; أعتبوا رمضان بالعمل الصالح... فما أقبح العمل المشين بعد العمل الرصين | مجلة المجتمع

العنوان أعتبوا رمضان بالعمل الصالح... فما أقبح العمل المشين بعد العمل الرصين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1998

مشاهدات 2

نشر في العدد 1286

نشر في الصفحة 59

الثلاثاء 27-يناير-1998

تعال نؤمن ساعة


عبد الفتاح الجعلي

ما أجمل مدرسة الصيام وما أنفع التربية بالصوم، ليت المسلمين تربوا في هذه المدرسة حتى تخلص نياتهم لله تعالى فتكون سرائرهم خالصة وعلانياتهم صالحة، والمسلم يجد في الصوم ما لا يجده في غيره من الشعائر التعبدية، لذلك نجد كثيرًا من المسلمين يترددون على هذه المدرسة طوال العام فهم يصومون الثلاثة البيض من كل شهر كما أنهم يصومون الإثنين والخميس؛ لأن العمل فيهما يصعد إلى الله تعالى ويحبون أن يصعد عملهم وهم صائمون والمسلم يكثر من الصوم لأنه خير سبيل للتقوى وبالتقوى ينال معية الله ومحبته و﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: 128])، و﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾، من أجل ذلك كان ثناء الرسول على نبي الله داود حين قال: «أفضل الصيام صيام داود يصوم يومًا ويفطر يومًا، والمسلم في هذه الحياة الجاذبة بشهواتها والكالحة بحوادثها وفتنها التي تعصف بالمسلمين كل يوم، عليه ألا ينقطع عن الصوم أبدأ أو لا يغيب عنه كثيرًا. فبالصوم تطمئن نفسه ويسلس قيادها ويكبح جماحها وهذا هو عين الفلاح وقد أفلح من زكاها، وعلى المسلم أن يستبق الخيرات أينما كان وألا يفتر بعد رمضان، بل عليه مواصلة عمل الخير من تلاوة للقرآن وتهجد وصدقات وحفظ جوارح، لأنه لا يعلم متى يأتيه الأجل وليكن شعاره، اللهم اجعل خير عمري أخره وخير عملي خواتمه، والعمل الصالح بعد رمضان دليل على قبول صوم رمضان بإذن الله، لأن من علامة قبول العمل الصالح إتباعه بعمل صالح، وإنه لقبيح أن يأتي المسلم بعمل مشين بعد عمل رصين ويكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، إن هذا السلوك. نسأل الله المعافاة - دليل على الأمن من مكر ﴿ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (الأعراف: 99).

نسأل الله المداومة على فعل الخيرات وعمل الطاعات والثبات على الاستقامة حتى يتوفانا ونموت على ذلك.

نحو تطوير الذات

عدنان القاضي

متى يتأمل الإنسان نفسه يتحسس مواضع قدميه يستكشف المستقبل، يستوضح عن علاقاته الاجتماعية أقاربه وزملاء... الواقع أن طبيعة حياة الإنسان تتجه دومًا إلى التطور والنماء سواء كانت النتائج إجابية أو سلبية، وكلنا مطالب بتطوير نفسه رجالًا ونساء كي تستمر هذه النفس فاعلة، وهو ما يسمى بالتطوير الذاتي.. ويأتي التطوير كمطلب شرعي لا بد منه للإنسان لما يتميز به من خصائص وإمكانات لم تتوافر الأحد غيره من مخلوقات الله ، فقد منح السمع والبصر، والعقل والمواهب والملكات والقابلية للتطوير تعالى ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 78). وقال عز من قائل: ولمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر. فما أحوجنا لشغل أوقاتنا أو قل جلها بالتطوير والارتقاء بدلًا من الأماني والمطالبة. قيل الأثر من تعذر بقصر رمحه قيل له الإقدام يطيله. للتطوير الذاتي أساسيات لا بد منها قبل الانطلاق.

الأساس الأول: امتلاك الهمة العالية:

الدنيء يرضى بالدون، أما صاحب الهمة العالية فلا يحده شيء، ولا يقف مكتوف الأيدي امام عقبات الحياة ومنغصاتها بل يحدو في طريقه قول الشاعر:

بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

روي عن عمر بن الخطاب  أنه قال ولا تصغرن همتكم، فإني لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمم.

وقال أحمد شوقي: الطير يطير بجناحيه والمرء يطير بهمته.

وقال حافظ إبراهيم:

شمر وكافح في الحياة فهذه بنيان دار تناحر وكفاح

وانهل مع النهال من عذب الحيا فإذا رقـا فــامـتح مع المتاح

وإذا ألح عليك خطب لا تهن واضرب على الإلحاح بالإلحاح

ومما أثر عن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله. قوله لأحد أصحابه: «يا دكين إن لي نفسًا تواقة لم تزل تتوق إلى الإمارة فلما نلتها تاقت إلى الخلافة فلما نلتها تاقت إلى الجنة» علق ابن الجوزي: إن هممت فبادر، وإن عزمت فثابر، واعلم أنه لن ينال المفاخر من رضي بالصف الآخر.

ومما يؤثر عن الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله. قول رجل له يا أبا عبد الله أنت قد بلغت هذا المبلغ وأنت إمام المسلمين يعني وأنت معك المحبرة وتحملها فقال مع المحبرة إلى المقبرة، وورد عن عبد الله بن محمد البغوي قوله: سمعت أبا عبد الله يقول: أنا أطلب العلم إلى أن أدخل المقبره.


الأساس الثاني: الإدارة القوية:

فلا ارتقاء بلا إرادة، ولا صعود بلا فعالية نفس وتصبيرها، لأن التطوير عملية صعبة ينتقل الإنسان من شيء مألوف اعتاد عليه إلى شيء أفضل وأرقى لم يكن له به سابق عهد.

إرادة لا تعرف عقبات مستعصية، بل تتحرك وتبذل وتسعى للتذليل إرادة تكره القعود والياس والعدول عن القصد، وتأنف العيش بن الحفر في حين يعيش غيرها قمم الجبال.

قال الشاعر:

خلف الله الحروب رجالًا ورجالًا لقصعدة وثريد

ولا بن الجوزي تنبيه لأولئك الكسالى صغار النفوس:

عودوا إلى أوكار الكسل فنحن على نية الدخول في الفلاة، ثم يفصل يا حاضرين معنا عودوا إلى أوكال الكسل فالحرب طعن وضربه.

ويقول ابن فارس اللغوي رحمه الله:

إذا كان يؤذيك حرا المصيف ويبس الخريف وبرد الشتاء.

ويلهيك حسن زمان الربيع فاخذك للعلم قل لي متي

وزاد ابن الجوزي في معرض حديثة عن أهمية الإرادة لطالب العلم ولا يطمعن البطال في منازل الأبطال، أما من ترجى الأماني، وصاحب التواني، واستراح الراحة واستحلى الرفاهية، واستلذ المطاعم، واستجمل الملابس واستحب النوم الطويل وشغلته تقلبات الفصول عند الأخذ والتحصيل، فما أبعد العلم منه وما أنفره عنه.... لذلك من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة، وإن التهذيب حصيلة التعذيب، وكما قال ابن القيم الجوزية من لم يباشر حر الهجير في طلاب المجد لم يقل في ظلال الشرف.. ويخاطب كل منا نفسه بقول الشاعر:

تظنين إدراك المعالي رخيصة ولا بد دون الشهد من إبر النحل

إن الداعية بحاجة إلى إرادة قوية في كل مجال يعمل فيه، فليس الأمر مقتصرًا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل قوة الإرادة لا بد أن تنجز على العمل الوظيفي وأمور الأسرة والحياة بأسرها... فعندئذ يكون الداعية قد وضع قدمه الثانية نحو تطوير الذات.

عدنان القاضي


الرابط المختصر :