; أفغانستان .. الطالبان في كابل انتصار للشريعة أم عودة للعلمانية | مجلة المجتمع

العنوان أفغانستان .. الطالبان في كابل انتصار للشريعة أم عودة للعلمانية

الكاتب باسم الحميري

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أكتوبر-1996

مشاهدات 91

نشر في العدد 1220

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 08-أكتوبر-1996

لم يتوقع المراقبون أن تسقط كابل بيد قوات الطالبان بدون أن تجد صعوبة ومقاومة تُذكر من قبل حكومة التحالف التي كانت تملك ما يزيد عن ٥٠٠ ألف جندي إلى جانب وفرة الأسلحة وسلاح الطيران والمدرعات الذي كان من المتوقع أن يصمد في مواقعه الاستراتيجية على الأقل لرد هجوم قوات الطالبان الزاحفة نحو العاصمة كابل وهي كانت أضعف من قوات الحكومة عددًا وعتادًا، أو خبرة وتنظيمًا بلا شكّ. 

لكن الأقدار جرت لصالح الطالبان الذين اقتحموا كابل في يوم الجمعة 27/ 9/ 1996م وكان اقتحامهم للمدينة بدون أن يجدوا مقاومة مرهقة، وإنما كانت مناوشات طفيفة في الأطراف ثم وجدت قواتهم الطريق مفتوحًا إلى المدينة فأعلنوا السيطرة وفتحوا صفحة جديدة لحكمهم بعد إسدال الستار على حكومة برهان الدين رباني ورئيس وزرائه المهندس قلب الدين حكمتيار، وبهذا يكون الطالبان قد استولوا على أكثر من ثلثي مساحة أفغانستان بالإضافة إلى كسب سياسي عالمي ومحلي كبير.

توقعات قبل الاقتحام:

بعد استيلاء حزب الطالبان على مدينة جلال آباد بتاريخ 11/ 9/ 1996م. واستيلائهم كذلك على ولاية كنر أصبح باستطاعتهم محاصرة حكومة كابل لأنهم قد أمنوا تمامًا الجبهة الخلفية على حدود باكستان، لكن كان الأمر المستبعد أن يجدوا السبيل ميسورًا إلى كابل، خاصة أن حزب الطالبان لم يحدث أن خاض حربًا قوية في الولايات الثماني عشرة التي سيطر عليها حتى الآن، وإنما كان يستخدم تدابير أخرى مثل إجراء اتفاقيات صلح مع بعض القادة، وهذا أمر كان بعيدًا أن يجدوه في قوات التحالف، ولذلك كان من المتوقع أن يفشل حزب الطالبان عندما يتحرك نحو كابل، كما فشل العام الماضي عندما فوجئ بمقاومة شرسة من قبل قوات أحمد شاه مسعود التي هزمت الطالبان على مشارف كابل، الأمر الذي أدى بهم إلى العودة بعيدًا عن العاصمة، وكان ذلك انتصارًا سجل للقائد مسعود.

ولكن حزب الطالبان جاء هذه المرة بعد أن أمن الجبهة الخلفية من جميع العناصر الموالية للحكومة، ليخوض معركة كان من المتوقع في تقدير المراقبين أن تكون أعنف من المعركة التي هزم فيها العام الماضي، لأن العاصمة تحميها قوات التحالف الحاكم، وهل يستطيع حزب الطالبان الذي ولد بالأمس القريب أن ينتصر على الأسدين العريقين: أسد الشمال أحمد شاه مسعود وأسد الجنوب المهندس حكمتيار؟ وعلى هذا النحو بدت توقعات المراقبين ترنو بعيدًا عن الحقيقة التي أسفرت على فرار الأسدين إلى مكان مجهول!! وتسليم الطالبان مقاليد السلطة في كابل.

إشاعات وحقائق:

قبل اقتحام الطالبان العاصمة سرت في وسائل الإعلام إشاعة عن مقتل حكمتيار في المعارك، وإشاعة ثانية بقتل قائد الطالبان العسكري ملا بورجان، وإشاعة ثالثة بأن الرئيس رباني ذهب إلى إيران فرارًا، وأحمد شاه مسعود إلى فرنسا. والرئيس الأسبق نجيب الله قتل بيد الطالبان الذين انتزعوه من مخبئه في مكتب الأمم المتحدة الذي اختفى فيه منذ ما يزيد عن أربع سنوات.

وظلت الإشاعات تتوالى بعضها لصالح الحكومة، وبعضها لصالح حزب الطالبان، وهذا كان الأكثر لأن عامة الناس مبهورون بانتصارات الطالبان، وكذلك معظم وسائل الإعلام الباكستانية لا تخفي تعاطفها مع الطالبان، وبهذا تؤثر على الرأي العام.

مضت الأيام سريعة، واقتحمت قوات الطالبان كابل، وحينئذ تحولت بعض الإشاعات إلى حقائق، فالدكتور نجيب الله «٥٩ عامًا» الذي حكم أفغانستان بالشيوعية قبل المجاهدين، كانت نهايته على يد الطالبان رميًا بالرصاص، ثم صلبه في میدان كابل الواسع أمام الشعب وقُتل معه أخوه شاه بور أحمد زي.

وقد صدقت فيما يظن إشاعة قتل القائد العام لقوات الطالبان ملا بورجان الذي تمت على يديه معظم انتصارات الطالبان، وهذا الاحتمال نفاه الطالبان نفيًا ليس بقاطع، ولكن يوجد ما يقويه من دلائل، فملا بورجان لم يظهر على المسرح العسكري ولا السياسي بعد إشاعة قتله، ولم يشاهد في احتفالات الطالبان بفتح كابل، ولا ظهر في قيادة الطالبان الجديدة، كل ذلك يقف مع الاحتمال الذي يميل إلى أن الملا بورجان قتل.

أما الثلاثة الآخرون -حكمتيار ورباني ومسعود- فإنهم انتقلوا إلى الشمال بإتجاه المناطق التي يكثر فيها أنصار احمد شاه مسعود، وبهذا اتضح كذب الإشاعات بقتل بعضهم وفرار البعض الآخر إلى خارج البلاد.

تهم ضد الطالبان:

هناك إشاعات كثيرة حول أهداف الطالبان تشكك في نواياهم وتنسب إليهم مبادئ وأهدافًا تدل على أن من مقاصد حزب الطالبان الأساسية القضاء على أنصار النهضة الإسلامية في أفغانستان المتمثلة في الإخوان المسلمون، وجماعة أهل الحديث، وجماعة إشاعة التوحيد، وما يتبع هذه الجماعات من قادة وطلاب ونقابات وفكر وأنشطة ثقافية وتربوية، وبمقابل ذلك يزعم أن الطالبان يسعون لتأسيس حكومة علمانية تحكم بالقوانين الوضعية، وتساير التوجه الأمريكي في المنطقة، وترعى دور التدين التقليدي للشعب الأفغاني الذي لا يهتم بالسياسة، وإنما يقف مؤازرًا لكل نظام يحترم العادات ويكسب العواطف بشعارات الإسلام وإحياء دور التصرف.

أهداف الطالبان:

الطالبان من جانبهم لا يصفون كثيرًا للتهم الموجهة إليهم لا إنكارًا ولا إقرارًا، وإنما مشغولون بإدارة المناطق التي يحكمون وبالزحف نحو المناطق التي تسيطر فيها قوات معارضيهم، أما عن أهدافهم التي يقاتلون من أجل تحقيقها فليس فيها ما يدعو إلى القلق الشديد، فهم يصرحون بأنهم يريدون تطبيق الشريعة الإسلامية، ويريدون تحقيق الأمن والاستقرار في البلاد ويسعون للقضاء على حالة التحزب والتشرذم والاقتتال التي عاشتها البلاد في الفترة التي أعقبت سقوط حكومة نجيب الشيوعية، وقد أعلن أمير الطالبان الملقب بـ «مجاهد» محمد عمر بعد سيطرة قواته على العاصمة كابل أعلن عن ستة قرارات يجب تطبيقها مباشرة في ظل إدارة الطالبان للبلاد:

أولًا: تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد فورًا.

ثانيًا: منع النساء الموظفات من مزاولة أي مهنة خارج البيوت، وعليهن أن يرتدين الحجاب الشرعي.

ثالثًا: تجميد السفارات والقنصليات الأفغانية في العالم حتى إشعار آخر.

رابعًا: حث التجار وأصحاب الأموال على ممارسة أعمالهم العادية لمساعدة الإدارة الجديدة في رفع ضيق المعيشة عن المواطنين بالتصدير والاستيراد والاستثمار.

خامسًا: حث الهيئات الدولية المختصة أن تسرع في أعمال تطهير أفغانستان من الألغام.

سادسًا: تعيين مجلس شورى خاص يدير البلاد مؤقتًا.

أسباب انتصار الطالبان

تعود أسباب انتصار الطالبان على الحكومة إلى:

أولًا: مل الشعب الأفغاني من الأحزاب الجهادية، عندما غرقت في الحروب الأهلية وعجزت أن توحد صفها، وأن تحقق طموحات الشعب.

ثانيًا: استطاع حزب الطالبان أن يخترق صفوف الأحزاب الأخرى، الأمر الذي مكنه أن يعقد صفقات مع قادة كبار وولاة ولايات، وبموجبها استولى الطالبان على معظم المناطق التي سيطر عليها، ولم يسيطر بالحرب إلا ما ندر.

ثالثًا: وجد الطالبان دعمًا ماديًا كبيرًا، ولهذا ظل ينفق على أتباعه أو على المتعاونين معه بإسراف شديد، الأمر الذي أغرى الناس أن يتوجهوا بولائهم نحو الطالبان، وأن يتركوا الحكومة والأحزاب القديمة التي أفلست إلى درجة عجزت فيها أن تدفع مرتبات موظفيها على قلتها.

رابعًا: إلى جانب المال المبذول لدى الطالبان كان للإعلام العالمي والإقليمي الدور الكبير في تكوين رأي عام قوي لصالح الطالبان وضد الحكومة الأفغانية بحيث كان يظهر باستمرار محاسن الطالبان وإنجازاتهم ويصفهم بأنهم الأمل المرتجى في الوقت الذي كان يكشف جوانب ضعف الائتلاف الحاكم وتقبيح سيرتهم لدى الناس.

خامسًا: الحكومة الباكستانية أنكرت أن يكون لها دور في دعم حزب الطالبان غير أن هناك دلائل قوية تؤكد ضلوعها في المشكلة الأفغانية دعمًا للطالبان، وقد انسحب أمير الجماعة الإسلامية القاضي حسين أحمد من عضوية مجلس الشيوخ في بلاده احتجاجًا على موقف الحكومة الداعم للطالبان، من جهته عاب حميد جل -رئيس المخابرات الباكستانية أيام الرئيس ضياء الحق.

على حكومة بنازير بوتو موقفها المساند للطالبان، وكذلك كان موقف معظم قوى المعارضة الباكستانية، وأكبر حجة على دعم باكستان للطالبان ظهرت عندما قبضت حكومة التحالف الأفغاني في كابل على تسعة عشر ضابطًا باكستانيًا بتخصصات مختلفة كانوا في صف الطالبان، ولم تجد حكومة باكستان سبيلًا لإنكار هذا البرهان، إلا أنها قالت إن هؤلاء كانوا دعاة إلى الله ذهبوا للتبليغ، ويبدو أن ما عجل بهجوم طالبان على كابل هو المسعى الباكستاني الحريص على عدم إتاحة الفرصة لحكومة رباني وحكمتيار والحيلولة بينها وبين رفع شكوى مشفوعة بحجة إلى المجتمع الدولي، وباقتحام كابل من قبل الطالبان انتصر المسعى الباكستاني وإن لم يعرف حتى الآن مصير الضباط التسعة عشر الذين أسروا في أفغانستان.

المستقبل الأفغاني:

ربما كان حزب الطالبان مثل قوات التتار والمغول التي جاءت مفسدة مخربة، ولكن كانت عاقبة أمرها خيرًا، لكن قراءة الواقع الحالي تقوي التهم الموجهة ضد الطالبان على أنهم يسعون لإقامة حكومة علمانية، ولهذا نجد الحكومة الباكستانية تدعمهم بداية من تأسيس حزب الطالبان ومرورًا باشتراك ضباط وجنود باكستانيين في المعارك، فقد شوهد مع الطالبان ضباط وجنود يتحدثون لغات باكستانية ولا يعرفون شيئًا من لغات الأفغان، وحتى سقوط كابل على يد الطالبان، فكانت باكستان أول من أطلق وصف «سابقة» على حكومة رباني -حكمتيار، وأول من اعترف بسلطة الطالبان وأول من بعث وفدا للمباركة والتأييد، وقد أعربت عن تفاؤلها بوصول الطالبان وسيطرتهم على كابل، الأمر الذي يؤكد على بداية صفحة جديدة في أفغانستان، لكن فيما يبدو والله أعلم، ليست صفحة استقرار، وإنما سوف يستأنف الصراع من جديد، وذلك لأن أمام حزب الطالبان عقبات أخرى خارج العاصمة يمثلها القادة السابقون من جهة، وجماعة عبد الرشيد دوستم في مزار شريف من جهة أخرى، والشيعة المدعومة من إيران تمثل عقبة ثالثة قوية، وكل هذه الأطراف تعارض بقوة التصدير الباكستاني لحزب الطالبان الذي يتكون سواده الأعظم من قبيلة البشتون، وهذه لا تستطيع أن تغزو قبائل الفرس والأزبك من المرجح أن تقف في الحدود التي يقطنها البشتون وليس كل البشتون يوالون الطالبان، لأن حكومة الائتلاف السابق معها من القواعد والأنصار والجيش من البشتون وغيرهم ما يمكن اعتباره عامل تهديد مستمر لحكومة الطالبان، وهذا ما أكده كل من حكمتيار ومسعود في مكالمات لا سلكية وتصريحات من مواقع جبلية خفية أنهم لا يلقون السلاح ولا يغادرون البلاد، وكان رد القادة قاسيًا على طلب باكستان لهم أن يلجؤوا إلى باكستان لحماية أرواحهم، إذ قالوا: إننا لن نترك وطننا، واتهموا قوات الطالبان بالعمالة، وأبدوا استعدادهم للجهاد المقدس ضدها، ولهذا يبدو أن المستقبل الأفغاني ينذر بصراع آخر أشد ألمًا.

هذا الصراع المتوقع ربما سوف يبدأ عندما ينكشف الضباب والغموض عن الطالبان الذين حافظوا بقوة فائقة على إظهار سياسة وخلق حميد في التعامل مع الشعب على الرغم من أن معظم الناس يرى أن للطالبان غاية خفية تخالف ظاهرهم المشاهد، فإن صدق ظاهرهم مع باطنهم كسبوا الجولة وإلا فالحرب قائمة.

القيادة المؤقتة:

1 – ملا رباني رئيسًا للمجلس ونائبًا لمحمد عمر الذي يلقبونه بأمير المؤمنين.

2 – ملا غياث الدين أخوند.

3 – ملا غوث أخوند وزير الخارجية مؤقتًا

4 – ملا فاضل وزير الدفاع مؤقتًا.

5 – ملا محمد حسن وزير التعليم والتربية مؤقتًا.

6 – ملا عبد الرزاق.

الرابط المختصر :