; أفرزته حرب التطهير العرقي.. سلام البوسنة على الطريقة الأمريكية | مجلة المجتمع

العنوان أفرزته حرب التطهير العرقي.. سلام البوسنة على الطريقة الأمريكية

الكاتب محمد دلبح

تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1995

مشاهدات 80

نشر في العدد 1178

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 05-ديسمبر-1995

الخبراء المحللون: اتفاق دايتون هو اتفاق الأمر الواقع

بيجو فيتش: الاتفاق ليس سلامًا عادلًا ولكنه أفضل من استمرار الحرب

اتفاق السلام في البوسنة الذي وقعه رؤساء جمهوريات يوغسلافيا السابقة برعاية أمريكية يوم الحادي والعشرين من شهر نوفمبر الماضي في ديتون بولاية أوهايو الأمريكية، أضفي شرعية على كل ما شاهدته البلاد منذ عام ١٩٩١م. وخاصة النتائج التي ترتبت على سياسة التطهير العرقي التي مارسها بشكل خاص صرب البوسنة ضد مسلمي وكروات البوسنة، غير أن الأكثر بروزًا في الاتفاق هو أن الأحلام التي راودت زعماء الصرب والكروات في إقامة ما يعتقدونه بصربيا الكبرى أو كرواتيا الكبرى قد تأجلت ـ إلى حين إن لم تكن قد دفنت ـ مع توقيع رئيسي صربيا وكرواتيا سلوبودان ميلوسفيتش وفرانجو توجمان على الاتفاق الذي لم يكن قابلًا للحياة دون مشاركة عسكرية أمريكية لتطبيقه بالقوة.

وبالتالي فإن الدور القادم سيكون مسؤولية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون لتسويق الاتفاق لدى الشعب الأمريكي، وإقناع الكونجرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون بالموافقة على إرسال نحو ٢٠ ألف جندي أمريكي إلى البوسنة لتنفيذ الاتفاق الذي يعتبره كلينتون في الوقت الراهن  حجر زاوية في سياسته الخارجية التي يصر على أنها ناجحة حتى الآن، ويمكنه استثمارها  في حملته لإعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية في العام المقبل، ويحتاج الرئيس كلينتون إلى إقناع الرأي العام الأمريكي بأن الجنود الأمريكيون لن يتورطوا في عمليات قتال مفتوحة في البوسنة قد تسفر عن قتلى في صفوفهم؛ تعيد إلى الأذهان مآسيهم من جراء حربهم في فيتنام.

 فالرئيس كلينتون يسعى الآن إلى تدعيم سياسته الخارجية بعد أن أعلن بنفسه عن اتفاقية سلام البوسنة، وقد حثَّ الكونجرس والشعب الأمريكي يوم الرابع والعشرين من الشهر الماضي على تأييد إرسال نحو عشرين إلف جندي أمريكي إلى البوسنة لدعم تحقيق التسوية السلمية هناك، وقال كلينتون: إن الولايات المتحدة لا ترسل قواتها للقتال في البوسنة بل لتأمين السلام، وقال: إنه إذا لم تقم الولايات المتحدة بقيادة العملية السلمية فإن المهمة لن تنجزه.

 ويبدو أن الأمل الآن يرتكز على التغير الذي حدث في موقف إدارة كلينتون، والذي بدأ حملته لإرسال قوات أمريكية إلى البوسنة.

وقبل أربع سنوات عندما تجزأت يوغسلافيا كان موقف الولايات المتحدة مغايرا، فقد حاولت تصوير الصراع بأنه مشكلة أوروبية، وأن حلها مسؤولية الأوروبيين، ولكن يبدو الآن واضحًا أنه إذا كان للسلام أن يثبت فلابد أن تضمنه الولايات المتحدة.

 وكانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش قد قللت في البداية من احتمالات الحرب الكامنة في يوغسلافيا السابقة، ثم سعت إلى إبقاء الولايات المتحدة خارج الصراع، وقد واصلت إدارة كلينتون في البداية نفس السياسة، ولكن عندما اشتدت الحرب فإن فشل الولايات المتحدة ومنظمة حلف شمال الأطلسي في وضع حد للحرب ألقى شكوكًا دولية حول مصداقية الولايات المتحدة والحلف في أعين مسلمي العالم الذين يتعاطفون مع البوسنة.

 وقال بيتر رودمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن أنه في صالح الولايات المتحدة ومصالحها الوطنية أن يثبت وقف إطلاق النار في البلقان، وأضاف أنه في صالح الولايات المتحدة أيضا أن تجعل الوضع في البوسنة مريحًا بسبب ما ألحقه من أضرار بسمعة حلف الأطلسي.

 غير أن المحللين في واشنطن يرون أيضًا أن الاتفاق جاء بالدرجة الأولى بسبب إحساس رئيس البوسنة والهرسك علي عزت بيجوفيتش أن فرص النجاح في المواجهة مع الصرب قد أخذت بالتضاؤل، بعد أن توصلت كرواتيا إلى اتفاق يعيد إلى كرواتيا ما تبقى من أراضٍ لها كانت تخضع لسيطرة صربيا.

صراع السلام المستحيل

لقد كان الصراع في منطقة البلقان يشكل على الدوام مشكلة محيرة على ثلاث طرق، فإذا ما حاول المرء حل مشكلة هنا نشأت مشكلة هناك فخلال أربع سنوات من الدبلوماسية تبين أن إجراء مصالحة بين الصرب والكروات والبوسنيين المسلمين شبه مستحيل.

غير أن الأمر أصبح الآن مختلفًا، فالمسرح السياسي قد تغير بعد أن تم على ما يبدو حل آخر الخلافات بين الصرب والكروات باتفاقهما بشأن سلافونيا الشرقية، والسبب في ذلك يعود إلى أنه إذا كان الصرب والكروات يريدون حقًا السلام والتوصل إليه، فإن الاحتمالات بمواصلة القتال تبدو محدودة.

وهذه هي المعادلة القائمة التي توصل إليها رئيس البوسنة علي عزت بيجوفيتش، وذلك في اليوم الثالث عشر من مفاوضات السلام الجارية في ديتون بولاية أوهايو الأمريكية أنه يدرك أن النجاحات التي أحرزها جيش البوسنة ضد الصرب هذا العام قد تحققت فقط بالدعم.الحاسم من قوات الكروات/ وبدون الكروات فإن المكانة العسكرية للحكومة البوسنية على المدى الطويل كان يمكن أن تكون ضعيفة، والآن يبدو أنه لم يعد لدى الكروات سبب لمواصلة القتال.

 وقدمت حكومة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون دوافع قوية للتسوية، فمزيد من الحرب الآن يمكن أن يكون مكلفًا للحكومة البوسنية بينما سيعطيها السلام ، وإن يكن غير مرض.منافع اقتصادية ومساعدة عسكرية غربية ومع كافة الصعوبات المعقدة المتعلقة بالأرض والحكم التي جعلت المفاوضات تواجه حالة من الجمود في الأيام الأخيرة إلا أن هذا الإدراك من جانب الرئيس البوسني يشير إلى أنه قد يكون بالإمكان التوصل في النهاية إلى اتفاق.

 وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيكولاس بيرنز يوم الرابع عشر من الشهر الماضي إن «المصالح الذاتية» ينبغي أن تدفع الأطراف المعنية للتوصل إلى تسوية. وأضاف: إنه لأول مرة منذ بدء الحرب في .يوغسلافيا السابقة في عام ١٩٩١م فإن هذه التسوية قد تكون بالفعل ممكنة.

إن تخلي الصرب عن أراض للكروات شكّل تحولًا استثنائيًا ، لا يوجد له تفسير إلى حد بعيد في موقف الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش، فقد تخلى عن مدينة فوكوفر  والمناطق المحيطة بها للكروات في غضون العامين المقبلين، مما اعتبر تحولًا سياسيًا كبيرًا من جانبه خاصة وأن المدينة ظلت محاصرة لمدة طويلة، واستخدمت كميات كبيرة من الذخيرة .في حصارها، واعتبرت مصادر أمريكية رسمية . أن هذا الموقف الجديد قد فتح الطريق للسلام  في البلقان

وكان يبدو أن جمهورية صربيا ملتزمة بإنهاء حرب البلقان، وكنتيجة لذلك فإن عقودًا من الصراع القديم – المكشوف في بعض الأحيان المخفي في أحيان أخرى بين الصرب والكروات قد تمت تسويته، وفي مجرى هذه العملية فإن الأقلية الصربية في كرواتيا كانت نحو ١٣ بالمائة من السكان في بداية الحرب قد انخفضت إلى نحو 3 بالمائة فقط.

وقد استندت هذه التسوية إلى عملية اقتلاع وقتل واسعة النطاق مثل كل الحلول التي يجري تصورها الآن في مناطق البلقان، إنها على كل حال تسوية تطرح السؤال التالي هل يستطيع مسلمو البوسنة مواصلة القتال إذا كانت القوات الصربية والكرواتية المهيمنة على المنطقة ملتزمة حقًا بالسلام.

بنود الاتفاق

يدعو الاتفاق إلى الإبقاء على البوسنة بلدًا واحدًا، ولكن بأراضٍ مقسمة بواقع النصف تقريبًا، حيث يحصل الصرب على ٤٩ بالمائة تقام عليه جمهوريتهم داخل البوسنة الموحدة. فيما يحصل الاتحاد الكرواتي المسلم على ٥1 بالمائة، وترتبط جمهورية صرب البوسنة بحكومة مركزية ضعيفة في سراييفو التي تبقى موحدة وببرلمان متعدد الأعراق. 

وقد اتسم تقسيم أراضي البوسنة بالتعقيد في بداية الاتفاق غير أن تغييرات تمت في الدقائق الأخيرة عندما وجد المتفاوضون أن الاتحاد الكرواتي المسلم قد أعطى ٥٣ بالمائة من الأرض، وقال أحد المتفاوضين: إنهم تناولوا أراضي البوسنة قدمًا  قدمًا، وقد قضوا ساعات على جهاز لكمبيوتر لرسم خطوط الفصل على خارطة البوسنة، وقال: إنه بتغيير يصل حتى إلى جزء عشري من الواحد فإنه يمكن اختيار بلدة أو حتى محطة توليد للطاقة أو مصنع.

ويقدم الاتفاق ما يلي:

 ـ مجلس رئاسة ثلاثي جماعي منتخب للبوسنة مع شراكة للمجموعات الإثنية الثلاثة التي تشكل سكان البلد.

ـ حكومة مركزية تتولى مسؤولية السياسة الخارجية والتجارة الخارجية والجمارك والهجرة والسياسة النقدية، وتطبيق القانون الدولي، والاتصالات والمواصلات، وضبط الملاحة الجوية.

ـ تشکیل برلمان منتخب من جزئين مجلس شيوخ من ٣٠ عضوًا يتقاسمه الصرب والاتحاد الكرواتي المسلم، أما مجلس النواب فيتشكل من٨٤عضوًا،٤٣  عضوا لكل كيان.

 ـ الفصل بين الجيشين المتصارعين بإقامة مناطق منزوعة السلاح بين الجانبين بعرض يتراوح بين ٣-٤ كيلو مترات، واستمرار سيطرة صرب البوسنة على المدينتين المسلمتين سربيرينيتسا وزيبا التي يحتلهما الصرب منذ يوليو الماضي.

وسوف يستعيد المسلمون– طبقًا للاتفاق مدينة جوراجدي التي كانت على وشك السقوط بأيدي الصرب لولا القصف الجوي لحلف الناتو لمواقع الضرب الذي مهد لوقف إطلاق النار في الخامس من أكتوبر الماضي.

وقد بحث المتفاوضون حجم الممر الذي سيربط بين جوراجدي وسراييفو، وتقول مصادر وزارة الدفاع الأمريكية: إن ميلوسيفيتش كان مصرًا في البداية على أن لا يتجاوز عرض الممر الذي يربط بين سراييفو وجوراجدي ثلاثة كيلو مترات، لكنه بعد أن أخذه المفاوضان الأمريكيان الرئيسيان ريتشارد هولبروك والجنرال ويسلي كلارك إلى قاعة التكنولوجيا المتطورة، وعرضا عليه من خلال شاشة عرض كبيرة الممر المتنازع عليه، فقد وافق على أن يكون عرض الممر ثمانية كيلومترات، وقد قضى ممثلون عن الوفود الثلاث المتفاوضة «البوسنة، وصربيا وكرواتيا» بعد التوقيع على الاتفاق تسع ساعات على برنامج كمبيوتر يوضح حدود البوسنة التي تمتد إلى ١-٤٠ كيلو مترًا لتقرير كيف يمكن أن تراقب أجزاء الحدود، وقد تم إعداد الخارطة الرسمية للبوسنة، لكي تكون هي المعتمدة لدى قوة تطبيق السلام، ويبلغ حجم الخارطة سنة أقدام «قدمين في 3 أقدام».

ويمنح الاتفاق درجة كبيرة جدًا من الحكم الذاتي الحرب البوسنة الذين فجروا الحرب العدوانية ضد المسلمين في إبريل ۱۹۹۲م، بعد اعتراف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة باستقلال البوسنة والهرسك في أعقاب تفكك يوغسلافيا السابقة، حيث أراد صرب البوسنة الانضمام إلى جمهورية صربيا لإقامة صربيا الكبرى.

ويبقى الاتفاق على جيشين منفصلين في البوسنة ونظامين قضائيين وثلاث مجموعات إثنية، تنظر كل منها للآخر بعين الريبة والشك. إن لم تكن نظرة الكراهية، ويعطي الاتفاق  للمهجرين من جراء سياسة التطهير العرقي الحق في العودة إلى بيوتهم في المناطق التي كانوا يقطنوها قبل اندلاع الحرب قبل ٤٣ شهرا. غير أن مراقبين يعتقدون أن الكثير من هؤلاء لا يزالوا خائفين من العودة، وطبقًا لأرقام مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة فإن عدد هؤلاء يصل إلى ٣.٣ ملايين شخص، منهم ٢,٧ مليون في البوسنة لوحدها. 

ويدعو الاتفاق الأطراف الموقعة الثلاثة إلى التعاون الكامل مع المحكمة الخاصة بمحاكمة مجرمي الحرب في البوسنة، ومنع أي من المتهمين بارتكاب جرائم حرب من تولى أي مسؤوليات في البوسنة أو في الدول الثلاث، ويؤكد الاتفاق على أنه سيتم إعادة بناء ما دمرته الحرب في البوسنة.

وسوف تقوم الولايات المتحدة والإتحاد الأوربي بتمويل إعادة الإعمار. 

 ويدعو الاتفاق أيضا إلى إجراء انتخابات في غضون ستة ـ تسعة أشهر لانتخابات كافة المستويات التي تقوم على أساس الانتخاب في الحكومة المركزية، وفي الكيانين اللذين يشكلان البوسنة. 

وقد قام مجلس الأمن فور توقيع الاتفاق برفع العقوبات الاقتصادية عن صربيا، ووقف العمل بقرار حظر شحن الأسلحة إلى البوسنة، وهو ما يعارضه الأوروبيون، غير أن وزير الخارجية البوسني محمد شاكر بيه قال «إن السماح بتسليح البوسنة وتدريب جيشها سوف يسمح للولايات المتحدة تقليل التزاماتها لأنه إن عاجلًا أو أجلًا فإن البوسنيين سيكونون في وضع يمكنهم من الدفاع عن أنفسهم وردع العدوان ويسمح  لقوة تطبيق السلام، بمغادرة البلاد قريبًا.

 فالاتفاق يدعو إلى انسحاب كافة القوات الأجنبية من البوسنة في غضون ٣٠ يومًا، وأن يضع الطرفان قواتهما خلف خطوط وقف إطلاق النار الجديد التي تفصل بين الجانبين في غضون شهر واحد، فيما ينبغي سحب كافة الأسلحة الثقيلة، ووضعها في مخازن في غضون ۱۳۰ يومًا.

 وتملك قوة تطبيق السلام الحق في التحرك بحرية داخل البوسنة، واعتقال مجرمي الحرب المتهمين إذا ما صادفتهم، ولكنها لن تقوم باقتفاء أثرهم لقتلهم. 

صربيا هي التي فجرت الحرب العدوانية

ومن أجل توضيح مدى الدور الذي لعبته صربيا ورئيسها في الحرب العدوانية في البوسنة، فإن قرار سلوبودان ميلوسيفيتش ـ الذي سبق له العمل سابقًا في أحد بنوك نيويورك ـ بتوقيع الاتفاق أصبح ملزمًا لصرب البوسنة الذين أعلنت زعامتهم بعيد اجتماعها مع الرئيس الصربي في بلجراد يوم الثالث والعشرين من الشهر الجاري عن قبوله بالاتفاق، بعد أن كانت أعلنت رفضها المبدئي للاتفاق يوم توقيعه، وقد أعرب دبلوماسي غربي عن استغرابه من السرعة التي وافق فيها زعماء صرب البوسنة على الاتفاق بعد اجتماعهم مع مليون فيتش، وقال:« كنت أعتقد أن الأمر سيحتاج إلى وقت أطول لإقناع صرب البوسنة على الموافقة لقد كانت إهانة، كاملة لقيادة صرب البوسنة كنت لا أتوقع حدوثها بهذه السرعة».

وقال مسؤول بوزارة الخارجية الأمريكية: إن ميلوسيفيتش كان وعدهم قبل مغادرتهم دايتون بأنه سيجعل صرب البوسنة يوافقون على الاتفاق، وأنه يحتاج إلى يومين لذلك، وقال المسؤول  «لقد كنا على صواب عندما اعتمدنا على ميلوسيفيتش».

لقد كان يظهر بأنه قادر على وقفهم ويقول مراقبون إن قرار ميلوسيفيتش يعود إلى رغبته برفع العقوبات عن بلاده، وأنه يظهر أنه ليس من بدأ الحرب، بل هو من أوقفها، وقال مسؤولون بوزارة الدفاع الأمريكية: إن من الصعب الحصول على موافقة الكونجرس على الاتفاق الذي يدعو إلى إرسال ٢٠ ألف جندي أمريكي إلى البوسنة، وبتكلفة نحو مليار ونصف مليار من الدولارات بدون موافقة صرب البوسنة.

 صحيفتا «واشنطن بوست» و« نيويورك تايمز»، اتفقنا على أن نجاح الاتفاق يعتمد ـ إضافة إلى دعم الولايات المتحدة ـ على مدى استعداد رئيس صربيا سلوبودان ميلوسيفيتش لإلزام صرب البوسنة على احترام الاتفاق الذي وقع باسمهم، ولكن كما يبدو بدون تفويض كامل.

 ومهما يكن موقف الكونجرس إزاء التزام كلينتون بإرسال ۲۰ ألف جندي أمريكي إلى البوسنة، فإن ذلك أصبح أمرًا لا يمكن الاستغناء عنه؛ لأن موقف الدول الأوروبية يعتمد على قيادة الولايات المتحدة في العالم.

 وقد أكد البيت الأبيض أن لدى الرئيس كلينتون رسالة ضمانات من رؤساء يوغسلافيا السابقين الثلاثة الذين وقعوا على الاتفاق «ضمان سلامة وأمن» القوات الأمريكية والدولية الأخرى المشاركة في حفظ السلام

مناورات الساعات الأخيرة

غير أن هذا لا يعني أنه لن تكون هناك مناورات سياسية يقوم بها صرب البوسنة في محاولة لابتزاز المزيد من التنازلات من مسلمي البوسنة قبل انعقاد مؤتمر باريس في وقت لاحق من شهر ديسمبر الجاري الذي سيضع الاتفاق موضع التطبيق الفعلي، وأول التصريحات بهذا الشأن ما قاله رادوفان کاراذيتش يوم السادس والعشرين من الشهر الماضي من أن الاتفاق سيحول سراييفو إلى بيروت أوروبية، وقال في مقابلة مع التليفزيون البريطاني: إن صرب البوسنة من سكان سراييفو يتطلبون أن يكون لهم وضع خاص» وقال: «إن ما هو خطأ في اتفاق دايتون هو أنه خلق «بيروت» في أوروبا، ستظل تنزف لعقود. وستكون سيئة جدًا، وربما أسوأ مكان في أوروبا؛ لأنها الآن مدينة مقسمة.

 وقد بدأت زعامة صرب البوسنة المتشددة مثل كراذيتش ورئيس برلمانهم موميشيلو كراجيسنيك الحملة للحصول على تنازلات أخرى من قبل مسلمي البوسنة، وعرابي الاتفاق، وذلك بتقسيم سراييفو إلى شطرين يكون الشطر الذي يسيطر عليه الصرب عاصمة لجمهوريتهم، وقالوا: إنهم لا يقبلون بسلطة المسلمين عليهم، وهم يريدون إما إعادة التفاوض حول المدينة، أو الحصول على حماية دولية للسنوات الخمس المقبلة على الأقل، وقال: إن تطبيق الاتفاق ليس مشكلة، ولكن بدون تنازلات فإن برلمانهم لن يصادق على الاتفاق، لقد كان واضحًا خلال مفاوضات دايتون بأن الحكومة البوسنية التي تعززت قواتها خلال ٤۲ شهرًا من الحرب، واشتد تصميمها على القتال بسبب الجرائم المتكررة التي قام بها الصرب ضد المدنيين المسلمين، لم يكن من السهل دفعها من أجل التوصل إلى اتفاق بدون ثمن، فقد تدخل في حساباتها أن الاتفاقية الصربية– الكرواتية واهية، وأن الكروات حلفاء الحكومة البوسنية سيكونون في النهاية مستعدين للقتال ثانية لتوسيع رقعة الأرض الخاصة بالاتحاد الفيدرالي بين مسلمي وكروات البوسنة.

وعلاوة على ذلك فإن رئيس وزراء البوسنة حارس سيلاجيتش الموجود في البوسنة ملتزم بصورة خاصة التزامًا عميقًا بوحدة أراضي البوسنة كدولة متعددة الأعراق، واستنادًا إلى ما كان يقوله مسؤولون أمريكيون، فإنه قد أظهر هذا الالتزام خلال المفاوضات عدة مرات، لذلك فإن أي اقتراح سلام قد يبدو بأنه الطريق أمام تقسيم دائم لدولة البوسنة سيواجه عقبات كبيرة والمفاوضات حول هذا الموضوع كانت تواجه طريقًا مسدودًا في البداية، ولكن وجود بعض النقاط التي تعمل الصالح الاتفاق قد ساهم في التوصل إليه.

فعندما أسست يوغسلافيا في عام ١٩١٨م كان عدد المسلمين فيها ٦ بالمائة من مجموع سكانها، وعندما تمزقت بعد ٤٣ عامًا كان عدد المسلمين 9 بالمائة من مجموع السكان، ولا يستطيع جيش البوسنة المسلم طبقًا لما يقوله محللون أمريكيون– أن يأمل بشكل معقول بالانتصار إذا واجه مقاومة الصرب والموقف السلبي للكروات، لقد مزق الصرب والكروات يوغسلافيا وجعلا الحرب حتمية ومصالحتهما- مهما كانت مريرة- قد تجعل السلام أمرًا لا مفر منه.

 إن الاتفاق وفق ما يقوله هؤلاء المحللون والخبراء ليس سوى اتفاق الأمر الواقع، لذلك فإن ما يتخوفون منه أنه قد يكون يحمل في داخله بذور نزاع مستقبلي، فالاتفاق يقسم البوسنة على امتداد خطوط الفصل العرقي . الأمر الذي يعتبر مصادقة على بعض السياسات . العنصرية لحرب البوسنة الذين قاتلوا طوال السنوات الماضية من أجل الانفصال، كما يقدم  الاتفاق ضمانات غير مؤكدة بجلب كافة مجرمي الحرب إلى العدالة، إذ فيما أعلن وزير خارجية . البوسنة محمد شاكر بيه أن مثول زعيمي صرب البوسنة رادوفان كراذيتش والجنرال مالديتش  أمام العدالة «هو أمر مهم لناء» وأنه لابد من تسليم الاثنين إلى محكمة جرائم الحرب في لاهاي، فإن مساعد وزير الخارجية الأمريكي الذي لعب دور الوسيط الأساسي في الاتفاق ريتشارد هولبروك قال: إن مستقبل الاثنين «وليس ناصعًا» وليس هناك ما في الاتفاق ما يضمن تسليم الاثنين إلى المحكمة الدولية لمجرمي الحرب، ويقر الاتفاق بحق الذين تم تهجيرهم بالعودة إلى مناطق سكانهم الأصلية أو التعويض، ولكنَّ هناك شكوكًا كبيرة جدًا حول إمكانية تحقق ذلك.

وللدلالة على الشكوك التي يبديها المحللون إزاء الاتفاق– رغم أن الاتجاه العام يطغى عليه الرغبة في نجاح الاتفاق ، يشير هؤلاء إلى أن الصرب أظهروا يوم توقيع الاتفاق مدى عمق عدم سعادتهم بأجزاء من الاتفاق، وخاصة إقامة سراييفو موحدة، وقد رفضوا التوقيع على كافة الوثائق، وقال مومشيلو كراجيسنيك، وهو أحد كبار أعضاء وفد صربيا– إن الاتفاق «لا يستجيب للحد الأدنى من مصالحنا» مشيرًا إلى مثال واحد، إذ إن هناك على الأقل قضية واحدة متفجرة هي وضع مدينة بركو في شمال البوسنة– الخاضعة لسيطرة صرب البوسنة . لم تحل، وتركت لما بعد، فيما لم تبدو على الرئيس علي عزت بيجوفيتش علامات السرور إزاء الاتفاق إلى حد أن الطريقة التي صافح فيها المسؤولون الأمريكيون ورئيسي صربيا وكرواتيا تميزت بالبرود. لكن على الأقل فإن الاتفاق يوجد فرصة صغيرة لقيام حكومة يشكل المسلمون أغلبيتها، ولكنها لن تكون ناجحة دون دعم أمريكي مفترض الرئيس البوسني قال لدى توقيعه الاتفاق مخاطبًا شعبه بالقول/ هذا ربما ليس سلامًا عادلًا، ولكنه أكثر من أن يكون استمرارًا للحرب، وأضاف في مثل هذا الوضع كما هو في مثل هذا العالم مثلما هو فإن سلامًا جيدًا لا يمكن التوصل إليه...

الرابط المختصر :