; أفراح المؤمنين لن تسلب | مجلة المجتمع

العنوان أفراح المؤمنين لن تسلب

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الأحد 10-مايو-1992

مشاهدات 152

نشر في العدد 1000

نشر في الصفحة 26

الأحد 10-مايو-1992


الحمد لله الذي أطعم من الجوع وسقى من الظمأ وكسا من العري وهدى من الضلالة، الحمد لله الذي أعز هذا الدين ورفع راية الجهاد والمجاهدين.

قال الله تعالى في محكم تنزيله ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم: 4-6) لا يخلف الله وعده ولم لا وهو القائل سبحانه عن نفسه ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ (يوسف: 21) وقال سبحانه كذلك ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (ص: 173) إن الفرحة بالجهاد يحياها الشهداء ويحياها الأحياء قال عز من قائل ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (آل عمران:169-170).


الفرح في الإسلام

إنه الفرح بالصبر على الطاعة، إنه الفرح للاستجابة لأمر الله تعالى، إنه الفرح بالخضوع لأوامر الله فيما أحببنا وما كرهنا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه». وكذلك للمجاهد فرحتان، فرحة عند انتصاره، وفرحة عند استشهاده ولقاء ربه قال الله تعالى ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (الصف: 13). وإننا إذ نهنئ المجاهدين، ونهنئ العالم الإسلامي بوجه العموم والمنفقين أموالهم في سبيل الله بوجه الخصوص، ولم لا وهم أول من بدأ مشروع تجهيز الغازي الذي قال عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في أهله بخير فقد غزا».


تاريخ الجهاد والمجاهدين

قبل أكثر من 10 سنوات، وفي دول مجلس التعاون الخليجي، تحرك لهذا المشروع مجموعة من الشباب لجمع أموال من خاصة أموال هذا الشعب المسلم، وقاموا بعدها بزيارة ثكنات المجاهدين في باكستان، وكانت البذرة بذرة الجهاد الأولى، فكان المهندس حكمتيار قد خرج بنفسه وبقطعة سلاح واحدة ومن حوله نفر قليل بأسلحة فردية، وكأني أراهم في تلك المنطقة منذ 14 عامًا. وكذلك الأستاذ برهان الدين وكأني أراه بين نفر قليل لا يملكون حتى الغطاء الذي يتغطون به من شدة برد تلك المنطقة، ولا يملكون سوى أسلحة شخصية. فإذا بإخوانهم في دول مجلس التعاون الخليجي والمسلمون يمدونهم بالخير والفضل والدعاء، ثم تنشأ بعد ذلك لجنة الدعوة الإسلامية في الكويت التي تحركت طوال هذه المدة بين أبنائهم وإخوانهم وآبائهم، فكانوا بفضل الله نواة خير وصلة وبر بين المتطوعين من أهل المنطقة والمهاجرين والمجاهدين، أنشأوا أسطولًا طبيًا شهدت له وكالات الغوث العالمية، وأقاموا المستشفيات بالداخل والخارج، وتحركوا في الإطار العلمي والتوجيهي والتربوي فكان لهم الدور الظاهر في هذا المجال والمعهد الشرعي شاهد على ذلك والشهادات مدونة ومسجلة بالصوت والصورة، هذه هي صور المشاركة في الجهاد، فكان جهادهم هناك وجهادكم هنا وانتصاركم كان انتصارًا لهم هناك وانتصارًا لكم هنا.


فرح المؤمنين وكيد الحاقدين

وبفضل الله لم يبق بيت في دول مجلس التعاون الخليجي إلا وله مساهمة في الجهاد: إما من خلال الاستقطاع، وإما من خلال المشاركة في الجهاد، وإما من خلال الدعاء، وهذا كرم من الله عظيم، ومع هذا كله وبفرح المؤمنين بهذا الانتصار يتحرك الحاقدون بنفوس مريضة كما وصفهم الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران: 120). فقد حاول المفسدون انتزاع الفرحة من قلوب المسلمين ونجحوا لفترة من خلال ما يملكون من وسائل الإعلام، فحولوا الفرحة إلى شبح للفتنة يظن معه الناس أن تقاتل المجاهدين أمر لا مفر منه، وأخرجوا ما في جعبتهم الخاوية وعقولهم المخمورة كلمات الطعن والتشويه الموجهة للمسلمين، وهم من قبل نزعوا فرحة التحرير من قلوب أهل الكويت بحرق النفط واحتجاز الأسرى وإبعاد الصالحين والعمل على إيجاد الفرقة ما بين المرابطين والمهاجرين من أهل الكويت ونزع الثقة ما بين الحاكم والشعب. مسلسل عشناه وما زلنا نعيشه حتى يومنا هذا، نزع الفرحة من قلوب المؤمنين، وهكذا يفعل المجرمون وللأسف الشديد يجدون من يستمع لهم ولكن في النهاية يعلو الحق وينهى الأمر للمؤمنين الصابرين. إن حركة المؤمن تغيظ المفسدين، ويحاولون إطفاء أول ذبالة لإنارة الدرب، ولهم في ذلك أساليب وطرق ووسائل كثيرة للمكر. عندما بدأت حركة حماس في إشعال الجهاد لتحرير القدس، وعندما بدأت مكبرات الصوت من منبر الأقصى في الكويت ترتفع بصوت الشيخ أحمد القطان وإخوانه، أخذت شعوب المنطقة تتدافع للإنفاق في سبيل الله ولتجهيز معركة القدس، هناك تحركت قوى البغي والعدوان في بغداد لإخراس وقبر هذا الصوت، وفي هذه المرة جهة الجنوب على جثث وأعراض أهل الكويت. وكذلك يمكرون: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ (الأنفال:30).


ولادة تستحق الفرحة

في أفغانستان من خلال الجهاد الذي استمر 14 عامًا، أحيا المسلمون فيه الفريضة الغائبة، ليضيفوا بعد هذا الجهاد الطويل ولادة إسلامية في العالم بصورة تناسب الزمان والمكان والإنسان الذي تظهر فيه هذه الصورة، ليؤكدوا أنه من الخطأ أن نتصور أن هناك وسيلة واحدة تستخدم في العالم من أجل تحقيق المشروع الإسلامي. وحتى في التعاملات اليومية والعلاقات المصلحية والإنسانية التي لا تؤثر في أصول الدين من قضايا الاعتقاد والولاء والبراء، لابد أن نعطي شيئًا من المرونة والسعة، ولا نقيس الأمور القابلة للاجتهاد والنظر بمقياس واحد، ونجعل هذا المقياس نصًا لا تجوز مخالفته، فعلى سبيل المثال لا يطلب من شعوب الخليج أن تتعامل في يومياتها مع الدول الغربية التي أزاحت عنها كابوس البعث والتقتيل، بصرف النظر عن غايات الدول الحقيقية، أقول: لا يطلب منها نفس موقف الشعب الفلسطيني الذي لا يزال يعيش في ويلات وعد بلفور والمساعدات والتدليل الغربي لإسرائيل، فالمواقف خاضعة للتعاملات مع بقاء الأمور الثابتة في إطار الاتفاق كالولاء والبراء والمبادئ والقيم، وأعرف أن هذا الأمر من الممكن ألا يعجب إخواننا المفكرين بحماس وعاطفة ولكن هذا واقع لا يمكن إغفاله حتى لا نضيع عند اكتشاف الأمور بعد بناء تصوراتنا على ما يجب أن يكون لا على ما هو كائن. ففي أفغانستان كان القادة يتعاملون مع جميع الدول الشيوعية منها والنصرانية، وأمر الجهاد يستلزم ذلك، وهو في نفس الوقت لا يخدش الجهاد في شيء عندما لا تتعلق هذه الاتصالات بأمور ثابتة من أمور الدين وليس هناك تدخل في القرار الإسلامي للمجاهدين، فما الذي يضر إن ذكر القادة في مقابلاتهم أن أميركا أو ليبيا أو مصر أو غيرها من الدول كانت تساعدهم طوال هذه الفترة، فحتى لا يتهم بعضنا بعضًا وتنتهي المتاجرة في كلام لا قيمة له ومن أجل ألا يحدث التآكل في الصف الإسلامي. ولنعط مجتمع «أبي بصير» في الجبال أن يتخذ قراره في علاقاته وتحركاته. وكذلك يعطى مجتمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في المدينة الموقع للمعاهدة في الحديبية قراره في علاقاته وتحركاته.


صور مشرقة تتكرر

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الحسن رضي الله عنه: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين»، أخرجه النسائي عن أبي بكرة، وتحقق ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن الحسن رضي الله عنه وعن أبيه وأخيه والصحابة أجمعين أداة الخير التي حقنت دماء المسلمين عندما تنازل عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه مع كونه أحق منه، فإن في هذا الموقف العظيم تشققات كان من الممكن أن تؤخر الأمة الإسلامية سنوات طويلة، وقد ظلت هذه الصور المعلنة عن القوة الإيجابية للمسلم وتحديه لرغبات حب الجاه والمنصب تتكرر في عالمنا بحسب الظروف، ففي السودان ضرب السيد سوار الذهب مثلًا رائعًا عند تسليمه للسلطة بعد أن حازها وكان بإمكانه الاستمرار بها ومع ذلك قدم المصلحة العامة على مصلحته ورغبته الخاصة، فكان مثلًا سارت به صفحات الصحف، فأكرمه الله في الدنيا برئاسة مؤسسة إسلامية عالمية وأسأل الله أن يكرمنا وإياه في الآخرة. وتستمر هذه الصورة المشرقة تعطي الأمل وتعلن على الملأ أن هذه الأمة لا زال الخير فيها إلى أن تقوم الساعة «الخير فيَّ وفي أمتي إلى أن تقوم الساعة»، فتظهر الصورة في أفغانستان مرة أخرى عندما يحسم الفتنة الشيخ سياف ويتنازل عن مكانه في الحكومة كرئيس للوزراء، بل حتى يخرج من التشكيل نفسه ويطلب من إخوانه أن يختاروا من المجاهدين ما يشاءون وإن كان مفضولًا وفقًا للقاعدة «الاجتماع على المفضول خير من التفرق على الفاضل»، وهذا التصرف في ميزان الأمم عظيم وأجره كبير.


وسائل تحقيق المشروع الإسلامي كثيرة

إن لكل مشروع ظروف إنجاحه ومن خلال قراراته، ومن الظلم للمشروع الناجح والمشروع المعقود التحرك له أن تكون هناك مطابقة، فالصور التي خرجت لنا في واقعنا تختلف من مكان لآخر، ففي السودان كانت هناك تهيئة حركية دعوية تكوينية ثم مشاركة حزبية في الحكومة ثم انتهت إلى انقلاب كامل لاستلام السلطة، وفي الجزائر كان هناك تحرك شعب عام وتعبئة جماهيرية، وأخذ لأصوات الجماهير في العملية الانتخابية وتغيير النظام عن طريق البرلمان، وفي أفغانستان كان التحرك لإظهار المشروع الإسلامي عن طريق الجهاد المسلح وهكذا تختلف الصور ولكنها في النهاية تشترك جميعًا في محور أساسي هو إنجاح المشروع الإسلامي المتمثل في تحكيم شرع الله سبحانه، ولقد أثبتت كل التحركات والتجارب أن قدر المشروع الإسلامي أن يتحقق بجهود المسلمين مجتمعين، فلا يمكن له أن يتحقق بفرد واحد أو مجموعة خاصة، بل لابد أن يشترك فيه الجميع الصغير والكبير المرأة والرجل العالم والعامي كل يخدم من جهته.


دعاء وحياء

بعد 14 سنة من الجهاد والدعاء تحققت الإجابة وارتفعت راية التوحيد في أفغانستان، وفرح المسلمون في كل مكان بنصر الله، وقوى الأمل في أن يتحقق للمسلمين فرحة أخرى يوم ترتفع راية التوحيد في فلسطين وينفتح الطريق إلى أولى القبلتين وثالث الحرمين فتشد إليه رحال المسلمين من كل بقعة في الأرض ليصلوا في مسرى نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-. وسيكرمنا الله بالالتقاء بإخواننا الأسرى وسترتفع راية التوحيد في كل مكان يقطنه المسلمون وسيعم الخير ويحل الأمن والأمان في ظلال شرع الله المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله، ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (الروم:4-5)..



 

 

الرابط المختصر :