; أفتش عن أخ أتمسك بِوُدِّه | مجلة المجتمع

العنوان أفتش عن أخ أتمسك بِوُدِّه

الكاتب مصطفى عبدالجليل الحباب

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-2000

مشاهدات 105

نشر في العدد 1424

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 31-أكتوبر-2000

أحمل مصباحي في بياض النهار(۱)، أفتش عن أخ بكل ما تحمل الكلمة من معنى، نعم: همزة وخاء تعني «أخ».

فالهمزة: حرف حلقي يصدر من أقصى الفم يخرج من المزمار نفسه، ولنطق الهمزة تنطبقفتحة المزمار انطباقًاكاملًا، ثم تنفتح فجأة فتسمع صوت انفجار شدید.

أما الخاء: فحرف حلقي لا يحرك زفيره الوترين، بل يضيق مجراه عند أدنى الحلق فيحدث نوع من الصفير أو الاحتكاك.

إذن فـ«أخ» كلمة ذات حرفين حلقيين يحتاج النطق بهما إلى جهد، فليس التلفظ بهما سهلًا ميسورًا، بل يحتاج إلى شيء من المكابدة على قدر مكابدة الإحساس، والميل إلى الأخ، وهو بحرفيه الحلقيين يشعر بمدى الكدح إليه، فلا غرور فهو العضد الذي يعين على متاعب الطريق، وكأنك حين تقول: «أخ» تستشعر معناه العاطفي استشعارًا عميقًا (۲).

والأخ: يطلق على أخ الدم وأخ الدين، فعندما تتوجع وتتأوه تتلفظ بـ «أخ»، كأنك تستدعيه تلهفًا، فهو رمز لاستشعار شدة الشوق والحاجة الملحة، ذاك أخ الدين والدعوة والطاعة، أخ في الله.. ولله.

أفتش عن أخ يأخذ بيديك، ويقول: اجلس بنا نؤمن الساعة، ويهمس في أذنيك: «أخي إني أحبك في الله» ويبتسم ابتسامة في طياتها الحب والصدق. وتقول له: أحبك الذي أحببتني فيه يا أخي وبارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، بعدها تحس بنسمات عطر يأخذ الألباب ويسري في العروق، ولا تتحمل العين فتذرف الدموع. ثم يحضنك ذاك الأخ الإيماني ويقول: أخي نحن أقوى رابطة على وجه الأرض، نحن نقف على منابر من نور إن شاء الله يغبطنا عليها الأنبياء والشهداء (۳)، ونستظل تحت ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله إن شاء الله.

أفتش عن أخ يرفع التكلف، ويترك حضيض الدينار والدرهم:

ويحسن في ذات الإله إذا رأى    ***          مضيمًا لأهل الحق لا يسأم البلا

وإخوانه الأدنون كل موفق        ***           بصير بأمر الله يسمو إلى العلا

يذكرك بالآخرة كما قال الحسن البصري: «إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا، لأن أهلنايذكروننا بالدنيا، وإخواننا يذكروننا بالآخرة» (٥).

اتخذ الإيثار شعارًا: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: ٩).

يقبل عللك، ويسدد خللك، ويعفو عن ذلك، يألف ويؤلف، إذا اشتكيت اشتكى، وإذا بكيت بكى، يحزن لحزنك، ويفرح لفرحك: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٦)، روائح نسيم المحبة تفوح منه كأن الدنيا تتسع لما تراه.

روى الأبنادي عن الأثرم أنه قال: دخل اليزيدي يومًا على الخليل بن أحمد وهو جالس على وسادة، فأوسع له، فجلس معه اليزيدي على وسادته، فقال له اليزيدي: أحسبني قد ضيقت عليك، فقال الخليل: ما ضاق مكان على اثنين متحابين والدنيا لا تسع اثنين متباغضين(۷).

هو مرآة لأخيه، إن رأى منه ما لا يعجبه سدده وقومه، وحاطه في السر والعلانية، بدل التعاتب بالتغافر، ولم يسلك طريق التنافر، كلما صافحته قال لك: رب اغفر لي ولأخي هذا.

خصاله.. وأفعاله

أفتش عن أخ يكف لسانه إلا بخير، فلا يذكر إخوانه بعيب ولا يعاتبهم، ولا يسخر منهم، ولا يلمزهم، يستر عيوبهم، ودائمًا يدعوهم بأحب الأسماء إليهم، وإذا جن المساء عليه رفع يديه واستحضر صور من يعرف من إخوانه في ذهنه ويستشعر الصلة الروحية بينه وبين من لم يعرف منهم، ثم يدعو لهم بمثل هذا الدعاء: «اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك، وتعاهدت على نصرة شريعتك، فوثق اللهم رابطتها، وأدم ودها، واهدها سبلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك، وجميل التوكل عليك، وأحيِها بمعرفتك، وأمِتها على الشهادة في سبيلك، إنك نعم المولى ونعم النصير»(۸).

أفتش عن أخ يداه بالخير مبسوطتان، ولسانه رطب بذكر الله، إن أشار إليه بنان بسب أو شتم احتسب وكان منه الصفح والغفران، بابه مفتوح، وماله مبذول، من يذهب إليه طلبه مجاب قبل أن يبدأ بالسؤال، هو الذي قيل فيه: «رُب أخٍ لك لم تلده أمك»، تحس منه حسن الخلق، والرحمة والتواضع، وخشوع النظرة، وحسن اللقاء والاستماع، ورقة الابتسامة، وحب دعوته، وأدب كلمته، وتضحية لإخوته. يشغل تفكيرك، ويملك جوارحك، حتى إنك لا تطيق أن تبتعد عنه ساعة من نهار أو ليل، فهو كنز غال، أفتش وأبحث عنه. 

هو كالشمعة المضيئة التي تحترق لتنير غيرها بهدوء تام دون أن يحدث ضوضاء حولها، ويعيش لإخوانه ودعوته، وتبدو الحياة طويلة وعميقة، والعمريتضاعف بقدر الإحساس بالأخوة، فما أسعد الإنسان الذي تعطف عليه الحياة وتمنحه مثل هذا الأخ الذي لم تلده أمه.

أخي في فؤادي وفي مسمعي              ***             وفي خاطري أنت والأضلع

أخي في حناياك يجري هواي                   ***             وروحك في الكون تسري معي

أخي إن بسمت فعن مبسمي                ***              وإن أنت نُحت فمن أدمعي

أخي إن تراءى لعيني الصباح                   ***              تبينت نورك في المطلع

أخي أنا أنت فمن منهل                           ***              سقينا الحياة ومن مشرع

أخي أنا أنت فآمالنا                                   ***            وآلامنا فيض من منبع

أخي نغم أنت يحلو به                              ***             فمي ويهشُ له مسمعي(۹)

مواقف أخوية

أین من يحترق لدعوته وإخوانه؟ أين من يكفكف دموع أخيه، ويتألم ويحس به؟

هناك صور ومواقف لعلَّنا نجد ذاك الأخ الذينفتش عنه فيها، وهي صور من عالم الحقيقة، لكنها في طبيعتها أقرب إلى الرؤى الحالمة، وهي صوروقعت في هذا العصر الذي فقدنا فيه الأخ.

لنا مع الأستاذ محمد أحمد الراشد، معاناةوعبرات أخوية أرسلها في كتاب «مسافر في قطار الدعوة»، حين تحدث عن معنى حبه لأخيه عادل الشويخ -رحمه الله تعالى- بكلمات ملأها الوفاء والأسى لفقد أخيه، فقال: «هكذا نهاية أخي العزيز الحبيب وعضدي وسندي، وصاحبي في دربي، وقريني وتلميذي».

ويتحدث عن حادثة موته فيقول: «فهزني الحادث، وأذهلني، ونفضتني صدمة عنيفة لم أزل أرزخ تحت تأثيرها، ولا أدري ما أقول، ولا ما أفعل، وغير مهتدٍ لطريق تعويضه، وإن كان لي فخر، ففخري أن أبا عبد الله، كان أكبر تلاميذي، وأمين سري، والنجي الذي أبثه همومي، والمستشار الذي طالما حاورته ففتح لي من نوافذ التفاؤل ما شاء الله، وأغلق أخرى تطل على أودية التشاؤم. لقد كنت وإياه كأننا فريق عمل مشترك، تنضج أفكارنا معًا، ونرحل معًا، ونتكلم معًا، ونكتب معًا، ولذلك شعرت بأن نصفي قد مات لما بلغني نعيه، وما أظن أحدًا من أصحابه حزن لموته كحزني»(۱۰).

ونستشعر الأخوة الإيمانية مع الأخ «الذي كأنه في رحلة جهادية مع إخوته، وفي ليلة من الليالي استيقظ بعد منتصف الليل فتوجه للوضوء ليصلي ما يكرمه الله به، وإذا به بعد الانتهاء من الوضوء يرى ملابس إخوانه قد ملأت ملابس المغسلة، ولعدم وجود وقت للراحة كان هذا الكم من الملابس، فقام الأخ يغسل ملابس إخوانه، وقبل صلاة الفجر كان قد انتهى، فصلي الوتر مكتفيًا به عن قيام الليل، ثم أيقظ إخوانه لصلاة الفجر ويقول إنه وجد سموًّا إيمانيًّا لم يكن يجده في تعبداته السابقة (۱۱).

وآخر في إحدى الدول الإسلامية من شدة حبه لأخيه في الله والتضحية في سبيله احتضنه في أثناء إطلاق الشيوعيين الرصاص عليه، واستشهد هو وظل أخوه حيًّا.

وذاك الذي كان نائمًا مع إخوته في الخيمة فاستيقظ في منتصف الليل على صوت الرياح الشديدة، ورأى عمود الخيمة كاد ينكسر وأمسكه بیده، وظل قائمًا حتى الفجر من غير أن يوقظ أحدًا من إخوانه حتى لا يفاجئهم أو يزعجهم.

والأخ المحب لإخوته الذي جاءته حالة غيبوبة منأثر اصطدام، وفي أثناء نقله إلى المستشفى استيقظ، وكان يظن أنه سوف يموت فقال لأخيه الذي بجانبه بلغ إخوتي أني أحبهم جميعًا في الله.

ويحدثنا معلم الأخوة الإمام البنا فيقول «تآخى اثنان في الله، سافرا في سفينة، وقف أحدهما على حافة السفينة فزلت به قدمه فوقع في البحر، ووقع أخوه وراءه فانتشلهما رجال السفينة، فلما أفاق الأول رأى أخاه مبتلًّا من أثر الغرق، فقال له: مالك؟ فقال: لقد فنيت بك عني فظننت أنك أني» (۱۳).

صاحب الإيثار

وصاحب الإيثار الذي قال لإخوته: من يحتاج إلى شيء بمناسبة العيد؟ فقال له: أنا أحتاج إلى بدلة، وأريد أن ترشدني إلى خياط يفصل بالتقسيط، فقال له صاحبنا: غدًا أرشدك إليه، ثم ذهب غدًا إلى الخياط الذي يعرفه، وقال له: سوف يأتيك أحد الإخوان كي تقوم بتفصيل بدلة له، فلا تأخذ منه أي شيء، وسوف أقوم أنا بالتسديد، ولبس الأخ البدلة في العيد، ويسأله إخوانه من أين اشتريت القماش؟ ومن الذي قام بالتفصيل فيقول: من عند الخياط فلان، فيذهب الإخوان لهذا الخياط ويطلبون مثل ما طلب الأخ. لكنهم يكتشفون أن هذا الخياط لا يفصل بالتقسيط، وأن صاحبنا قام بدفع القيمة كاملة ثم يأخذ من الأخ المبلغ على دفعات، دون أن يعرف حقيقة الأمر.

إنها نعمة الأخوة، يجعلها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أثمن منحة ربانية للعبد بعد نعمة الإسلام فيقول: «ما أُعطي عبد -بعد الإسلام- خيرًا من أخ صالح، فإذا رأى أحدكم ودًّا من أخيه فليتمسك به».

الهوامش

(۱) مقولة لأحد الفلاسفة.

(۲) من كتاب «معنى الأخوة» محجوب موسى، ١٢- ١٤ بتصرف.

(۳) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: «المتحابان في جلالي على منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء» (رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح).

(٤) مناقب الإمام أحمد، لابن الجوزي: ١١٤

(5) إحياء علوم الدين: 3/ 176

(6) البخاري: ٦٠١١

(۷) نزهة الألباء: ٧٠

(۸) رسائل الإمام البنا، المأثورات: ٦٦٠

(۹) الأخوة والحب في الله ۹۸- ۹۹. قصيدة للأستاذ محمد الناجي.

(۱۰) مسافر في قطار الدعوة د. عادل الشويخ 8- 10 بتصرف.

(۱۱) ذاتية المؤمن طريق النماء، إصدار لجنة البحوث في دار الدعوة ٣٦- ٣٧ بتصرف.

(۱۲) المصدر السابق.

(۱۳) حديث الثلاثاء، حسن البنا 2/ 23.

_______________________________

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 73

119

الثلاثاء 17-أغسطس-1971

أكثر من موضوع (العدد 73)

نشر في العدد 82

151

الثلاثاء 19-أكتوبر-1971

في ظلال شهر الصوم

نشر في العدد 247

113

الثلاثاء 29-أبريل-1975

ألا سَحقاً للمثبطين