العنوان أعداء المسلم (الجزء الثالث)
الكاتب صالح الراشد
تاريخ النشر الخميس 01-يونيو-1978
مشاهدات 86
نشر في العدد 398
نشر في الصفحة 24
الخميس 01-يونيو-1978
وقفنا فيما سبق بيانه على أن هناك أعداء للمسلم ناصبوه العداء المحض ولا رجاء منهم أبدًا إلا بالحيطة والحذر وأخذ العدة ومقاومة باطلهم معنويًا وماديًا، قال تعالى:- ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ (الأنفال: 60).
وهناك نوع آخر من الأعداء يقاوم لكونه حاملًا أعمال العداوة فاتصف بها لكنه يرجى منه الأوبة والإنابة والصفاء بعد الشقاء وهذا ما تسرده القائمة الثانية التي ذكرناها في الجزء الأول من حدثينا عن أعداء المسلم.
القائمة الثانية وهي ذات العداء غير المحض وتحوي:
1- النفس.
2- العصاة.
3- الأموال.
4- الوالدان والإخوة.
5- الأهل والأولاد.
6- التأويل الخاطئ للإسلام.
ونقتضب القول في تفصيل ما تحويه هذه القائمة محاولة في أن يكون المسلم ذا عزيمة تسيطر على جميع ما يصده عن الله والدعوة إليه سبحانه وعليه نوضح ما ذكرناه:
1- النفس: بعيدًا عن تصورات الفلاسفة، وعلماء النفس لما تعنيه كلمة النفس فإنه يمكن إدراك أي معنى لما يقوم به من وظيفة، ونفس الإنسان هي حواسه الفكرية والشعورية التي تتطلب منه الدعة والراحة التي تكون ذاته بأشكال مختلفة تناسب أوضاعه وظروفه، وعلى الإنسان أن ينهض بنفسه إلى مراقب الخير والجد متمثلاً قول الشاعر:
قد رشحوك لأمر لو فطنت له***فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
واعتمادًا على الفهم السابق تعد النفس من أعتى أعداء الجبهة الداخلية للإنسان تدعوه للإسفاف والتراخي والتقاعس إذا ما تركها في غيها ولهوها وقد صور الشاعر هذا المعنى بقوله:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على***حب الرضاع وأن تفطمه ينفطم
وأمثلة طبيعة النفس كثيرة فكونها داعية شخصها إلى التعالي والتكبر نرى صورة ذلك في جبلة بن الأيهم، فقد كان يطوف حول الكعبة وحدث أن داس إزاره رجل من العامة في زحمة الطواف فسقط الإزار شيئًا فالتفت إليه ولكمه على أنفه فتأذى الرجل وشكاه إلى عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فاستدعاه عمر وطلب منه الاقتصاص فحاول التعذر إذ كيف يساويه أمير المؤمنين برجل من العامة رجل من السادة الكبراء فرد عليه عمر- رضي الله عنه- أن الإسلام قد سوى بينهما فطلب التمهل إلى الغد وفي الليل فر بنفسه وأهله متبعًا هواه إذ غرته نفسه في أن يقف مع رجل من عامة المسلمين.
ولعل جبلة رجل حديث إسلام لكننا إذا رأينا أن النفس تدعو رجلاً من السابقين في الإسلام إلى خصلة جاهلية ندرك أثرها البالغ الهبوط بصاحبها من ذلك ما جاء وهو في الصحيح من قول أبي ذر- رضي الله عنه- ساببت وجد فعيرته بأمه، فقال لي النبي- صلى الله عليه وسلم- یا أبا در أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية... الحديث، أي فيك صفة من صفات الجاهلية ولإرجاع النفس إلى الرضا والصفاء ذكر القرآن الكريم أنواع الطبع الذي تكون عليه فهي أمارة بالسوء كما حدث لامرأة العزيز، قال سبحانه على لسانها- ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ (يوسف: 53)، وقد تكون لوامة وهي التي تلوم صاحبها وقد أكد القسم بها سبحانه فقال:﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ (القيامة: 2) الآية والنفس التي تبلغ درجة الخير تلك وصفها سبحانه بالمطمئنة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴾ (الفجر: 27).
وكون النفس لوامة ومطمئنة لا يخالف كونها عناد لأمور الخير ذلك أن اللوم والاطمئنان مراتب ارتقتها النفس بعد مجاهدة وقسر لها عما تود وتريد، وأمر مجاهدة النفس معلوم الأهمية لما فيه من إلزام النفس الجادة والطريق المستقيم وفي قيام سيدنا الرسول- صلى الله عليه وسلم- الليل حتى تنفطر قدماه وفي اعتكافه العشر الأواخر من رمضان في ذلك تعليم لمجاهدة النفس، وضروري أن يفطن المسلم لنفسه ما دام الشيطان وهو العدو الأول اللدود يوسوس للنفس دون توقف أبدًا فقد سئل الحسن البصري: هل ينام الشيطان قال لو نام الشيطان لوجدنا راحة.
بمعنى أنه دائب الوسوسة، كما وقال أيضًا- رحمه الله- يفتح الشيطان للإنسان تسعًا وتسعين بابًا من الخير ليصل إلى باب واحد من الشر، وقول الحسن رحمه الله قول دقيق شبيه بالمثل- مستعظم النار من مستصغر الشرر- ومماثل لخزان ماء كبير فيه ثقب صغير بسببه يكون الخزان فارغًا، فهنا المهم أن يفتح الشيطان بابًا المهم أن يدخل نفس الإنسان لذلك فعلى المسلم أن يتنبه إلى فضيل الخلال وإلى طيب القول والسلوك مجانبًا السيئات قاصدًا سبيل الاستقامة ومنها توجيه الرسول- صلى الله عليه وسلم- استعن بالله ولا تعجز، فأنت أيها الإنسان ضعيف في نفسك عاجز عن تحقيق ما تريد إلا بتيسير الله لذلك فوض أمرك إلى الله وتوكل عليه وكفى به سبحانه وکيلاً.
إن في النفس أحاسيس بعيدة وأغوارًا عميقة فلا بد لها من النقاء من حمل ضغينة أو كراهية أو نية سوء أو مكروه، مما يوجب المراقبة التي تدعونا إلى التأمل وإبعاد النظر في قول أنس- رضي الله عنه- لمحدثيه، وهم من التابعين- إذ يقول- إنكم لتعملوا أعمالًا هي في أعينكم أدق من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله- من الموبقات- رواه البخاري، ومن تربية النفس بعد أخذها بحديث اتق الله حيثما كنت وصية الرسول- صلى الله عليه وسلم- لابن عباس- رضي الله عنه- بقوله- احفظ الله يحفظك.. إلخ، الحديث، من آداب تربيتها المحاسبة فالكيس من دان نفسه وعدم الفضول فمن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه والتواضع وحسن الخلق إلى آخر الأخلاق الإسلامية الحميدة.
3- العصاة: إن الإنسان اجتماعي بالطبع وهي قاعدة بشرية فالانطواء والعزلة وعدم الصحبة والتحدث للناس يعد من الأمراض الاجتماعية التي تصيب الفرد لأمور نفسية لذا وجب أن تكون الصحبة حسب السلوك الشرعي الذي يجعل المسلم واعيًا مستقيمًا ولا تكون كذلك إلا إذا ارتبطت بأهل الخير والصلاح، أما العصاة فهم شياطين إنس تشربت الذنوب في قلوبهم ومردوا على المخالفات الشرعية لذا جاء التوجيه القرآني بعدم صحبة هؤلاء وأتباعهم وأمر بلزوم أهل الخير.
قال جل وعلا، ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ (سورة الكهف: 28) الآية.
وبين القرآن الكريم ندم من يصاحب أهل الشر والفساد فنزلت الآية الكريمة في موقف أمية بن خلف من صاحبه الذي نهاه عن اتباع الرسول- صلى الله عليه وسلم- قال تعالى- ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ﴾ (الفرقان: 27-29).
وهكذا فإن العصاة طبعوا على السوء لذلك ليس من هدنة معهم من جانب المسلم الطائع ربه وإنما اتخاذ الموقف الجاد بالقول الحسن والحجة القاطعة والنهي عن السوء إذ إن من المضار التي تصيب أفراد الأمة أنهم لا يأمرون وينهون بعضهم فيما بينهم وقد ذم سبحانه يهود لموافقة أهل الطاعة أهل المعصية فيكونون مثلهم، قال سبحانه- ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ﴾ (المائدة: ٧٩)، وحسبنا ما قدمناه من كون العصاة من جملة الأعداء تؤخذ معهم الشدة بجانبها شيء من الرفق لا موافقة لهم ولكن رجاء أن يعودوا إلى جادة الصواب وهذا موقف يحفظ للمسلم شخصيته المتميزة واستقامته وسمته المعروف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل