العنوان أعمدة المجتمع (العدد 403)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1978
مشاهدات 81
نشر في العدد 403
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 11-يوليو-1978
سألني صديقي بصوت عال: لماذا كل ذلك النفاق ونحن نؤمن بأن الأرزاق بيد الله؟ ثم أردف بصوت أعلى: النفاق موجود في كل مكان من الأرض وفي كل بقعة، حتى صار بضاعة رائجة شائعة.. يشتريها ويبيعها كل الناس، بلا استثناء وبلا حياء.
قلت بهدوء يدل على تفكير عميق: ولماذا أنت غاضب هكذا؟ ألا تعلم أن النفاق قديم عمره آلاف السنين؟ وبعد فترة صمت قلت بصوت أكثر هدوءًا :أنا لا أوافق على قولك إن كل الناس ينافقون.. لا.. لا.. وإنما قل بعض الناس ينافق.. هذا صحيح.. لأن البعض الآخر يكره النفاق ويبغضه.
حاول صديقي أن يقنعني أن أغلب الناس يعشق النفاق، يحبه إلى درجة العشق، ولا يستطيع أن يعيش دونه لحظة واحدة، وفي الحقيقة أنا اقتنعت بكلامه أخيرًا،لأن مظاهر النفاق تبدو لنا واضحة في كل حركة وفي كل كلمة، إن الأرزاق بيد الله حقًا، ومع ذلك بعض الناس يتقرب إلى البشر، ويعتقد أن الرزق يجري من بين أصابعهم، وما يؤلمني أن هؤلاء الناس عقلاء، وتساءت كثيرًا: ما فائدة العقل إذا لم يكن ينفع صاحبه بنعمة التفكير السليم؟
وعاد صديقي يسألني ولكن بصوت خفيض يفيض بحزنه: هل النفاق درجات.. أكاد أظن ذلك؟ وأراد أن يوضح سؤاله -رغم وضوحه- فاستطرد قائلًا: أقصد هل النفاق يختلف من شخص لآخر؟
تأملت صديقي كأني معجب به، فهو يتحدث عن النفاق كما يتحدث عن عدو له، قلت بعد التأمل: نعم.. النفاق يختلف من شخص لآخر.. بل النفاق أنواع.
نطق وجه صديقي بالدهشة، فأسرعت أقول حتى لا يقطع حديثي: للنفاق ثلاثة أنواع.. النوع الأول ينافق المجتمع عن فن، وخطة مرسومة بدقة، والنوع الثاني ينافق المجتمع عن خوف ورهبة، والنوع الثالث ينافق المجتمع عن حاجة وعوز، ولكن النوع الأول في رأيي هو أخطر من النوع الثاني والثالث.
لم يصبر صديقي على الصمت، فقال: النفاق عن فن أخطر على المجتمع،ربما لأنه يتفنن في نفاقه، ويجوز لأنه يجدد خططه وخداعه، ومن الصعب أن يكتشفه الآخرون،فيقعون في حبائله. أعوذ بالله من النفاق.
قلت: صدقت، يجب أن نستعيذ بالله من شر المنافق، أنت تستطيع أن تستعد لعدوك، لأنه ظاهر. أما المنافق فأنت لا تعرفه، يختفي تحت رداء ناعم، ويتفنن في نفاقه، ولا ينقذك منه إلا الله -سبحانه وتعالى-، وقد ذكرهم الله في كتابه لنبيه -عليه السلام-: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ قَالُواْ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَكَٰذِبُونَ ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ﴾ (المنافقون: 1 – 3) صدق الله العظيم.
قال صديقي: دار حديثنا كله عن النفاق.
قلت: إنه مرض مزمن ومهلك.
قال صديقي ضاحكًا: مع أنه مرض إلا أنه مرغوب عند البعض.. ومن العجيب أن البعض يتنفن في نفاقه كما قلت.. والآن أستأذن في الانصراف.
وقبل أن يذهب صديقي قلت له: إلى اللقاء يوم الثلاثاء القادم.. سنلتقي هنا في أعمدة المجتمع، فهز رأسه لي ولوح بيده وهو يبتعد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل