العنوان أعظم مثال في حب الله ورسوله
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر الجمعة 02-مارس-2012
مشاهدات 118
نشر في العدد 1991
نشر في الصفحة 58
الجمعة 02-مارس-2012
إذا رأيتهم رأيت الخير مجسداً فيهم وامتلات نفسك بالإجلال والتقدير والحب لهم، أنهم من طراز فريد ونوع راق قل إن يوجد مثله في الدنيا، طراز حكى الله تعالى لنا عنه في كتابه الكريم ليكون لنا مثلا وأسوة.
فإذا تحدثت عن الإيمان وحدتهم إليه من السابقين وإذا ذكرت التضحية والغداء كان لهم منها التنسيب الأوضى، وإن أشير إلى الإيثار علم هنات حيث يقيمون فإنه غايتهم ومطالبهم، وحلتهم ومسلكهم سفرت الدنيا في أمهم فيتلوها رخيصة وقد ملكرها عام يمرهم زخرفها أو يفتهم بريقها وهم يأخذون منها زادهم إلى الله عز وجل، ولم ينشغلوا بها وينصرفوا عن الغاية العظيمة التي عاشوا من أجل تحقيقها وماتوا في سبيلها، وقد ضربوا لنا أعظم مثال في صدق المحبة وتمام الاتباع لله تعالى ورسوله فكانوا خير صحب لخير نبي وكفي بها منحة لهم.
مدحهم الله تعالى في قرآنه الخالد فتتردد الآيات على صفحات ألسنتنا وتتلى على مسامع قلوبنا ليل نهار بمدحهم. وذكر فضلهم والترضي عنهم، فلقد شروا أنفسهم وباعوها الله عز وجل، وقبل الله بيعهم وكان ربحهم فيها وافرًا عظيما.. مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وكانت لهم البشارة الخالدة.. (إن الله اشترى من أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) (التوبة : ١١١)
إنهم أنصار رسول الله ﷺ من أهل المدينة الصدر الحاني الذي فتح ذراعيه لنبي الله وللمهاجرين أصحابه، وهم الحضن الدافئ الذي استدفا به وسط صقيع التكذيب حين جافاه قومه وأخرجوه. وهم القلب البار الكبير الذي كان عوضا له عن عقوق المشركين من أهل مكة والطائف وغيرهم ممن كذبوه وآذوه، وقد سماهم الله تعالى بهذا الاسم الأنصار، الذي يوحي بالنصرة، ويدل على بذل القوة في نصرة الحق وأهله، وخلد ذكرهم في كتابه الكريم إلى أن يرث الأرض ومن عليها، ورضي عنهم وأرضاهم، فقال: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَان رضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تحتها الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 100). قيل لأنس بن مالك مرة: أرأيت قول الناس لكم: الأنصار، اسم سماكم الله به أم كنتم تدعون به في الجاهلية؟ قال: بل اسم سمانا الله به في القرآن.
لقد ربح والله بيعهم
وقد ضرب لنا الأنصار أعظم مثال في حب الله تعالى ورسوله، فحين بايعوه بيعة العقبة الثانية على أن ينصروه إذا قدم إليهم. ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، قال لهم أسعد بن زرارة رويدا يا أهل يثرب، إنا لم تضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن تعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم وأن يعضكم السيف فإما أنتم قوم تصبرون عليها إذا مستكم، وعلى قتل خياركم ومفارقة العرب كافة، فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو عذر عند الله عز وجل.
فقالوا :
يا أسعد أمط عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها، قال (جابر بن عبد الله الأنصاري) فقمنا إليه رجلاً رجلاً، فأخذ علينا ليعطينا بذلك الجنة (رواه الحاكم).
وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: اشترط لربي أن تعيدوه ولا تشركوا به شيئا، واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: «الجنة»، قالوا: ربح البيع لا تقيل ولا تستقيل.
فنزل قول الله تعالى: (وإن الله اشترى منَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بأن لهم الجنة). قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم والله فأغلى ثمنهم.
هم أهل الإيثار والكرم
ومن أعظم صفات الأنصار وما تميزوا به من جميل الأخلاق خلق الإيثار وحب الإخوان من المهاجرين وصفاء النفس ونقاء السريرة. وقد وصفهم الله تعالى في القرآن الكريم بذلك فقال: (وَالَّذِينَ تَبَوْءُوا الدَّارَ وَالإِيمَان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: 9).
وعن أنس رضى الله عنه قال: قال المهاجرون يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بدلا في كثير، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: ولا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم (رواه أحمد).
وعن أبي هريرة قال: قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: «لاء. قالوا: أتكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا. (البخاري) وأخرج البخاري عن أنس قال: دعا النبي ﷺ الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين، قالوا: لا، إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها .
مؤاخاة فريدة.. وأخوة نادرة
من أهم صفات الأنصار الإيثار وحب إخوانهم المهاجرين وصفاء النفس ونقاء السريرة
المهاجرون الأنصار كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله
أن تسكن في بيتك فيأتيك ضيف فتكرمه ثلاثة أيام ثم يغادر، أو يزورك غريب فتاويه ليالي ثم يرحل، أو يمر عليك مسافر فتضيفه وقتا ثم يطعن، لهو أمر مقبول عادة وعرفا، وإنه لمن مكارم الأخلاق التي تميز بها العرب..
أما أن يأتيك من يهاجر إليك من لا تعرفه، ويعيش معك لوقت غير محدد وتؤاخيه فيشاطرك مالك ومسكنك بل ووقتك ومطعمك حيا وميتا، فتقابل هذا كله بسعادة وفرح ورضا وطيب نفس: فهذا أمر يدعو للعجب وينبئ عن نفاسة معدنك وأصالته وحبك لمن هو أغلى من هذا المال وأعلى من ذاك الذهب.. وهذا ما كان من الأنصار حين استقبلوا إخوانهم من المهاجرين وأووهم حيا لله ورسوله فصاروا بنعمة الله إخوانا.
وقد شرع رسول الله ﷺ نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وقد شمل ذلك خمسة وأربعين من الأنصار، وترتبت على هذا النظام حقوق خاصة بين المتآخين:
كالمواساة في مواجهة أعباء الحياة والتوارث بينهما دون ذوي الأرحام، وتصور بعض المرويات الصحيحة عمق التزام الأنصار نظام المؤاخاة ومدى حرصهم على تنفيذه كما تصور مدى أنفة وكرم أخلاق المهاجرين وامتناعهم عن استغلال إخوانهم، واستمر العمل بنظام المؤاخاة إلى ما بعد غزوة بدر» الكبرى حيث ألف المهاجرون جو المدينة وعرفوا مسالك الرزق فيها، ووثقوا علاقتهم بإخوانهم المسلمين من الأنصار وغيرهم، وأصابوا من غنائم معركة بدر الكبرى ما كفاهم، ولذلك فقد ألغي التوارث في نظام المؤاخاة، وعاد إلى وضعه القائم على أساس صلة الرحم.
إنها أخوة نادرة يتقاسم الأنصاري فيها ما يملك مع أخيه المهاجر بحب وإيثار عجيب وهو الذي لا تربطه به قرابة أو معرفة حميمة سابقة، ويقابل هذا الإيثار العجيب من الأنصار ما هو أعجب منه حيث عفة نفس وغنى وقناعة من المهاجرين، فها هو سعد بن الربيع يقول العبد الرحمن بن عوف ، إني أكثر الأنصار مالا ، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك قسمها لي اطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها .
قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟. (رواه البخاري) .. فيا لهم من رجال بمثل هؤلاء وهؤلاء قامت دولة الإسلام، وبمثلهم تخطى المسلمون فيا لهم من رجال بمثل هؤلاء وهؤلاء قامت دولة الإسلام، وبمثلهم تخطى المسلمون المهاجرون حينها أزمتهم الاقتصادية دون أن يمدوا أيديهم لأعدائهم من مشركي مكة عطفا واستجداء، ويمثل هذه الأخلاق يحصل التعالي والانتصار على عامل من أكبر عوامل الاستعمار حين ينخر في جسد الشعوب، ألا وهو الجوع والحاجة والفقر، ويمثل المهاجرين والأنصار انتشر الإسلام فدخل الناس في دين الله أفواجا .. الا ما أشد حاجتنا إلى إحياء روح هذه الأخوة الحقيقية، أخوة الدين التي ذكرها الله تعالى وأكدها في كتابه فقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخوة) (الحجرات: ١٠).
وما أشد حاجتنا إلى التخلق بأخلاق إخواننا من المهاجرين والأنصار، لا سيما في هذه الأيام التي تسمع فيها عن انتهاك الحقوق والعبث بالأرواح فأينما يممنا وجوهنا رأينا الدماء تسيل بلا رحمة، فيضرب الأخ أخاه ويؤذيه بل ويقتله دونما ذنب إلا أن يطالب بحقه لا غير. كما أن هناك أيضا من يأكل مال غيره ظلما ويقتني على حسابه، ومنهم من يقطع صلته عن أخيه الفقير، أو يعطيه ويمن عليه بالعطاء، وهناك من يشبع ملء بطنه وإخوانه من حوله يتضورون جوعا فلا يهتز له طرف وفي المقابل يوجد من يتدنى بنفسه ويذهب بعزتها وعفتها ويريق ماء وجهه فيطمع في العطاء دائما ويتطلع إليه ويتشوق، بل ويتسول ويمد يده لإخوانه وأصحابه رغبة في الزيادة، ولا يعمل ويكد ليعف نفسه عن دل السؤال، ويسأل الناس عند الحاجة وغير الحاجة، دائما يده هي اليد السفلى فلا يشبع ولا يشكر ولا يستغني أين هذا كله من إيثار الأنصار وعفة المهاجرين؟ ! ومن مفاخر الأنصار ومناقبهم ما أخرجه الحاكم عن أنس بن مالك قال: «افتخر الحيان من الأنصار الأوس والخزرج، فقالت الأوس منا من اهتز لموته عرش الرحمن سعد بن معاذ، ومنا من حمته الدبر عاصم بن ثابت (أبي) الأقلح، ومنا من غسلته الملائكة حنظلة بن الراهب، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت، وقال الخزرجيون منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد، فرضي الله عن أنصار رسول الله ﷺ وأرضاهم وجمعنا بهم في جنات النعيم.
المصادر:
١- تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير.
2- موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، ج 1، ص ٣٦٧
3- دراسة في السيرة، د. عماد الدين خليل ص ۱۲۷.
4- منتقى حياة الصحابة، الشيخ الكاندهلوي، ص ۱۱۲.
5- موقع الدرر السنية (الموسوعة الحديثية).
6- موقع المحدث.
7- موقع الإسلام دوت كوم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل