العنوان أضواء كاشفة لمخططات التغريب والغزو الثقافي
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1987
مشاهدات 62
نشر في العدد 819
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 26-مايو-1987
مدخل إلى القسم الثاني:
• مؤتمرات المستشرقين النصارى تهدف لاحتواء الفكر الإسلامي والتاريخ الإسلامي
إن أخطر ما يتحدى المثقف المسلم في هذا العصر هو النظرة الجزئية أو الرؤية المحدودة، التي تعطي عند حدث من الأحداث أو خبر من الأخبار تنظر إليه وتحاول أن تحلله أو تحكم عليه دون أن تبحث عن خلفياته أو أبعاده أو أرضيته، ومن هنا تكون تلك النظرة ناقصة أو جزئية أو غائمة، وليس كذلك يفعل الناصحون الذين رباهم القرآن وعلمهم الإسلام، وإنما تكون النظرة فاحصة ويكون الحكم سليمًا إذا استوفى شرائط التقدير والبحث عندما يتصل بالحدث أو الخبر أو الموقف مما سبق في الزمن ومما جزى وأوشك أن يغيب وراء الأفق؛ ذلك لأن الأمور لا تجري منفصلة عن سوابقها ولواحقها، خاصة فيما يتعلق بتحديات الغزو الفكري والتغربة.
وهذه أضواء كاشفة وخيوط عامة معروفة لنا جميعًا، ولكننا ننظر إليها مع الأسف مفرقة وموزعة، ولا يستحضرها عند النظر أو البحث في حادث ما أو خير ما أو موقف ما، ولذلك يفقد الأمر خطره، ولقد عرف خصومنا فينا هذه النظرية الجزئية فباعدوا بين الأحداث اعتبارًا على أننا لن نربطها ببعضها البعض، أو ننظر إليها نظرة كلية:
هذه الجزئيات المبعثرة للنظر السريع هي في حقيقتها عناصر كاملة لخطة عامة وخطيرة، فلننظر:
أولًا: ثلاث قوی:
هناك ثلاث قوى لها أثرها البعيد في أزمة المسلمين: التعليم، الثقافة، الصحافة.
وما تزال مؤسسات التبشير والاستشراق تعمل من خلالها، وهناك خطة واضحة للغزو الفكري وخطة للتغريب وخطة للشعوبية.
وهناك أساليب متعددة لإثارة الشبهات حول: القوى الأساسية «الإسلام، القرآن، الرسول، تاريخ الإسلام، اللغة العربية»، وهناك دعوة إلى إخراج المسلمين ذاتيتهم باسم المعاصرة ودعوة إلى إخراج المسلمين من قيمهم باسم التحرر، فيجب ألا تخدعنا الأسماء البراقة فنسلم بكل ما تقول لأن فيما تقول زيف كثير وحق قليل، ويجب أن لا نخاف عبارات الرجعية والجحود والتخلف فإنها كلمات فقدت معانيها وهي تطلق دائمًا على أهل الأصالة والحق.
علينا ألا تخدعنا الأسماء البراقة لأنها ليست أصيلة ولا نصد عن الأسماء الزائفة؛ لأن الدعوة المدعاة لها ليست صحيحة. نحن طلاب «أصالة» تكون منا بمثابة «الإطار الثابت» والحجاب الحاجز نتحرك من داخله إلى المعاصرة والتقدم والتحرر.
إن قيمنا القرآنية الإسلامية الربانية هي الأعمدة الثابتة التي يقوم عليها البناء «ثبات في الأساس وحركة من فوقه أو من حوله» ثبات في القطب وحركة كحركة الأرض حول محورها.
إن كل المؤامرات قد أثبتت حقيقة واحدة: أن الإسلام هو الهدف الذي تعمل القوى الخفية لضربه.
«الصهيونية والماسونية والماركسية والليبرالية».
الهدف: هو أن يظل الإسلام بعيدًا عن دائرة العمل والتنفيذ، وأن لا يمتلك المسلمون إرادتهم القادرة على الانتقال من الدائرة الضيقة التي حبسهم فيها الغزو الثقافي والتغريب إلى الدائرة المرنة التي أنشأها لهم الإسلام.
إن هدفنا اليوم هو تحطيم هذه الدائرة الضيقة، والتماس دائرتنا ومنهاجنا ومصادرنا ومنابعنا الثرية الخالدة.
والأمل هو أن يعرف المسلمون أنه ليس ثمة طريق آخر لقد جربوا مختلف الأساليب والسبل والمناهج التي راوحت بينهم وبين الفكر الغربي والفكر الماركسي، ودخلوا البوتقة وفشلت التجربة وتأكد لهم بعد سبعين عامًا وهم تائهون بين الشرق والغرب، حائرون بين الأيديولوجيات الوافدة- أنه لا سبيل لهم غير منهجهم الأصيل، لقد عجزت هذه المذاهب والمناهج جميعًا أن تعطيهم التقدم أو التحرر أو النهوض أو امتلاك الإرادة وأعطتهم بدلًا من ذلك: الهزيمة والنكسة والنكبة.
وعرضتهم للفناء، ومن ثم تبينوا أنه ليس غير الإسلام سبيلًا ونصيرًا ونورًا.
ثانيًا: هذه الحقائق:
إن بين أيدينا حقائق مطبقة يجب أن تكون موضع النظر والتقدير؛ أول هذه الحقائق ما أعلن منذ وقت قصير عن «إلغاء الاستشراق» فقد اجتمع المستشرقون في مؤتمرهم السنوي بعد أكثر من سبعين عامًا ليعلنوا أنهم ألغوا الاستشراق، وأن الاجتماعات القادمة ستكون تحت اسم «مؤتمر العلوم الإنسانية».
ومعنى هذا «نظر أصحاب اليقظة أن الاستشراق يغير جلده، كما سبق أن غير «التبشير» جلده، والهدف واحد، وأن الأساليب تتغير مع الأزمنة والظروف، وإذا كانت سمعة الاستشراق قد ساءت فإن على أهله أن يغيروا من أسلوبهم، وإن كانوا لم يغيروا من هدفهم شيئًا في الحقيقة.
ونحن نذكر الآن: كيف يتحرك الاستشراق اليهودي بعد أن تقدم للسيطرة خلفًا أو شريكًا للاستشراق الغربي المسيحي، وتعرف المخططات التي تقوم بها في سبيل احتواء الفكر الإسلامي والتاريخ الإسلامي.
ومن ذلك ما نجده من بروز أسماء لامعة خطيرة في مجالاته المتعددة:
جولد زيهر: في الشريعة الإسلامية.
مرجليوث: في التاريخ الإسلامي.
برنارد لويس: في مفاهيم الأمم والقوميات مستهدفًا إيجاد صراع بين العروبة والإسلام.
ومنذ أعوام أنعمت «إسرائيل» على برنارد لويس بلقب الدكتوراه الفخرية؛ تقديرًا لما يبثه من سموم لحساب اليهود ولهدم مفاهيم الفكر الإسلامي العربي.
وعلينا أن نذكر في هذا المجال أن معظم كراسي الأدب العربي والدراسات الإسلامية في أغلب جامعات الغرب يسيطر عليها مستشرقون یهود.
ويتصل بهذا محاولة السيطرة على دوائر المعارف العالمية وخاصة دائرة المعارف الإسلامية والسموم التي حملتها خاصة مادة «عرب»، ومادة «إبراهيم» ومادة «إسماعيل» في محاولة لتزييف الروابط الإسلامية بين إبراهيم وإسماعيل وبين إسحاق وفصل إبراهيم عن ميراث إبراهيم لجعله كله في نسل إسحاق، وتلك مؤامرة ضخمة في حاجة إلى مراجعة حقيقية، وكذلك فإن الأمر يتصل بمؤامرات تحريف التاريخ الإسلامي وفي مقدمتها مؤتمر بلتيمور الذي عقد عام ١٩٤٨ والذي حضره لفيف من قادة الصهيونية، وفي مقدمتهم بن غوريون لوضع خطة تستهدف تنظيم ومضاعفة عمليات تزييف تاريخ العرب وإخراج دراسات جديدة تحمل الشبهات التي تتصل بمؤامرات القرامطة والزنج والباطنية، وإعادة طرد أفكارها وتاريخها في أفق الفكر الإسلامي بوصفها حركات تهدف إلى العدالة الاجتماعية، وقد ظهرت مؤلفات كثيرة بعد ذلك المؤتمر تحاول أن تطبق ما استهدفته من التوجيهات، ويتصل بهذا مؤتمر البهائيين العالمي الذي عقد في القدس المحتلة عام ١٩٦٨ وما كشف عنه من صلة جذرية بين تاريخ البهائية وبين الحركة الصهيونية، كل هذا يجب أن نكون على وعي به ونحن نقرأ وندرس ونتابع.
ثالثًا: دلالات خطيرة:
يجب أن يكون أمامنا ونحن نطالع تاريخ المسلمين والإسلام في العصر الحديث عدة حقائق من شأنها أن تشكل قاعدة أساسية للبحث:
هذه الحقائق لا توردها كتب التاريخ التي بين أيدينا، وربما أوردت ما يخالفها من شبهات ظلت تتردد حتى أصبحت في منزلة المسلمات.
أول هذه الحقائق ما طرحه «غلاستون» رئيس وزراء بريطانيا في مجلس العموم البريطاني عام ۱۸۸۳ حين حمل المصحف وقال: «ما دام هذا الكتاب باقيًا في الأرض فلا أمل لنا في إخضاع المسلمين، بل نحن على خطر في أوطاننا» وعلينا أن نفهم معنى هذا ومداه.
يضاف إلى هذا قول اللورد اللنبي حين دخل القدس سنة ١٩١٧ حيث قال: «اليوم انتهت الحروب الصليبية».
ولما كانت الحروب الصليبية قد انتهت قبل ثمانمائة عام عرفنا ماذا كان يريد أن يقول، متابعة مع حملة لويس التاسع بعد هزيمته في المنصورة، بينما دعا في وثيقة رسمية معروفة إلى بدء «حرب الكلمة» على المسلمين بعد فشل حرب السلاح، وأن ما أشار إليه اللورد اللنبي إنما كان يعني نجاح هذه الحملة، فهذا قول خطير له أبعاده ومداه ولم يدرس بعد الدراسة الكافية.
فإذا ذكرنا كيف أن وزير خارجية بريطانيا «بترمان» تقدم عام ۱۹۰۷ بوثيقته المعروفة التي كانت خلاصة خبرة المفكرين والسياسيين من أجل دعم وحماية الاستعمار الغربي والتي تقول: «لكي يظل الاستعمار قادرًا في السيطرة على المسلمين والحيلولة دون توحدهم ونهوضهم، لا بد من إقامة حاجز بشري معاد للمسلمين في مكان ما بين إفريقيا وآسيا، على أن يكون هذا الحاجز من جنس غريب عنهم، ومن شأن هذا الحاجز أن يحول دون وحدة المسلمين»، وقد كان الجواب حاضرًا، فقد تقدم اليهود وقالوا: «نحن الحاجز الغريب».
كل هذه الخطط مجتمعة ترسم صورة وتخلق تحديًا وتكشف عن خلفيات لا توردها كثيرًا كتب التاريخ التي بين أيدينا أو التي تدرس في مدارسنا، ولكن هذه التحديات ذات دلالات خطيرة ويجب أن تكون واضحة أمامنا ونحن نقرأ وندرس ونستوعب، وهي تعطينا فكرة واضحة هي:
«أن هناك تعصبًا وحقدًا وخصومة ورغبة في ألا يستعيد المسلمون حقهم ولا يستكملون إرادتهم».