العنوان أضواء على الجانب التربوي من سيرة الرسول القائد -عليه الصلاة والسلام-
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-نوفمبر-1979
مشاهدات 65
نشر في العدد 457
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 06-نوفمبر-1979
الجانب التربوي من السيرة النبوية الشريفة موضوع مهم جدًا، وكنز ثري غني إلى أبعد حدود الغنى، ولا بد للمسلمين اليوم أن يدرسوه دراسة مستفيضة، وأن يفيدوا منه الفائدة كلها.
والجانب التربوي في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- جانب واسع، بحاجة إلى كتاب كبير وكاتب متخصص متفرغ، يدرس حياة المصطفى -عليه الصلاة والسلام- من نواحيها المختلفة أصوله، ونشأته، وأخلاقه، وحيواته الشخصية صغيرًا، ويافعًا، وكهلًا، وزوجًا، وأبًا، وجدًا، وقريبًا، وسيدًا، وحياته الاجتماعية والعسكرية، وأعماله القيادية كقائد ورئيس دولة، ومواقفه مع الأصدقاء والأعداء، ونظراته إلى الدنيا والآخرة، والكون والحياة على اتساعها وتنوعها، وغير ذلك أن يدرس هذا وغيره دراسة موضوعية يراعي فيها الصدق والدقة، والمنهج العلمي القائم على اتباع قواعد الرواية والإسناد؛ ليوضح بعد ذلك كيف أنه -صلى الله عليه وسلم- وقد أدبه ربه فأحسن تأديبه، وأنه لم يكن ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وليفتح آفاقًا واسعة كبيرة أمام المسلمين، يكون لهم فيها حسن الأسوة والاقتداء، وزاد الطريق ونهايته.
الداعية لا بد له من إعداد:
لم ينزل جبريل -عليه السلام- على الرسول -صلى اله عليه وسلم- فجأة وبلا مقدمات وإعداد، بل أن الله -تعالى- قد اختاره من خيار إلى آدم -عليه السلام-، وأحاطه -عز وجل- بعنايته الربانية التي ذكرتها كتب السيرة، وبخاصة تعبده في غار حراء، ذلك المكان القصي العالي المتجه إلى الكعبة، وكأنه محراب مسجد قد هيأته العناية الإلهية فوق جبل النور، وتبدو الكعبة المشرفة من كوة في مقدمته وكأنها لوحة فنية، قد علقت في وسط هذا المحراب، ومن حول هذا القار المبارك تبدو عظمة الله -تعالى- في مظاهر الطبيعة من جبال عالية، ووديان سحيقة، وسماء زرقاء، وسحب بيضاء وسوداء، وليل نهار، وسكون وصفاء، وغير ذلك، وإننا نرجو الله تعالى أن يهيئ لنا دراسة متأنية، ووقفة متأملة متريثة في مقال آخر حول تعبده -عليه الصلاة والسلام- في غار حراء.
وقفات مع الجانب التربوي من سيرة الرسول القائد صلى الله عليه وسلم
وبعد أن أعد الله -تعالى- حبيبه ورسوله -عليه الصلاة والسلام- الإعداد الكافي أنزل عليه جبريل -عليه السلام- بالرسالة العظمى، ومن البديهي بعد هذا الإعداد الإلهي العظيم الدقيق أن ينجح الرسول -عليه الصلاة والسلام- في تربية صحابته، وأن يتبع منهجًا فريدًا في تعامله معهم، والإفادة منهم كل الفائدة، وسوف نكتفي في هذا المقال بإلقاء بعض الأضواء على منهجه -صلى الله عليه وسلم-.
الصحابة -رضوان الله عليهم- بشر غير معصومين:
كان الصحابة -رضي الله عنهم- مثلهم مثل باقي البشر مختلفين في شخصياتهم، وميزاتهم، وصفاتهم، وعواطفهم وغير ذلك، كان منهم القوي الشجاع، وكان منهم الذي يخشى الحروب ومنازلة الفرسان، وكان منهم الكريم إلى جانب الأكرم وما بين الدرجتين من درجات، وكان منهم الشاعر والخطيب واللسن، وكان منهم غير ذلك.
والمهم أنهم كانوا مختلفين عن بعضهم البعض أولًا، وثانيًا لم يكونوا كاملين معصومين، وإنما كانوا بشرًا لا يخلو كل منهم على جلالة قدره، مما عند البشر من نقاط ضعف.
الرسول -عليه الصلاة والسلام- وإيجابيات الصحابة:
ولكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بما أوتي من خبرة وعناية، وكان بفضل إعداد الله تعالى له لم يضره ذلك، ولم ينظر إلى هذا الاختلاف والتفاوت بين أصحابه، وإلى نقاط الضعف مثل نظرة البعض الذين يريدون من جميع المسلمين أن يكونوا أقوياء إن كان هذا البعض كريمًا، أو كرماء إن كان كريمًا، أو فصحاء إن كان فصيحًا أو غير ذلك.
وإنما تجاوز الرسول -عليه الصلاة والسلام- تلك النظرة الضيقة، ورأى في هذا الاختلاف والتفاوت بين الأفراد تكاملًا في الجماعة ككل، وركز على نقاط القوة والجوانب الإيجابية عند كل واحد من صحابته -رضوان الله تعالى عليهم- قلت أو كثرت، ونماها وأفاد منها إلى أبعد حدود النماء والفائدة، وبذلك استطاع -عليه الصلاة والسلام- أن يجعل من هؤلاء البشر غير المعصومين جماعة متكاملة طيبة صلبة متماسكة أمام الأعداد.
إنه -عليه الصلاة والسلام- أفاد من أبي بكر الصديق سخائه وشجاعته، وحكمته وأخوته، ودماسته وكياسته، وغير ذلك من صفاته الحميدة، فكان -رضي الله عنه- رفيقه في السفر والحضر، وأوكل إليه إمامة الناس في مرضه الأخير -عليه الصلاة والسلام-.
وأفاد -صلى الله عليه وسلم- من عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- شجاعته وإلهامه، وصراحته وعنفوانه وكرمه، ومن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- سخاءه العظيم الذي كان عونًا للمسلمين في سلمهم وحربهم على حد سواء، وأفاد من شجاعة الإمام علي -كرم الله وجهه- وفدائيته، وحنكته القيادية وفتوته، ومن شجاعة عمر العباس -رضي الله عنه- وصوته الجهوري في غزوة حنين، عندما طلب منه أن ينادي أصحاب البيعة بعد أن ولى الناس الأدبار في بداية المعركة، وأفاد -عليه الصلاة والسلام- من صداقة نعيم بن مسعود وحكمته وذكائه فائدة نصرت المسلمين نصرًا مؤزرًا، وأفاد أيضًا -صلى الله عليه وسلم- من شاعرية حسان بن ثابت في حربه اللسانية الهجائية مع قريش وشعراء المشركين، وأفاد أيضًا من عبقرية خالد العسكرية والقيادية وشجاعته، الأمر الذي جعله سيفًا من سيوف الله تعالى.
إن هذه أمثلة بسيطة، فإنه -صلى الله عليم وسلم- قد أفاد من كل صفة إيجابية عند كل صحابي -رضوان الله عليهم- بعبقرية فائقة، وحكمة بالغة.
الرسول -عليه الصلاة والسلام- والجوانب السلبية عند بعض صحابته:
وبهذه الحكمة والدقة والعبقرية نفسها نجده -صلى الله عليه وسلم- يعالج كل سلبية من سلبيات بعض الصحابة، وهم بشر غير كاملين، أو يحاول بحكمته النبوية الراقية أن يعالجها لتكون صفة إيجابية، أو يتغاضى عنها بشكل لا يؤثر على صفات الصحابي الإيجابية ويقضي عليها، وبذلك يصبح عضًوا مشلولًا.
والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا؛ فهذا الرسول -عليه الصلاة والسلام- يسأل أحد صحابته عن اسمه، فيقول: زيد الخيل، فيقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: بل زيد الخير إن شاء الله تعالى، وأنه عليه -الصلاة والسلام- عالج «حب الفخر» عند أبي سفيان في فتح مكة، فجعل من يدخل بيته آمنًا.
هذا، وقد تغاضى -عليه الصلاة والسلام- عن جبن حسان بن ثابت -رضي الله عنه-، ولم يمنعه جبنه من أن يكون شاعر الرسول -عليه الصلاة والسلام- الذي قال له: أهجهم «يعني قريشًا» وروح القدس معك، وتغاضى -صلى الله عليه وسلم- وعفا أيضًا عن خطأ حاطب بن أبي بلتقة الذي أرسل إلى المشركين في مكة كتابًا مع جارية له يخبرهم عن عزم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على فتح مكة، وتغاضى وعفا كثيرًا كثيرًا.
ولم تكن مواقفه الحكيمة على هذا المستوى الفردي فحسب، وإنما كانت أيضًا على المستوى الجماعي، ويتجلى هذا في موقفه -عليه الصلاة والسلام- من المنافقين في المدينة المنورة، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول في غزوة بني المصطلق كاد أن يقتتل جهجاه بن سعيد الغفاري غلام عمر بن الخطاب مع سنان بن وبر للجهني، ونادى الثاني يا معشر الأنصار، فنادى الأول يا معشر المهاجرين، فسمع بالأمر عبدالله بن أبي فغضب، وقال: «قد نافرونا وكاثرونا في دارنا، والله ما أعدنا وجلابيب قريش إلا كما قالوا: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل».
كيف وصل المجتمع الإسلامي الأول إلى التكامل والعودة؟
فسمع بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان عنده عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، مر به عباد بن بشر فيلقتله، فقال -عليه الصلاة والسلام-: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟ لا، ولكن أذن بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يرتحل فيها فارتحل الناس، ومشى بهم -عليه الصلاة والسلام- يومهم حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نيامًا، وإنما فعل ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، ثم نزلت سورة المنافقين في عبد الله بن أبي، وجاء ابن عبدالله بن أبي، وكان رجلًا صالحًا صادقًا، على عكس أبيه للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: إنه بلغني أنك تريد قتل أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بد فاعلًا، فأمرني، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل رجلًا مؤمنًا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا.
ماذا يعني تعبد الرسول عليه الصلاة والسلام في غار حراء؟
وجعل بعد ذلك إذا حدث عبد الله بن أبي بالحديث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويصنفونه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمر بن الخطاب كيف ترى يا عمر أما والله لو قتلته يوم قلت لي أقتله لأرعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته، فقال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعظم بركة من أمري.
وبالنسبة إلى المؤلفة قلوبهم من أهل مكة الذين أسلموا عام الفتح فقد أختصهم النبي -عليه الصلاة والسلام- بمزيد من الغنائم عن غيرهم عقب غزوة حنين، ولم يراع في تلك القسمة قاعدة المساواة الأصلية بين المقاتلين، كما أنه -صلى الله عليه وسلم- قد أعطى الأعراب من خمسه الذي خصه به الله تعالى.
التأسي بالرسول -صلى الله عليه وسلم- ضروري لكل مسلم:
وأعاد إلى هوازن سبيلهم بعد إسلامهم حتى يرسخ الإسلام في قلوبهم فلا يعودوا إلى الشرك من جديد، ولقد تألم لذلك بعض الأنصار في نفوسهم فقالوا: يغفر الله لرسوله يعطي قريشًا، ويتركنا سيوفنا تقطر من دمائهم، فبلغ ذلك رسول الله -عليه الصلاة والسلام- فأرسل إلى الأنصار فاجتمعوا في مكان أعد لهم، ولم يدع معهم أحدًا غيرهم، ثم قام فيهم فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار: مقالة بلغتني عنكم؟ ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فآلفكم الله بي، وكنتم عالة فأغناكم الله بي، ثم قال ألا تجيبوني يا معشر الأنصار، قالوا بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل.
فقال -صلى الله عليه وسلم-: أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدقتم، أتيتنا مكذبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فأويناك، وعائلًا فأسيناك، فصاحوا: بل المن علينا لله ورسوله.
ثم تابع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائلًا: أوجدتم -يا معشر الأنصار- في أنفسكم من أجل العامة من الدنيا تألفت بها قومًا ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير ما ينقبلون به، والذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا، وسلكت الأنصار شعبًا، لسلكت شعب الأنصار، وإنكم ستلقون أثره من بعدي، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار، فبكى القوم حتى أخضلت لحاهم، وقالو رضينا بالله ورسوله قسمًا ونصيبًا.
لقد كان لكلمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه أثر عظيم على نفوس الأنصار؛ لما فيها من أرقى معاني الرقة والذوق الرفيع، والحب الشديد، والأحاسيس السامية، والحكمة البالغة، بالإضافة إلى مشاعر الألم لوساوس الأنصار وهواجسهم عليه، لقد لامست كلمات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصادقة الحكيمة مشاعر الأنصار فهزتها هزًا، ونفضت منها ما كان قد علق بها من وساوس وهواجس، وإعادتهم إلى الصراط المستقيم.
وبعد، فإنه يتبين لنا بعد ما قدمناه لمحات من حكمة الرسول -صلى الله عليه وسلم- العظيمة، وعبقريته الفذة في تربية أصحابه، ومعالجته للنواحي السلبية، واستفادته من النواحي الإيجابية، وعلى المستويين الفردي، والجماعي، الأمر الذي أوصل المجتمع الإسلامي الأول إلى التكامل والقوة والمتعة، مجتمع لا يضيع منه جهد، ولا تهدر فيه طاقة في غير صالح الدعوة، الأمر الذي أدى وغيره -بفضل الله تعالى- إلى نجاح الدعوة والنصر المبين.
ولا يمكن لقائد في أي زمن أو مكان أن ينجح في حركته حتى يتأسى بخطى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ويقتدي به فيعنيه من جميع أفراد حركته وجماعته، كل على حسب جهده وقدراته -صغرت أو كبرت-، ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قدوة حسنة.