العنوان أطفال الانتفاضة شبوا عن الطوق
الكاتب محمود صالح
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1989
مشاهدات 67
نشر في العدد 924
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 11-يوليو-1989
ومن التغييرات البارزة في المجتمع الفلسطيني ما طرأ على
الأسرة الفلسطينية من تطورات إيجابية في حياة الأفراد وبالأخص الأطفال الذين أضفوا
روحًا جديدة في الأمة الإسلامية قاطبة، وأحيوا في قلبها الأمل واليقين بنصر الله،
فطردوا بذلك اليأس من النفوس، وأسقطوا مخططات العدو الرامية إلى تركيع هذه الأمة
من خلال طمس هوية الأجيال الناشئة.
·
أسرة الانتفاضة:
منذ ديسمبر ۱۹۸۷- بداية الانتفاضة المباركة- أخذت الأسرة
الفلسطينية- عمومًا- تعيش واقعًا جديدًا، يختلف كل الاختلاف عن حياتها قبل
الانتفاضة، حيث أصبحت الأسرة مهددة يوميًّا بخطر المداهمة والضرب والاعتقال، مما
وحد المصير المشترك أمام أفرادها، وأدى إلى وضوح الهدف والغاية، فأصبح الجميع على
قناعة راسخة أن الاحتلال لا بد أن ينتهي، والمشاركة الفاعلة في الانتفاضة المباركة
هي خطوة على درب الجهاد والتحرير، فأصبح الجميع يعيشون روح الجهاد وحب الاستشهاد
في سبيل الله، فغدت الأم والأب يفخران بالشهداء من أبنائهم، ويعتزون بمشاركتهم في
فعاليات الانتفاضة، وتلقائيًّا أصبح الأطفال يفخرون بتصديهم لقوات الاحتلال وقطعان
المستوطنين، وهذا ما أقره «جلين فرانكل» في مقاله الذي ترجمته إحدى الصحف المحلية
عن الواشنطن بوست الأمريكية، وقد انعكس هذا الوضع على أطفال فلسطين حيث يرى «جلين
فرانكل»- أن الانتفاضة الفلسطينية في جزء كبير منها بعد تسعة عشر شهرًا من تفجرها
حرب أطفال، فقد انضم الأطفال إلى الشبان في تفجيرها، ويساعد الأطفال على إبقائها
والمحافظة عليها.
ومن الطبيعي أن تتأثر الروابط الأسرية والضوابط المنزلية
بمثل هذا التغير، فالطفل الفلسطيني ينام على الانتفاضة ويصحو لها، ولا يحتاج إلى
الاستئذان من أبويه كي يشارك أصدقاءه في رمي الحجارة على قوات الاحتلال، ومن القصص
الظريفة التي يرويها القادمون من الأراضي المحتلة أن أحد الآباء سأل ابنه (12
عامًا) عند خروجه من المنزل للمشاركة في الانتفاضة، فكان رد الطفل أن طلب من والده
أن يعود إلى البيت ويشرب الشاي على شرفة المنزل، والطفل هنا يمارس دورًا رجوليًّا
لا يختلف فيه أحد، فهو مقدم على الجهاد بروح قوية، ومشفق على والده الكبير، فطلب
منه الراحة ومراقبة الوضع فقط ويذكر ديفيد دور في تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية نشر
في (8/6/٨٩) أنه مع مرور الوقت صار راشقو الحجارة أصغر سنًّا نتيجة الخسائر في
الأرواح، وحاليًا تتراوح أعمار هؤلاء الفتيان بين (8) أعوام و(12) عامًا، ويضيف أن
أعمار غالبية الشهداء تتراوح بين (۱۲) و(٢٥) عامًا، وهذا ما يظهر الدور الكبير الذي
يقوم به أطفال فلسطين في هذه الانتفاضة المباركة، التي جعلت الرأي العام العالمي
يقف وقفة إجلال وإكبار لهؤلاء الأطفال، إذ حققوا بحجارتهم ما عجزت عنه لأسلحة
العربية المكدسة.
·
مصطلحات جديدة:
وقد لوحظ أن الانتفاضة المباركة أدخلت بعض
المـصطلحات الجديدة على قاموس الطفولة في فلسطين المحتلة مثل «كبسية» و «المجموعة»
و «العملية» و «الرئيس» و «المراقب» و «الإنذار».. إلخ.
ويمكن تفسير المصطلحات السابقة من خلال الاستماع
لحديث طفل فلسطيني اسمه «محمد- 8 سنوات» من سكان مخيم قلنديا، نقلته وكالة الأنباء
الفرنسية ونشر في 15/5/ ٨٩ حيث يقول محمد:
«أنضم في الصباح إلى «المجموعة» ويذهب أحدنا لشراء
البنزين والكبريت في حين يباشر الآخرون البحث عن إطارات قديمة لإشعالها في حال
قيام تظاهر ، وإن لم تحصل تظاهرة قمنا بكبسيات و«الكبسية» تعني مهاجمة دورية أو
سيارات «إسرائيلية بالحجارة».
وتتضمن كل «مجموعة» ولدين يلعبان دورًا أهم من بقية
أفراد المجموعة وهما «المراقب» و «الرئيس»، وتعقد «المجموعة» قبل كل «عملية»
اجتماعًا تقرر فيه مكان الهجوم ومكان الحروب والاختباء بعد العملية وتعين من يمشي
في المقدمة والمؤخرة، وتعتمد التكتيك المناسب لكل عملية. يتضح مما سبق مدى التغير
الذي أحدثته الانتفاضة في نفسية هؤلاء الأطفال، وكيف أن لغتهم وحياتهم الطفولية
تغيرت ودخل عليها العديد من المصطلحات العسكرية والتنظيمية إذا صح التعبير، ويذكر
التقرير السابق أن هؤلاء الأطفال يجيدون استخدام المعجم السياسي ويعرفون بالتفصيل
أسماء جميع المنظمات الفلسطينية.
·
مفاهيم جيل التحرير:
لعبت الانتفاضة دورًا هامًّا في ترسيخ المفاهيم
الأساسية لجيل الجهاد والتحرير، وساهمت الممارسة العملية الدور الأكبر في ذلك،
فأصبح الطفل الفلسطيني يقدم على الجهاد بثقة وشجاعة، ويحب الموت في سبيل الله،
ويتطلع إلى جنات النعيم ومنازل الشهداء، فانتقلت هذه الروح إلى الشعب الفلسطيني
الذي أصبح يفتخر بشهدائه، فأخذوا يتفاخرون بكثرة الشهداء في بلد معين، ويكتسب هذا
البلد احترامًا أكثر لهذا السبب والأم الفلسطينية تصدح بالزغاريد عندما تسمع نبأ
استشهاد أولادها فأصبح الشعب يعيش واقع الجهاد، ويطرب لأنباء الشهادة. ومن
المفاهيم التي تأصلت- أيضًا- أن اليهود أعداء الله ولا تأخذهم في المؤمنين رأفة
ولا شفقة وأنهم كما قال الله عنهم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً
لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ﴾ (المائدة:82) وبالتالي
فلا جدوى من مهادنتهم والتفاوض معهم والأولى جهادهم والوقوف صفًّا واحدًا أمام
صلفهم وتبجحهم.
·
وداعًا للطفولة!!
بناء على كل ما سبق ذكره، فقد ودع أطفال فلسطين
أحلامهم، وطفولتهم البريئة، ليواكبوا فعاليات الانتفاضة المباركة، ويعيشون الجهاد
الذي يخوضه الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال، فاستغل هؤلاء الأطفال إيقاف المدارس
وتعطيل عملية التعليم بالعمل ليسددوا جزءًا من العجز الاقتصادي الذي تتعرض له
أسرهم، وليشتروا بما تبقى معهم من مال أعواد ثقاب وبنزين وقماش لصنع الأعلام! إنهم
جيل شب على الطوق، جيل لا يفكر بما يفكر به عموم الأطفال في العالم فهموا طبيعة
قضيتهم والظروف التي تمر بها فصرحوا أنهم «سيشترون السكاكر والبوظة بعد أن تصبح
فلسطين حرة» «تقرير وكالة الأنباء الفرنسية 15/5/89».
·
وقفة!؟
إن هذا الجيل يجعلنا نعتز به، ونستصغر أنفسنا
أمامهم، لكن لا بد أن نعمل جميعًا على إعادة هؤلاء الفتية إلى أوضاعهم الطبيعية،
إلى مقاعد الدراسة التي عطلها الاحتلال إلى أحلام الطفولة، إذ أصبحوا لا يرون سوى
مناظر الانتفاضة اليومية تتكرر أثناء نومهم.
إن العالم أجمع مسؤول عن ضمور مشاعر الطفولة في نفوسهم،
ومدعو للوقوف إيجابيًّا أمام صلف جنود الاحتلال وتسلطهم، وغياب كل أنواع المشاعر
الإنسانية من قلوبهم تجاه هؤلاء الأطفال.
ولن يغفر التاريخ للمتخاذلين عن نصرة هؤلاء الأطفال
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيز ذُو ٱنتِقَامٖ﴾ (إبراهيم:47).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل