العنوان أعمدة المجتمع(411)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 10-سبتمبر-1978
مشاهدات 27
نشر في العدد 411
نشر في الصفحة 7
الأحد 10-سبتمبر-1978
أعمدة المجتمع
قبل أن يهل هلال شوال، ويأتي عيد الفطر كنت أودع شهر رمضان كما يودع الإنسان حبيبه، فقد أحببت هذا الشهر الفضيل في هذا العام كما لم أحبه في الأعوام السابقة، وكانت أسباب حبي له كثيرة وكافية لتجعلني أحس بفراقه عند لحظة الوداع، ومن الثابت عندي أن أهم أسباب حبي له هو ذلك التدريب الذي قمت به في أثناء الصيام. التدريب على الصيام عن الكلام، لم يكن صيامي عن الطعام والشراب فقط، وإنما كان الصيام أيضًا يشمل أشياء أخرى أقلعت عنها، منها الكلام الزائد الذي لا حاجة لي به وهو ما يسمى بالجدل أو يسمى في قواميس اللغة بالثرثرة، مضاعة البشر ومرض الحضارة الحديثة وفلسفتها المستوردة.
كل إنسان يتحدث بجهل في أمور شتى، ولا يستثني الدين، ويظن أنه عالم من علماء الفقه، ويخرج إلى الناس برأي، يتكلم فيه ويلوي فمه ويبحث في حقائق أعطى الإسلام فيها كلمته.
هذا الجدل، أو هذا المرض الخبيث يضاعف جهل الإنسان بنفسه، وبمجتمعه، ويقطع عليه الصلة الروحية التي ينبغي أن تظل موجودة بينه وبين خالقه، وهي الصلة التي تتحقق بالعبادة المتصلة وبذكر الله في كل لحظة.
من هذا كله كان حبي الشديد لشهر رمضان تدربت فيه على الصيام عن الكلام الفائض، سقطات اللسان، بل حديثه بلا فهم وبلا عقل وكلمات اللهو والمزح الفارغة هذا اللون من الكلام يقذف الإنسان في قاع جهنم، وقد نجوت بفضل الصيام من ذلك الكلام.
وفي أول أيام العيد زارني صديقي، وجدني لا أتكلم كما كنت أتكلم من قبل. أضع على لساني قيدًا، وأعبر أحيانًا بنصف كلمة عما أريد وكأني أعمل بالنصيحة القائلة خير الكلام ما قل ودل. وسألني:
- ماذا استفدت من شهر رمضان؟
قلت بإيجاز:
- صمت عن الكلام.
قال بلهجة دلت على أنه فهم شيئًا آخر:
- صيام مقبول إن شاء الله.
- قلت أفسر معنى ما قلت: أقصد أني صمت عن كل الكلام الذي يدخل في دائرة الجدل... أعوذ بالله منه.
- وهل أحاديث الناس في أي مكان إلا من تلك الألوان.. يتكلمون في كل شيء وفي أي شيء وهم يظنون أنهم عالمون وأصحاب معرفة، والحقيقة هي أنهم أكثر جهلاً من الجهال.
تساءلت بصوت مسموع:
وهل يلقى الناس في جهنم إلا حصائد ألسنتهم؟
- أما أنا فقد استفدت من شهر رمضان بالإقلاع تمامًا عن عادة كانت تلازمني.. وكنت أجد صعوبة في التخلص منها.
سألته لاستكشف:
- ما تلك العادة؟
- عادة التدخين.. كنت أحرق يوميًّا أربعين سيجارة.
قلت بدهشة:
هذا صحيح ... فلم أرك تدخن مع أن السيجارة كانت لا تترك فمك أو أصابعك.
- لا تدهش.. كل شيء ممكن.. تنقصنا الإرادة..
- وجاء رمضان كي يعلمنا كيف نقوي إرادتنا.. ولكن ألا تحس بحنين إلى التدخين؟
- بلى أحس.. ولكن إرادتي أقوى.
ونهض ينصرف، ونهضت خلفه أودعه، وعدت أجلس وحدي في صمت، وإن كانت نفسي تسبح في عالم عرفته بعد الصيام، وهو عالم التسبيح وذكر الله بلا صوت وبلا حركة وكان النهار يولي، والليل يأتي فأخذت في الاستغفار حتى قمت وذهبت أقف أمام القبلة.. حانت صلاة المغرب.
بعد الصلاة جلست مع ضيوف العيد، وكاد أحد الزائرين يجر الجالسين إلى حديث يشبه اللعب، لولا أني جذبته نحو حديث بعيد جديد، ولاحظ ذلك. ولم يحاول أن يفتح باب حديثه مرة أخرى، وهكذا استمسكت بمنهج النجاة من المهالك.
ابن المجتمع