرات وخوست وجلال آباد والعاصمة كابل. وأضافت الوكالة أن المجاهدين قد أسقطوا طائرة مقاتلة في مديرية سروبي الواقعة شرق كابل وطائرة هليكوبتر قرب مدينة خوست، كما أن الجنود التابعين للنقطة الأمنية الإستراتيجية التابعة لنظام كابل التي تقع بين مديريتي بغمان وشكردرة قد استسلمت بكامل عتادها للمجاهدين. كما أكدت الوكالة على سقوط مدينة ترينكوت عاصمة ولاية زابل في أيدي المجاهدين، وأن معارك شديدة تدور حول مطار قندوز. كما استغل المجاهدون حالة الفوضى التي يعيشها النظام، فقاموا بشن حملة دعائية قوية عن طريق الملصقات يدعون فيها أتباع نظام كابل للاستسلام. وأضافت الوكالة نقلًا عن مصادر المجاهدين أن مطار قاعدة بغرام الجوية قد دمر على مدرجه حتى الآن 6 طائرات نفاثة و3 طائرات هليكوبتر مما يعيق استخدام المطار.
وقد أشارت بعض مصادر المجاهدين إلى أن نظام كابل يعيش الآن أضعف مراحله، وأن هذه هي أنسب فرصة يستطيع المجاهدون فيها إثبات وجودهم وقوتهم، وفرض أنفسهم على واقع الأحداث.