العنوان أضواء على الانتفاضة الشعبية في الأرض المحتلة
الكاتب إسماعيل فرحات
تاريخ النشر الثلاثاء 16-ديسمبر-1980
مشاهدات 69
نشر في العدد 507
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 16-ديسمبر-1980
مقدمة:
«إن التوتر المتصاعد في أنحاء الضفة الغربية المحتلة، وهذه الانتفاضات الشعبية المتكررة، وهذا التحدي من قبل الشعب الذي يؤججه الشعور الإسلامي والوطني في استرداد حقه المغتصب، ليدل دلالة واضحة على أن الشعب الحر لا يقبل بالذل، وأن الشعب الفلسطيني المسلم قضيته هي قضية إسلامية يشاركه فيها جميع المسلمين، وأن المقدسات التي دست من قبل الذين قلبهم الله إلى خنازير وقردة، لن تعود إلا برفع راية القرآن وتحت صيحة الله أكبر، لذلك فاليهود أعداء الله يقمعون هذه الانتفاضات بشتى الوسائل، وما كان طرد الزعماء الفلسطينيين الثلاثة إلى خارج وطنهم، واقتحام جامعة بيرزيت إلا دليلًا واضحًا على ذلك».
إن ثورة الضفة وانتفاضات شعبها تعتبر مكملة للمسيرة البطولية التاريخية، التي قام بها الشعب الفلسطيني المسلم ضد اليهود، منذ دخولهم إلى فلسطين، فتاريخ الانتفاضات يبدأ من سنة ٢٩، والتي كان من أبرز أحداثها مذبحة حارة اليهود في الخليل، ثم جاءت ثورة سنة ٣٥ و ٣٦ والتي حدث فيها إضراب لمدة ستة شهور متواصلة، وكان من القادة البارزين في تلك المرحلة الشيخ عز الدين القسام، وما بين عام ١٩٣٦م وعام ۱۹۳۹م توقفت الثورة، وذلك لتخاذل الحكام العرب الذين أرسلوا إلى المجاهدين الفلسطينيين، بأننا ندعوكم للتوقف عن العنف ونحن سنتولى القضية، فتوقفت الثورة، وبعدها في عام ١٩٣٩م استمرت الثورة ثم توقفت في الحرب العالمية الثانية سنة ٤١، إلى أن جاء التغيير الجذري في المنطقة وانتهت باحتلال اليهود لفلسطين إلى يومنا هذا، رافق ذلك خيانة الزعماء والملوك العرب، حتى توسع اليهود في أطماعهم واحتلوا أجزاءًا أكبر من فلسطين نفسها.
مبررات الانتفاضات
تتركز أسباب هذه الانتفاضات في عدة أمور منها:
1- الظلم والاستبداد المتكرر على أصحاب الأرض، ومحاولة طردهم وخاصة الزعماء منهم، للتخلص من تأثيرهم على بقية الشعب وخاصة الذين يدعون إلى الجهاد منهم، كالشيخ رجب التميمي «قاضي مدينة الخليل» الذي قال: «إن سلطات الاحتلال تخشى الإسلام دون سواه» وقال عنه اليهود: «بإنه خطر على أمن "إسرائيل"، فهو يدعو إلى الجهاد في سبيل تحرير المسجد الأقصى وفلسطين، لذلك يجب أن يبقى بعيدًا».
2-استمرار تدنيس المقدسات الإسلامية في فلسطين واحتقار المسلمين، وهذا يتجلى في عدة أمور:
أصبح الجزء الأكبر من المسجد الإبراهيمي في الخليل منه كنيسة، ولم يبق للمسلمين فيه إلا بضعة أمتار عند المحراب، وأثناء الصلاة يشوش عليهم اليهود بالتصفيق والصياح وما إلى ذلك من وسائل التشويش والاستفزازات، وفي يوم الجمعة يصلي المسلمون صلاة الجمعة بالمسجد الإبراهيمي، والجنود مدججون بالسلاح يقفون بين المصلين».
كما أصبح الحرم الإبراهيمي الشريف ثكنة عسكرية للجيش "الإسرائيلي"، بالإضافة إلى تحويل الجزء الأكبر منه إلى كنيسة.
كذلك الحرم القدسي الشريف الأقصى المبارك، يتعرض للاعتداءات من أول أيام الاحتلال، فقد دبر أمر الإحراق له في 21/ 7/ 1969م، كذلك قاموا بالحفريات تحته وحوله، حتى يعملوا على إسقاطه وإزالة الحرم، كذلك تعمل بين فترة وأخرى جماعة غوش إيمونيم المتطرفة، بالدخول إلى ساحات حرم المسجد الأقصى المبارك والاعتداءات المستمرة، فقد عثر قبل سبعة أشهر تقريبًا على كمية كبيرة من المتفجرات، تقدر بـ ١٢٠ كيلو جرام في جانب سور المسجد أثناء وجود المصلين، ولكن الله سلم واكتشفت المتفجرات قبل تفجيرها.
3- التهجير:
تعمل السلطات "الإسرائيلية" على تهجير وإخلاء الأرض من أهلها، وهذا أمر خطير جدًا، وذلك بالتضييق على السكان مثلًا الذين يتخرجون من الجامعات كمهندسين وأطباء، وكجماعات لديهم الكفاءة لا يجدون لهم عملًا داخل الأرض المحتلة، بسبب التضييق من جانب السلطات المحتلة، وكذلك العمال يضيقون كثيرًا عليهم بهدف تهجيرهم، وإفراغ الأراضي منهم وإرغامهم على الهجرة للخارج.
4- التوطين وإقامة المستوطنات:
وبعد عملية التهجير هذه، تهدف "إسرائيل" إلى زيادة عدد السكان اليهود فيها إلى أربعة أضعاف، خلال السنوات الثلاث القادمة، وإلى إقامة ٥٩ مستوطنة، أقيم منها حتى الآن ٣٠ مستوطنة منذ أكتوبر ۱۹۷۸م.
5- إقفال جامعة بيرزيت وثورة الطلبة:
وهذه كانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير في الانتفاضة الحالية، فقد حاصر الجنود "الإسرائيليون" أكثر من ألف طالب داخل الجامعة، وبدأوا بقذف القنابل إلى داخلها تمهيدًا لاقتحامها بالقوة، في محاولة لقمع حوادث معادية للاحتلال نظمها طلاب الجامعة، وكانت سلطات العدو قد أمرت بإغلاق الجامعة لمدة أسبوع بسبب تنظيم معرض في الجامعة وصف بأنه «تحريضي»، ولكن فتحتها بعد ذلك.. كما شهدت مدينة رام الله مظاهرات طلابية تضامن التجار معها بإقفال محلاتهم، مما دفع سلطات الاحتلال إلى استخدام القوة لإعادة فتحها، وسيستمر تمرد الطلبة حتى يحصلوا على حقوقهم.
الإسلام هو وحده وقود الشعب ومؤجج الحماس:
وفي خضم هذه التحديات التي يقابل بها الشعب الفلسطيني المسلم الأعزل قوات الاحتلال المدججة بالسلاح، نلاحظ بأن الإسلام هو وقود المعركة، وكما أشارت مجلة التايمز في عددها الصادر بتاريخ 11/ 2/ 80م في أن «المظاهرات التي جرت في الآونة الأخيرة في "إسرائيل" كان المتظاهرون يرددون هتاف «الله أكبر».. أما خطبة الجمعة في عدد من مساجد القدس الشرقية فقد اتخذت طابعًا سياسيًا متطرفًا».
وتقول المصادر "الإسرائيلية" أن الاتجاه الإسلامي في الضفة وغزة وفي القرى العربية في "إسرائيل"، يحظى بتأييد العديد من المواطنين، والاندفاع نحو الإسلام يفوق بكثير الاندفاع نحو القومية العربية أو الشيوعية، بل إن الجماعات الإسلامية تواجه الشيوعيين بالعداء، وقد حاول أنصارها قبل مدة حرق مقر الحزب الشيوعي في قرية أم الفحم. وتقول المجلة في موضع آخر: «وتغلغل العناصر الإسلامية يبدو أوضح ما يكون في قطاع غزة حيث «الإخوان المسلمون» يمتلكون قوة كبيرة وفي المظاهرات الأخيرة التي قاموا بها، دمروا ما قيمته ١٠٠ ألف جنيه إسترليني من الممتلكات».
ويظل رصد الانبعاث الإسلامي المتزايد يقلق مضاجع السلطات "الإسرائيلية"، ويدخل في قلوبهم الرعب من هذا الإسلام السريع الانتشار في قلوب الناس رجالًا ونساءً، ففي قرية قلنسوة ظهرت ظاهرة جديدة بالنسبة لهم، وهي دعوة نساء القرية للاستماع إلى الدروس الدينية من النساء المتدينات من الضفة الغربية، لإرشادهن إلى نهج الإسلام وتعريفهن بماهية الدين الإسلامي، إلى غير ذلك من المظاهر الإسلامية التي يتزايد انتشارها في الضفة يومًا بعد يوم.