; أعمدة المجتمع (414) | مجلة المجتمع

العنوان أعمدة المجتمع (414)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1978

مشاهدات 85

نشر في العدد 414

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 03-أكتوبر-1978

لقائي بصديقي لا يكون إلا في فترات بعيدة، رغم شوقي للقائه، وحبي لحواره وحديثه. ولكن هذه الحياة التي تسمح بلقاء قصير كل مدة من الزمن. 

شغلتنا الحياة عن الأصدقاء كما شغلتنا عن أنفسنا، وأخشى أن أقول إن الحياة شغلتنا بعض الشيء عن عبادة الله كما ينبغي أن تكون العبادة، ونسينا أن العبادة هي سبب الوجود في الأصل، وبدونها يكون العدم أفضل من ذلك الوجود الضائع. وأمس التقيت بصديقي. فضرب لي موعدًا. وعرفت منه أنه يرغب في اللقاء مهما كانت مشاغل الحياة. حين أتى لمحت على وجهه ضباب تفكير قائم. تركته حتى جلس، ثم قلت:

  • كأنك تحمل الكون فوق كتفيك.

ابتسم، وقال:

  • هذا الكون لا يستحق أن أحمله إذا استطعت ذلك
  • لِمَ؟
  • فيه اعوجاج.. كل شيء شاذ.
  • هكذا أنت دائمًا.. غاضب.. ساخط.
  • بدون حق.. أم أني على حق.. دعك من الأمور العليا التي توجه الرياح في عالمنا العربي.. وتعال نتحدث على مستوى الأسرة.. أو حتى على مستوى الفرد... يوجد الشخص الضائع بين مفترق الطرق.. مع أن منهج الله واضح.. ولا يحتاج منا إلا الإقبال عليه.

قلت لصديقي: 

  • كأنك تكشف أشياء لم تكن موجودة من قبل.. ألا تعلم أن الناس ساروا في طرق متفرقة.. وتركوا الإسلام.. هذا الضائع الواقف في مفترق الطرق أحسن حالًا.. ربما التفت وعرف الطريق السليم وذهب إليه.. ولكن ما سبب كل هذا القول..
  • سمعت أحد الأصدقاء يقول إنه يعيش في زمن متطور.. ومع ذلك لا يعجبه.. ويبحث فيه عن سعادة الوجدان.. واقتناع العقل.. فلا يجد غير الحيرة وحين حدثته عن الإسلام.. ظل يحدق في وجهي كمن يسمع حديثًا لا يعرفه.. وأخذ يدير بصره حوله كمن يرى الدنيا لأول مرة..
  • لا تدهش.. الحديث عن الإسلام غريب.. أما الحديث عن أي موضوع آخر طبيعي لتفكير الناس المتطور كما يظنون.. وهو في الحقيقة تفكير متخلف ولا يدرون..
  • الأمور مضطربة.. والسفينة غارقة. 

قلت لصديقي:

  • أين نحن من هؤلاء الذين فهموا الحقيقة الكاملة.. أقص عليك حكاية إبراهيم بن أدهم حين خرج لإداء فريضة الحج. وقارن بيننا وبين أمثال إبراهيم بن أدهم.. وناقش المسألة في ذهنك بعد ذلك حتى لا نغضب من رؤية المسلمين على تلك الحال المؤلمة..

خرج إبراهيم بن أدهم لأداء فريضة الحج ماشيًا فرأه رجل راكب على ناقته، فقال له: 

  • إلى أين يا إبراهيم؟

قال:

  • أريد الحج.

فسأله الراكب على ناقته:

  • أين الراحلة فإن الطريق طويل؟

فقال إبراهيم:

  • لي مراكب كثيرة لا تراها.

فعاد الراكب على ناقته يسأل:

  • ما هي تلك المراكب التي لا أراها؟
  • إذا نزلت بي مصيبة ركبت مركبة الصبر، وإذا نزلت بي نعمة ركبت مركبة الشكر، وإذا نزل القضاء ركبت مركبة الرضا.

فقال له الرجل:

  • سر على بركة الله فأنت الراكب وأنا الماشي.

هز صديقي رأسه إعجابًا بإبراهيم بن أدهم وقال:

  • أتسألني أين نحن من أمثال إبراهيم.. ماذا أقول لك.. نحن نركب الغرور وحب الذات.. أما أمثال إبراهيم كانت لهم مراكب كثيرة لا نراها حقًّا.

ونهض صديقي ينصرف، ولكنه التفت قائلًا:

  • حين نرى مراكب إبراهيم بن أدهم نصبح أحرارًا.

وخرج صديقي ومضى في طريقه.

ابن المجتمع

الرابط المختصر :