العنوان أعمدة العدل ومنابر النور
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-2022
مشاهدات 88
نشر في عدد 2165
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 01-مارس-2022
· العدل أساس الملك وعماد الحياة وميزان الحق وركيزة الإسلام وغاية الرسالة
· العدل بالحياة
يكون للنفس ولكل الناس بإعطاء كل ذي حق حقه ووضع الأمور في مواضعها
· ابن تيمية إن الله
يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة
ما أحوجنا للعدل في حياتنا، فالعدل أساس الملك،
وعماد الحياة، وميزان الحق والعدل هو ركيزة الإسلام، وغاية الرسالة؛ فقبيل
«القادسية» بعث سعد ابن أبي وقاص إلى رستم ملك الفرس رسولا
هو ربعي بن عامر، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من
عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل
الإسلام».
فما أعمدة العدل الرئيسة؟ وما الطريق إلى منابر
النور؟
إن أعدل العدل التوحيد، والله تعالى قرن العدل
بالتوحيد في قوله سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
وَالْمَسَبِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَابِمَا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا
هُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (آل عمران: 18)؛ أي لم يزل الله متصفاً بالقسط في
أفعاله وتدبيره بين عباده، فهو على صراط مستقيم فيما أمر به ونهى عنه، وفيما خلقه
وقدره، لا إله إلا هو.
ويقول سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ (الأنعام: 1)، إخبار عن حمده والثناء
عليه بصفات الكمال، ونعوت العظمة والجلال عموماً، وعلى هذه المذكورات خصوصاً، فحمد
نفسه على خلقه السماوات والأرض، الدالة على كمال قدرته، وسعة علمه ورحمته، وعموم
حكمته، وانفراده بالخلق والتدبير، وعلى جعله الظلمات والنور وذلك شامل للحسي؛
كالليل والنهار والشمس والقمر والمعنوي؛ كظلمات الجهل والشك والشرك والمعصية
والغفلة، ونور العلم والإيمان واليقين والطاعة، وهذا كله يدل دلالة قاطعة على أنه
المستحق للعبادة، وإخلاص الدين له ومع وضوح البرهان ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾؛ أي يعدلون به سواه يسوونهم به في العبادة والتعظيم مع
أنهم لم يساووا الله في شيء من الكمال وهم فقراء عاجزون ناقصون (تفسير السعدي).
والشرك ظلم: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ
وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيمٌ﴾(لقمان: 13).
العدل في الحكم
الإمام العادل هو أحد المحظوظين السبعة الذين
يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: « ... كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من
شديدهم» (رواه ابن ماجة) وأمر الله بالحكم بالعدل، فقال: ﴿إنَّ الله
يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم
بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم
بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ (النساء: 58)، وهذا يشمل الحكم
بينهم في الدماء والأموال والأعراض القليل من ذلك والكثير على القريب والبعيد
والبر والفاجر، والولي والعدو.
قال ابن القيم في «إعلام الموقعين»: إن «الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد
في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها» ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله
حجاب» (رواه البخاري).
العدل في الحياة
والعدل في الحياة يكون للنفس ولكل الناس بإعطاء
كل ذي حق حقه. ووضع الأمور في مواضعها، والاعتدال وهو الاستواء، والله يأمر
بالعدل: ﴿إنْ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْني
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِلُكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90)، وينهى عن الظلم، ففي الحديث القدسي: «يا عبادي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى.
عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَطَالَمُوا» (رواه مسلم): أي: يا عبادي، إني منعت الظلم على
نفسي أي تقدمت عنه وتعاليت. فهو في حقي مستحيل، وجعلته بينكم محرماً، أي حكمت
بتحريمه فيما بينكم. فإذا علمتم ذلك فلا تظالموا ، أي : لا يَظْلِمُ بعضكم بعضاً .
ويقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى
الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
أُولَبِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الشورى: 42) إِنَّمَا السَّبِيل: أي: إنما
تتوجه الحجة بالعقوبة الشرعية، وإنما الحرج والعنت على هؤلاء، وهذا شامل للظلم
والبغي على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فلهم عذاب موجع للقلوب والأبدان،
بحسب ظلمهم وبغيهم.
وقال سبحانه في حقنا : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى
أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾( النساء: 135)
عدل الدولة غير المسلمة:
قال شيخ الإسلام: قيل: إن الله يقيم الدولة
العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع
العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام، ومن أمثلةذلك:
-علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أصحمة
النجاشي ملك الحبشة ملك عادل، لا يظلم عنده أحد، فأمر المسلمين أن يهاجروا إلى
الحبشة قراراً بدينهم من الفتن.
- قال المستورد القرشي، عند عمرو ابن العاص :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس»، فقال له عمرو أبصر ما تقول، قال: أقول ما سمعت
من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لئن قلت ذلك إن فيهم الخصالاً أربعاً :
إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم
المسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة وجميلة وأمنعهم من ظلم الملوك. (رواه مسلم).
فيه بيان علامة من علامات يوم القيامة، وهي كثرة
الروم عن غيرهم، فلما سمع عمرو هذا الحديث من المستورد قال له: «أبصر ما تقول»: أي: تأكد مما تقول فلما أكد له أنه سمعه من
النبي صلى الله عليه وسلم، علل عمرو بن العاص سبب كثرتهم آخر الزمان بصفات منها
وأمنعهم من ظلم الملوك أي ملوكهم لا يظلمونهم، وهذه الخصلة استحسنها عمرو رضي الله
عنه..
قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ
لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود: 117) جاء في تفسير
البغوي لا يهلكهم بشركهم، وأهلها مصلحون فيما بينهم، يتعاطون الإنصاف ولا يظلم
بعضهم بعضاً، وإنما يهلكهم إذا تظالموا.
فما أحسن أن تستعيذ بالله عند خروجنا من بيوتنا،
أن تظلم أو تظلم كما جاء عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ما خرج النبي صلى الله
عليه وسلم من بيتي فقط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ
أَضَلَّ . أَضَلُ، أَوْ ازل أوْ أَول أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أَظْلَمُ، أَوْ أَجْهَلَ
أَوْ يُجْهَل عَلي» (رواه أبو داود).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل