العنوان أطفالنا.. ضحايا «الدبلجة» والإنتاج المستورد
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر الجمعة 17-سبتمبر-2004
مشاهدات 67
نشر في العدد 1618
نشر في الصفحة 60
الجمعة 17-سبتمبر-2004
حقوق الطفل الأخلاقية لا تنفصل بحال عن حقوقه الاتصالية
الثقافة الإلكترونية لا يملؤها إلا المحتوى الثقافي الصادر عن الكلمة والكتاب
ما زال الحاسوب في أيدي أطفالنا سلعة مسلية وليس وسيلة ثقافية
لم تعد ثقافة الأطفال واجبًا تربويًا ولا حقًا إعلاميًا فحسب، بل غدت رسالة حضارية يجب أن تقوم بناءً على أسس واضحة، واستراتيجيات مستقبلية.. لأنها زراعة في حقول الحصاد البعيد.. وهي الرسالة البنائية لأمتنا في عصر التفكيك والتذويب والهيمنة وصراع الثقافات.
ومع الأستاذ الدكتور محمود حسن إسماعيل، أستاذ الإعلام وثقافة الطفل بمعهد الدراسات العليا للطفولة بجامعة عين شمس.. كان حوار المتابعة والرصد والتحليل:
• على المستويين العالمي والعربي.. ألا تلاحظون أن هناك العديد من الجهات والهيئات التي تتسابق على استلاب أطفالنا ثقافيًا؟
o ما أكثر الجهات العاملة في مجال تثقيف الأطفال، «وكل يدعي وصلًا بليلى».. كما يقولون.. فهناك اليونيسيف، وهي منظمة الأمم المتحدة للطفولة بكل ما لها من أنشطة واسعة النطاق الخدمة الطفولة والأمومة من سقف عالمي.. قد لا يخدم أطفالنا بالقدر المطلوب.
o وإذا علمنا أن 36% من سكان العالم تقل أعمارهم عن 15 سنة علمنا خطورة هذا القطاع الحيوي الذي نعمل فيه وله.. وعلى المستوى العربي هناك المجلس العربي للطفولة والأمومة.. وهو منظمة تطوعية غير حكومية.. تسعى لبناء شخصية الطفل وتأكيد هويته وأصالته العربية وقيمه الإسلامية.. ولكننا نلاحظ من خلال رصدنا لأنشطة هذا المجلس الفاعل.. أن تركيزه على البعد القومي طغى بشدة على كل المقولات والمفردات الإسلامية التي تراها ضرورية لتأكيد الرؤية التنموية الشاملة للأطفال... وعلى المستوى المحلي هناك «المركز القومي لثقافة الطفل» و«المجلس القومي للطفولة والأمومة»، و«المركز متعدد الوظائف لتنمية الطفولة المبكرة»، و«مكتبات الأطفال» التابعة الجمعية الرعاية المتكاملة بكل فروعها في معظم محافظات مصر.. ولكن معظم هذه الجهات تقدم لأطفالنا ما يتأتى لا ما ينبغي.
ذلك لأن معظم هذه الهيئات تكاد تتشابه أنشطتها إلى درجة التناسخ.. رغم أن بعضها لديه إمكانات وكفاءات وخبرات تمكنها من سد الهوة الواسعة بيننا وبين غيرنا من الدول في إعداد أطفالنا ثقافيًا لحياة مستقبلية لا تتوقف عن أحد.
• ينادي البعض بعدم حجب أي نوع من المعلومات أو الأفكار عن الأطفال بدعوى عدم ملاءمتها للقيم والتقاليد.. إلى أي مدى يمكن اعتماد هذا الطرح علميًا؟
o الغرض الأساسي من كل وسائط وأساليب الاتصال مع الأطفال، هو توفير قدر مضمون ومناسب لثقافتهم واحتياجاتهم، وفي هذا الصدد لا يجب أن يقدم للأطفال إلا المضمون الذي ينمي لديهم قيمًا وتقاليد مجتمعية.. وعلينا أن نعلم أن رعاية الأطفال وتثقيفهم مسألة قانونية في المقام الأول.. نظرًا لتكوين الأطفال الجسمي والنفسي الذي يستوجب رعاية وحماية خاصة.. قبل الولادة وبعدها.. فكيف يفصل علماء التربية والتثقيف والإعلام والاتصال بين حقوقه الاتصالية.. وحقوقه الأخلاقية؟ ولدينا قواعدنا الأصولية ومفادها «الضرر يزال».. و«الضرر الأكبر يدفع بارتكاب الضرر الأصغر»... والاتصال مع الأطفال لا يتوقف عند ما يسعدهم ويمتعهم فحسب.. بل لابد أن نقدم لهم - مع ما يمتعهم - ما ينفعهم ويرفعهم.. ومن ثم فالخصوصية الثقافية خط أحمر في ثقافة الأطفال.
ثقافة الموضة والاستهلاك
• لعل هناك قصورًا كميًا ونوعيًا فيما يتعلق بكتب الأطفال في منطقتنا العربية بصورة لافتة للنظر؟!
o النظرة الرقمية لكتب الطفل في بلادنا تبعث على الخجل، فعلى الرغم من ندرة الإحصاءات وعدم حداثتها.. إلا أننا يمكن أن نلاحظ أن في عام 1990م تم طرح «842000» عنوان لكتب الأطفال، كان نصيب الدول المتقدمة منها «600000» عنوان والدول النامية 242000 عنوان.. وكان عدد العناوين لكل مليون نسمة من السكان في الدول المتقدمة «491»، وفي الدول النامية «59» أما في الدول العربية فقد بلغ «29» فقط وفيما قدمت مصر عام 1994م «26» كتابًا للأطفال، قدمت السويد «1080» كتابًا للأطفال وإسبانيا «3619» كتابًا وفرنسا «2042».
وهذه الأرقام تضع أيدينا على الهوة السحيقة بيننا وبين غيرنا في مجال ثقافة الأطفال.
وعلى المستوى النوعي، وبنظرة سريعة إلى كتب الأطفال الموجودة في الأسواق العربية نضع أيدينا على ظواهر ثلاث:
أولاها: إن الكتب ذات المضمون الجيد، والمتلائم مع ثقافتنا لا تقدم بشكل جذاب يتماشى مع رغبات الأطفال، والكتب الجذابة للأطفال، ذات مضمون بعيد كل البعد عن واقعنا وقيم مجتمعاتنا.
ثانيتها: ابتعاد كتب الأطفال عن أهم مجالين يؤسسان لتنمية وتربية وتقدم الأمم وهما التراث والعلوم.
ثالثتها: كثرة الكتب التي يغلب عليها الطابع التجاري والاستهلاكي.. والتي تجعله سلعة تتبع الموضة.. والشيء نفسه ينطبق على أفلام الأطفال وشخصياتها ومضامينها.
• لا شك أن وراء هذا التباين الهائل بيننا وبين غيرنا أسباب كثيرة.. برأيكم ما أهمها؟
o بالقطع تأتي الأمية في المقام الأول.. ولا أعني بالأمية عدم القدرة على القراءة والكتابة فقط، وإنما أعني الأمية الحضارية بمعناها الأشمل والأوسع، إلى ما سبق ثاني الإمكانات الاقتصادية، خاصة في الأوراق وأدوات الطباعة وقلة الوعي بأهمية الكتاب في حياة الطفل وعدم وجود دور النشر المؤهلة والمتخصصة في نشر وتوزيع كتب الأطفال.. وإذا تنافس الرغيف والكلمة... فالجولة يحسمها الرغيف لا شك.
• وهل ينسحب هذا المشكل على مجلات الأطفال؟
o نعم.. شكلًا وكمًا ومضمونًا.. حيث تشير الإحصاءات إلى قلة بل ندرة المجلات المتخصصة للأطفال في الوطن العربي، وبالنسبة للمضمون المقدم للطفل في هذه المحلات فقد أشارت الدراسات الخاصة بتحليل مضمون تلك المجلات إلى طغيان المادة المترجمة عليه، وعدم مراعاة خصائص النمو والاحتياجات الخاصة بكل مرحلة.
• ولعل المتتبع لبرامج الأطفال في الإذاعة والتلفاز.. يضع يديه على مثل هذه الثغرات أيضًا؟
o الإنتاج المحلي لدينا بخصوص الأطفال لا يزال ساذجًا ومازال مستواه دون المطلوب إعدادًا وتقديمًا وإخراجًا.. ولا يلبي أكثر من 10% من برامج الأطفال، ويرجع ذلك إلى جملة الأسباب السابقة بشأن الإنتاج الخاص بالأطفال والاعتماد على «الدبلجة» و«الترجمة»، بكل ما تحمله المضامين الأجنبية من خطورة.
ونفس الأمر نجده في سينما الأطفال، حيث أشارت البحوث إلى أنه منذ عام 1957م وحتى عام 1990م لم يتم في الوطن العربي بكامله سوى تقديم 54 فيلمًا للأطفال.. وهذا الرقم يحمل إشارة في غاية الخطورة وهي أننا نضع أطفالنا عمدًا أسرى الفيلم الأجنبي.. الذي تتحقق من خلاله أسوأ عمليات الاختراق والتبعية.
وتنسحب هذه المشكلة أيضًا على مسرح الطفل الضامر كما ونوعًا وجمهورًا.. مما سبق يتبين أننا بصدد فجوة واسعة تمثل فوهة الأزمة التي تحيق وتحيط بالتنشئة الثقافية لأطفالنا.
• لعل هذا هو السبب في لجوء الآباء والمربين إلى التعويض الثقافي عن طريق الأقراص المدمجة، والـ CD؟
o الكتاب هو الغذاء الثقافي الطبيعي للطفل، والثقافة الإلكترونية لا يملؤها إلا المحتوى الثقافي الصادر عن الكتاب والكلمة مهما كانت جاذبية هذا الوسيط الحديث.. لذلك تغلب استخدامات الكمبيوتر لدى أطفالنا - كما تشير الدراسات المتخصصة - كلعبة أكثر منه وسيلة تثقيف.
أين الخلل؟
• بعد هذا الحصاد المؤلم والخطير في عالم ثقافة الأطفال.. ترى أين يكمن الخلل الرئيس.. إلى ما سبق من أسباب و مشكلات؟
o يكمن الخلل الأساسي في نظرتنا للربحية الناتجة من ثقافة الأطفال.. فثقافة الأطفال ليست عملًا تجاريًا آنيًا.. وإن كانت بهذا المفهوم ذات ربحية عالية إذا توافرت لها أسباب النجاح.. إنما الربحية الأساسية والتي يجب المراهنة عليها في الربحية المستقبلية.. وصدق من قال:
ربوا على الأخلاق فتيان الحمى *** تجدونهم كهف الحقوق كهولا
لذلك.. فغياب الاستراتيجية التربوية البنائية لدينا، وتناقض أدوارها وتداخل وظائفها أحد أهم هذه الأسباب، ويكفينا خجلًا أن 98% من نسبة الأميين في العالم تنتمي إلى عالمنا الثالث.. كما أن المسؤولين لدينا يجب أن يدركوا خطورة ارتمائنا في أحضان التبعية الثقافية وترك أطفالنا ضحايا الوعي الزائف بكل ما يمثله من خطر على مستقبل هذه الدول التي لا تنظر حتى إلى مواطن أقدامها.. فهل ارتضينا أن نترك أطفالنا لواقع لا يعرفونه ومستقبل لا يدركون وسائل مواجهته.. لنتابع معهم بقية مشاهد المأساة؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل