; إفريقيا بعد ثلاثين عامًا من الاستقلال | مجلة المجتمع

العنوان إفريقيا بعد ثلاثين عامًا من الاستقلال

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1990

مشاهدات 63

نشر في العدد 967

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 22-مايو-1990

الشعوب الإفريقية استفادت من تجارب أوروبا الشرقية.

حاربت القوى الاستعمارية كل المشاريع الوحدوية التي تبناها أبطال الاستقلال.
فجوة كبيرة ما بين السياسات الاقتصادية والواقع الإفريقي.
بعد انتشار الوعي السياسي القارة الإفريقية مقبلة على حقبة التعددية السياسية.

 

قارة تحتضر

إن الحالة السائدة في البلدان الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء والتي تقطنها نسبة كبيرة من المسلمين تدعونا إلى طرح بعض التساؤلات وكذلك الحيرة لما يضمره الغد لملايين المسلمين الذين يعيشون في تلك المنطقة.

إن هذه المنطقة تشهد أوضاعًا اقتصادية واجتماعية في منتهى الخطورة تحتاج إلى وقفة- ولو سريعة- لتسليط الضوء على ماهية الأوضاع المتردية في هذا الجزء من القارة الإفريقية التي تشهد غليانًا لا مثيل له سواء في شمال القارة أو جنوبها، شرقها أو غربها، لكننا نركز حديثنا على الجزء الآنف الذكر نظرًا لتشابه الخلفيات التاريخية وسوء الأحوال الاقتصادية والسياسية لتلك البلدان. ولا نبالغ إذا تجرأنا بوصف إفريقيا السوداء بأنها تحتضر ثم إنه إذا كان هناك بصيص من الأمل فإن ذلك يتمثل في الدعوات الأخيرة إلى قيام أنظمة ديمقراطية لتحل محل الأنظمة الحالية التي عانت من الفساد ما لا يغتفر، ونجاح دول قليلة في انتهاج سياسات اقتصادية سليمة.

وندعو إلى هذه الوقفة بعد أن شهدنا الانتفاضة التي هزت أرجاء أوروبا الشرقية والتعديلات السياسية التي تمت مؤخرًا في جمهورية جنوب إفريقيا العنصرية وما صاحب ذلك مثل الإفراج عن المناضل السياسي الشهير نيلسون مانديلا وبعض رفاقه في المقاومة ضد التمييز العنصري.

نعم، ندعو إلى هذه الوقفة أيضًا في الوقت الذي تشهد أوروبا الغربية تحولات تدريجية نحو الوحدة والتقوقع داخل نفسها، الأمر الذي سيكون حتمًا على حساب دول العالم الثالث بصفة عامة وعلى وجه التحديد تلك الدول التي تعتمد إلى حد كبير على الدول الغربية التي لم تعد تهتم ببقاء أو هلاك الدول الواقعة جنوب الصحراء في القارة الإفريقية، وبعد أن انسلخت أوروبا الشرقية عن الشيوعية واعتنقت المذهب الرأسمالي فلم يعد هناك مبرر لاستمرار الغرب في سياساتها مع الدول الفقيرة التي استنزفت مواردها الطبيعية وأفلست في جميع النواحي وكأنها تنتظر حتفها المحتوم.

وبعد مرور حوالي ثلاثين عامًا على نيل الاستقلال فمازالت دول إفريقيا السوداء تبحث عن ذاتها وما انفكت حكوماتها في التخبط، وكان «خروج » القوى الاستعمارية من القارة فرصة كبيرة للانطلاق على أسس سليمة تتمشى والواقع الإفريقي، ولكنه في الواقع لم يحدث شيء من هذا القبيل، فقد خلفت القوى الاستعمارية مؤسساتها ونمط تفكيرها فهب سكان القارة إلى تبني هذه الأفكار والمؤسسات التي تتجافى تمامًا عن الواقع الإفريقي، ومنذ فجر الاستقلال فقد حاول أبطال الاستقلال إنقاذ ما قد أمكن إنقاذه ولكن جهودهم قد باءت بالفشل، وعندئذ بدأ مأزق القارة برمتها، وبعد مرور ثلاثة عقود على نيل الاستقلال أثبت التاريخ والتجارب أن أبطال الاستقلال من أمثال نكرو وباترس لومومبا وموديبو كيتا كانوا على حق.

فقد تنادى هؤلاء إلى التكامل الاقتصادي والوحدة الإفريقية وتكوين وحدة إفريقية على غرار الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن مشاريعهم لم تر النور نظرًا لوجود العراقيل التي قد وضعتها القوى الاستعمارية للحيلولة دون تحقيق مثل هذه المشاريع، هذا من جانب ومن جانب آخر فقد برز على الساحة جيل جديد قد تشبع من الأفكار الغربية وأصبح يعمل للغرب ويقاوم كل المشاريع الوحدوية التي قد تقضي على وجود الاستعمار بمعناه الواسع.

طفرة السبعينيات

ومع كل هذا فقد شهدت الدول الإفريقية نموًّا اقتصاديًّا خلال السبعينيات وأخذت دول مثل ساحل العاج والغابون ونيجيريا والسنغال وغانا وتوغو تشهد نموا اقتصاديًّا مما بعث الأمل في قلوب أبناء القارة السوداء، ولكن هذه الطفرة لم تجد أرضها الخصبة في هذه الدول نظرًا لغياب الحريات السياسية والاقتصادية وجهل سواد الشعوب بما يدور حولهم من متغيرات إلى جانب احتكار زمرة قليلة للثروات.

فقد تعاقب على القارة السوداء أنظمة ديكتاتورية وصل معظمها إلى الحكم عن طريق الانقلاب ولم تعمل أي منها من أجل رقي ونمو القارة، وكانت النتيجة شيوع الفساد والتخبط في السياسات الاقتصادية وغياب التخطيط والمشاورة وعدم ترشيد النفقات وبقاء حكومات هرمة على السلطة، تعمل على تهريب الأموال إلى البنوك الخارجية وفوق كل ذلك انتشار التفسخ الأخلاقي وانهيار معظم المؤسسات سواء الاقتصادية منها أو الاجتماعية.

ومنذ مطلع الثمانينيات فقد بدأ هذا الجزء من القارة الإفريقية يشهد موتها البطيء، وفي غضون الفترة الممتدة ما بين ۱۹۸۰ و۱۹۸۸ فقد زادت نسبة الفوائد المفروضة على الديون الخارجية بمعدل ٤٤ وانخفض في ذات الوقت معدل الصادرات بمعدل ۳۲ كما شهدت كمية الواردات انخفاضًا حادًّا بمعدل ٤٠% بينما انخفض معدل الدخول القومية بنسبة ١٠%، الأمر الذي دفع البنوك والمؤسسات الصناعية الأجنبية إلى شد الرحال نحو دول آسيا التي تشهد نموًّا كبيرًا في الآونة الأخيرة وإلى بعض دول أمريكا اللاتينية.

وإذا كانت القارة الإفريقية في يوم من الأيام تعد مخزونًا ضخمًا للمواد الأولية والثروات النباتية والحيوانية، فقد اختلف الأمر الآن، ذلك أنه قد استنزفت أهم الموارد وانخفضت أسعار المواد الأولية وبعض منتجاتها في الأسواق الأوروبية، وقد نجم ذلك عن تحول الدول الغربية نحو دول آسيا الصغرى وأمريكا اللاتينية وبقيت القارة السوداء غير مستقرة في أمرها ومصيرها.

وإلى جانب هذه المشاكل فمازالت القارة السوداء تشهد زحف الصحراء بمعدل 4 كيلومترات في السنة، كما أن المجاعة مازالت تهدد الملايين من أبناء القارة، وعلاوة على ذلك، فهناك تردي الأحوال الصحية بما في ذلك انتشار سوء التغذية ومشاكل أخرى مثل انفجار النمو السكاني أو الديمغرافي وانتشار البطالة والجرائم... إلخ. 

وبعد هذا العرض نعود إلى موضوعنا لنتساءل: هل ستظل القارة السوداء على هذا الوضع أم أن هناك أملًا في أن تحدث معجزة لكي تنهض القارة من جديد؟ نطرح هذا السؤال والأمل يحدونا بعد أن شاهدنا دولًا قليلة مثل دولة غانا وزمبابوي قد نجحت مؤخرًا في انتهاج سياسة اقتصادية سليمة وواقعية مما بعث الأمل في نفوس المراقبين.

الوعي السياسي

وعلى غرار دول أوروبا الشرقية فقد انسلخت بعض الدول الإفريقية عن الشيوعية في الوقت الذي أصبح قيام نظام التعددية السياسية هم الشعوب الإفريقية التي أخذت من تجربة أوروبا الشرقية دروسًا لا يستهان بها مثلما أخذ رؤساؤها العبر من مصير تشاوشيسكو وعشيرته، فقد تولى عهد التهديدات بالإعدام أو النفي أو السجن كما تولى أيضًا عهد الخطب الرنانة الجوفاء التي لا طائل فيها. وكل ما تطلبه الشعوب هو قيام النظام الديمقراطي أو نظام تعدد الأحزاب- مثلما حصل في أوروبا الشرقية وترك الزعامة لرجال أكفاء ومجربين من أمثال مانديلا، فقد سئمت الشعوب من الثرثرة والسياسات الميكيافيلية، وتدعو الآن إلى الانكشاف والمصارحة والسماح بممارسة الحريات السياسية، وقد سبقت دولة السنغال الدول الإفريقية الأخرى إلى التجربة الديمقراطية وكان هذا مصدر قلق لرؤساء من أمثال العجوز هوفيت بوانييه رئيس جمهورية ساحل العاج والرئيس الزائيري موبوتو سيسيكو والرئيس الغابوني عمر بونغو الذين قد أسهبوا في توجيه اللوم إلى السلطات السنغالية لإصرارها على الاحتفاظ بنظام تعدد الأحزاب في هذا الجزء من القارة الإفريقية، حيث يرى هؤلاء أن ذلك أمر سابق لأوانه ولا يصلح في القارة الإفريقية إلا نظام الحزب الواحد، وفي الآونة الأخيرة شهدت معظم العواصم الإفريقية موجات من مظاهرات لا سابقة لها وسلسلة من الإضرابات سواء في الجامعات أو المدارس الثانوية وكذلك في بعض المؤسسات الحكومية الأخرى مثل البنوك ومكاتب البريد، فقد ازداد التذمر والاستياء في أوساط المواطنين الذين لم يعودوا يستلمون رواتبهم الشهرية منذ أكثر من ستة شهور كما هو الحال في جمهورية بنين الشعبية.

تناقضات

والمدهش في الأمر هو أن أخطر هذه الاضطرابات قد حدثت في دول كانت تعتبر حتى وقت قريب أحسن حالًا من الناحية الاقتصادية والهدوء السياسي وهي ساحل العاج والسنغال والغابون والكاميرون، وإلى جانب هذه الدول فهناك دول مثل نيجيريا وليبيريا وتنزانيا ودول أخرى تشهد غليانًا لا مثيل له. ولم تتجاوز بعد الدعوات حدود المطالبة بقيام التعددية السياسية مع أن هناك مخاوف أن تحدث تجربة رومانيا في إفريقيا في أمد ليس ببعيد ذلك أن ناقوس الخطر قد دق ولا مناص من هبوب الرياح الشرقية.

وأدت هذه الاضطرابات أن رضخ رؤساء مثل رئيس ساحل العاج هوفييت بوانيه والرئيس الغابوني عمر بونغو والرئيس النيجيري موبوتو سيسيكو والرئيس البنيني ماثيو كوريكو للأمر الواقع وقدموا وعودًا بسماح التعددية السياسية في بلادهم ونخشى أن تكون هذه المبادرات مجرد لعبات سياسية الغرض منها تهدئة الموقف.

حقبة جديدة

وقد ظلت القارة الإفريقية منذ ثلاثين عامًا من الاستقلال، تبحث عن ذاتها وهويتها، وفي ضوء المتغيرات الأخيرة وانتشار الوعي السياسي واستفادة الشعوب من تجارب أوروبا الشرقية، فإنه يمكن القول أن القارة الإفريقية دخلت مرحلة جديدة ودقيقة في منتهى الخطورة، إذ إن الفرصة مواتية لإدخال تعديلات جذرية مثل ما حدث في جنوب إفريقيا والتخلص من الأنظمة الديكتاتورية البالية والعمل على إحداث نهوض شامل في جميع المجالات لمواجهة التحديات وخاصة قبل قيام أوروبا الكبرى في عام ۱۹۹۲، ولابد من تقديم تضحيات وتغيير السلوكيات لأنه ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11) وصدق الله العظيم.

الرابط المختصر :