العنوان أضواء إسلامية على القومية العربية في ثوبها الجديد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1979
مشاهدات 75
نشر في العدد 449
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 12-يونيو-1979
- يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكَرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات:13)
- يقول الله تعالي: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ (سبأ:28)
- يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا فضل لعربي على عجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى»
- الإسلام دين عالمي تتساوى فيه الأمم والشعوب
- الحضارة الإسلامية صنعها المسلمون جميعًا عربًا وعجمًا
القومية العربية.. أو العصبية مصطلح ليس بالجديد علينا. وإنما عرفناه منذ القرن الماضي على أيدي نصارى وقلة من المسلمين زرعهم الصليبيون واليهود في بلاد المسلمين ليقضوا على دولة الخلافة الإسلامية التي استمرت أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، وهذه الدولة على ضعفها في آخر أيامها كانت تحمل بذور القوة في داخلها، ونعني بهذه البذور قيامها على أساس إسلامي.
لذلك صدر الغرب إلينا نحن- المسلمين- الفكرة القومية ليفرقنا شيعًا وأحزابًا بين تركي وعربي وفارسي وكردي وغير ذلك.
وإننا لا نفتري ذلك أو ندعيه وإنما يقوله واحد من المؤرخين الموثوقين عند القوميين هو فيليب حتى في كتابه «العرب.. تاريخ موجز ص ٢٥٧»: «مما لا ريب فيه أن القومية إنما هي بضاعة غربية استوردها العالم بما فيه الشرق العربي من أوربا».
ويقول فيليب حتى أيضًا في ص ٢٥٦:
«لقد كان ظهور مبادئ القومية العربية في العقد السابع من القرن الفائت على يد رجال الفكر السوريين، وغالبهم من اللبنانيين المسيحيين الذين تثقفوا في المدارس الأمريكية».
من هنا نعلم أن القومية العربية هي البنت الشرعية للغزو الفكري الذي استهدف زحزحة العقيدة من حياة الناس.
- الثوب الجديد للقومية
ونغمه القومية العربية هذه تختلف بحسب الظروف والأزمان، ولعل أخر سيمفونية لها أو آخر شكل دعائي جذاب ماكر من أشكالها هو ربطها بالإسلام ربطًا تعسفيًا جائرًا لأنه ربط النقيض مع نقيضه. وذلك بعد أن فشلت الأشكال السابقة ومل السامعون من سماع أنغامها، أو زيادة في تضليل المسلمين وضياعهم، أو للأمرين معًا.
لقد أصبحنا نسمع شعارات جديدة منها: أن الإسلام هو دين العرب، وأن الإسلام موجه إلى الأمة العربية، وأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- قد بعث إليها، وهو عليه الصلاة والسلام نبي العرب. وأن القرآن الكريم كتاب العرب وقد خاطبهم, وأن الانبعاث القومي لا يمكن فصله عن البعث الإسلامي العربي, وأن التفكير في انبعاث إسلامي للأمة العربية بغير القومية العربية عمل أعرج فاشل، وأنه لا يمكن تبني الإسلام وترك العرب، وأن الأمة العربية بهذا الشكل «القومي- الديني» خير أمة أخرجت للناس, إلى غير ذلك من الافتراءات.. فما رأي الإسلام قرآنًا وسنة وتاريخًا وحضارة في هذه الادعاءات المضللة المتناقضة الماكرة؟
- عالمية الاسلام وما الدليل عليها؟
إن عالمية الإسلام بديهية من البديهيات المتعارف عليها عند المسلمين منذ بدء الرسالة الإسلامية، وإننا نجد مصداق ذلك في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وهي التاريخ الإسلامي.
القرآن الكريم وعالمية الإسلام يقول الله- تعالى- في محكم تنزيله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2) فالله- سبحانه وتعالى- ليس رب العرب فقط أو العجم فقط وإنما هو رب العالمين جميعًا
ويقول- تعالى- أيضا: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 96) فالكعبة المشرفة، أول بيت لعبادة الله- تعالى- هي هدى للعالمين وليست للعرب فقط، أو للعرب ثم لغيرهم وإنما هي للعالمين مع أنها في بلاد العرب..
وبالنسبة إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلقد ألح القرآن الكريم على حقيقة عالميته وعالمية رسالته الإسلامية مع أنه من العرب. يقول الله تعالى في قرآنه الكريم:
﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ (النساء: 79) ويقول أيضًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) وأيضًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. (سبأ: 28)
وهكذا فإنه- عليه الصلاة والسلام- لم يرسل إلى العرب فقط، ولا إلى العرب أولًا ثم إلى غيرهم، وإنما للناس جميعًا عربًا وعجمًا، بل للعالمين إنسًا وجنًا.
وبالنسبة إلى القرآن الكريم، ومع أنه بلغة العرب إلا أنه كتاب إلهي للعالمين جميعًا لقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ (التكوير:27) وقوله أيضًا: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ (القلم:52).
ونزول القرآن الكريم بلسان «عربي» على رجل من قريش «العربية» قد أزال عنهما تلقائيًا الصفة الإقليمية، فأصبح محمد- صلى الله عليه وسلم- رسول البشرية كلها، وأصبح «لسان العرب» لغة الإسلام أينما كان، ولا معنى هنا للاحتجاج بأن القرآن الكريم قد أقر- بأنه أنزل «عربيًا» لأن الآيات التي ورد فيها هذا التأكيد إنما كانت موجهة «للعرب» قبل أن يصبحوا مسلمين، أي قبل أن تنتفي عنهم صفة «العروبة» التي لم تكن إلا رمزًا، أو اصطلاحًا فقط.
- السنة النبوية وعالمية الإسلام:
ولقد ألح الرسول- عليه الصلاة والسلام- في سنته الشريفة على «عالمية الإسلام» إلحاحًا شديدًا فقال- صلى الله عليه وسلم- مخاطبًا بني هاشم وهم الصفوة الصافية من قريش سيدة القبائل العربية: «يا بني هاشم لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، فو الله لا أغني عنكم من الله شيئًا».
وقال- عليه الصلاة والسلام- أيضًا: «الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى».
وهكذا فالناس في نظر الإسلام سواء كأسنان المشط وليس هناك عربي ولا عجمي، بل إن هذه الصفات لا قيمة لها على الإطلاق، وإنما هناك «مسلم» فقط وهذا النعت الشريف يجب أن يكون هو الأول والآخر والماحي لكل نعت اخر.
- التاريخ وعالمية الإسلام؟
مع أن الرسول- صلى الله عليه سلم- كان عربيًا، والقرآن عربيًا، لا أن هذا لم يمنع أبدًا أعظم قبيلة عربية وهي قريش، قبيلة- الرسول عليه الصلاة والسلام-، لم يمنعها أن تقف موقف العداء من الإسلام رجالاته، وأن تحاول قتل الرسول- صلى الله عليه وسلم- وتعذيبه وتعذيب المسلمين ثم محاربتهم مرات ومرات
هذا موقف كثير من العرب بينما دخل الإسلام راضيًا ساعيًا بكل جوارحه سيدنا بلال الحبشي- رضي الله عنه- وجعله الرسول- صلى الله عليه وسلم- مؤذنه ثم خازنًا لبيت مال المسلمين أي وزيرًا للمالية فترة من الزمن. ومثله أيضًا سيدنا صهيب الرومي وسلمان الفارسي الذي قال عنه- عليه الصلاة والسلام-: «سلمان منا آل البيت» وغيرهم كثير من غير العرب جاهدوا وبذلوا كل غال ونفيس في سبيل الله- تعالى- ولنصرة دينه. ولم يكن يدور في خلد الصحابة أبدًا أن هناك أي فرق أو فضل ناتج عن النسب أبدًا، حتى أن بلالًا- رضي الله عنه- وهو الحبشي قد قاضى وحاكم خالد بن الوليد المخزومي القرشي- رضي الله عنهما- ولم يجد خالد في ذلك ضيرًا ولم يجد الصحابة في ذلك نشازًا، والأمثلة كثيرة. فأين هؤلاء المتبجحون الذين يدعون إلى القومية من هذه الحقائق الناصعة؟!
- ثانيًا: الإسلام يقرر وحدة الأصل البشري:
إن الله تعالى خلق آدم- عليه السلام- ثم خلق منه زوجه ثم كان بعد ذلك البشر جميعًا من ذريتهما على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وأصقاعهم.
وهكذا فالناس جميعًا من أبوين اثنين ومن أصل واحد فلا يمكن التمايز بينهم أو التفاضل مطلقًا.
وهذه الحقيقة يقررها بوضوح القرآن الكريم إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (النساء:1).
ويقول الله- تعالى- كذلك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات:13). ويقول تبارك وتعالى أيضًا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات:13).
ويقرر هذه الحقيقة الناصعة أيضًا الرسول- عليه الصلاة والسلام- فيقول: «أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى».
ويؤكد حقيقة وحدة الأصل البشري هذه كثير من علماء الأجناس في العصر الحديث أيضًا، يقول الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه «الإنسان في القرآن الكريم ص ٥٩»:
من كبار علماء الأنواع في العصر الحاضر من يقول: إن التفرقة بين عناصر النوع الإنساني اعتساف أو توسع في التعبير».
وهكذا تبدو حقيقة وحدة الأصل البشري ناصعة براقة كما قررها الإسلام، فلا تفاضل بنسب أو لغة أو لون أو أرض أو قومية أو إقليمية.
وإنما التفاضل بأمر واحد بينه القرآن الكريم تبيانًا واضحًا فقال: ﴿إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾(الحجرات:13) فالتقوى فقط هي ميزان التفاضل ولا شيء غيرها. وهي لا تتعلق بجنسية أو قومية وإنما تتعلق بالقلب ويصدقها العمل.
- الإسلام والقومية
مما تقدم نرى أنه لا وجود للقومية عربية كانت أو أعجمية في الإسلام وبين المسلمين، بل إن الإنسان عندما يدخل الإسلام يصبح مسلمًا فقط، وأما جنسيته السابقة ودينه السابق و.. فإنه لا قيمة لذلك إطلاقًا.
والقومية دعوى خطيرة على الإسلام والمسلمين كل الخطر لذلك أمر الرسول- صلى الله عليه وسلم- بنبذها كليًا لأنها مناقضة للإسلام كل التناقض، بل لا وجود لأحدهما مع الآخر أبدًا فقال- عليه الصلاة والسلام-: «ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من مات على عصبية»
وقال أيضًا: «دعوها إنها فتنة». إنه- عليه الصلاة والسلام- شبهها بما تعافه النفس «فتنة» تنفيرًا منها وتبيانًا لخطرها وحقيقتها.
وحقيقة التناقض بين الإسلام والقومية لا ينكرها القوميون إلا خبثًا أو جهلًا. فهذا زعيم من زعماء القومية العربية في العصر الحديث، ولا يختلف دعاة القومية على زعامته وأستاذيته لهم وهو جمال عبد الناصر، إنه يعترف بذلك التناقض بين الإسلام والقومية في حديث له مع صحفي هندي اسمه «ديوان بریندرانات» فيقول: «إن قيام الدول على أساس ديني، أو قيام القوميات على أساس ديني شيء مخالف للتاريخ»
«ر.ك. كارانجيا الفجر الجديد ص ۱۷۹»، فما بال تلامذته ينكرون هذا التناقض ويدعون زورًا إمكانية ربط الإسلام بالقومية، أيظنون أنفسهم أكثر دهاء ومكرًا ومعرفة من أستاذهم؟!...
وهكذا فالإسلام طريق إلهي خاص به، وللقومية طريق طاغوتي خاص بها، ولن يلتقيا. قال رسول الله- عليه الصلاة والسلام-: «إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن نذكرها... ثم قال: وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن: السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة، فإن من فارق الجماعة- جماعة المسلمين- قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية- العصبية- فهو من جثا جهنم. قيل: يا رسول الله وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم. فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله».
- ما دور غير العرب في الحضارة الإسلامية؟
لقد ساوى الرسول- صلى الله عليه وسلم- بين أصحابه جميعًا بغير أن ينظر إلى جنسياتهم أو ألوانهم مثلما رأينا ذلك من قبل.
واقتدى الصحابة- رضوان الله عليهم- بالرسول- عليه الصلاة والسلام- في كل شيء بعامة وفي المساواة بخاصة، فلقد لقي نافع بن الحارث- أمير مكة- عمر بن الخطاب بعسفان، فقال له عمر: من استخلفت على أهل مكة؟ قال: استخلفت ابن أبزی. قال عمر: ومن ابن أبزی؟ قال: رجل من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض، فقال عمر: أما نبيكم قال: يرفع الله بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين.
وهذا يعني أن مولى قد صار أميرًا على مكة وفيها مسلمو قريش من الصحابة وغيرهم في زمن عمر بن الخطاب فسمعوا له وأطاعوه وذلك لأن الإسلام قد ساوى بينهم أولًا ثم ارتفعت منزلة هذا الصحابي الذي كان مولى على مسلمي العرب من قريش لحفظه القرآن الكريم وعلمه بالفرائض.
إن هذه المساواة الإسلامية بين جميع الشعوب لفتت أنظارها إلى الإسلام فأحبه الناس بإخلاص وعملوا جاهدين مخلصين على تثبيت أركانه وتشييد حضارته، فبرز منهم أعلام شامخة في جميع العلوم بما فيها علوم اللغة العربية فقد كان أول كتاب في علم النحو لسيبويه الفارسي، وكان ثلاثة من القراء السبعة الذين حفظوا روايات القرآن الكريم من تلك الشعوب وهم عاصم بن أبي النجود وعلي الكسائي وحمزة الزيات، كما كان الإمام أبو حنيفة منهم وهو الإمام الكبير الذي لم يزل مذهبه سائدًا إلى يومنا هذا في كثير من الأقطار، وغير هؤلاء الذين ذكرنا كثير كثير مثل الفارابي وابن سينا والسهروردي و ابن جني وغيرهم.
وإليكم هذه القصة مبينة دور الأعاجم في الحضارة الإسلامية، وقد وردت في «علوم الحديث لابن الصلاح ص ٣٦» قال الزهري: قدمت على عبد الملك بن مروان فقال: من أین قدمت يا زهري؟ فقلت: من مكة، قال: فمن خلفت فيها يسود أهلها؟ قلت: عطاء بن أبي رباح. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: وبم سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية، قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا، قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس بن كيسان، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: بم سادهم؟ قلت: بما سادهم به من عطاء، قال: إنه لينبغي. قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل. قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: میمون بن مهران، قال: فمن العرب أم من الموالي؟، قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قلت: الضحاك بن مزاحم، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: ويلك فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب. قال ويلك يا زهري فرجت عني، والله ليسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها. قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه، من حفظه ساد، ومن ضيعه سقط ولهذا من الخطأ الفادح الادعاء بأن هذه الحضارة الإسلامية العظيمة من صنع العرب، وذلك لأن كافة الشعوب الاسلامية قد ساهمت في بنائها، وقد صبغتها بصبغة إنسانية شاملة بعيدة عن القومية أو الإقليمية، وهذا أمر طبيعي طالما أن الإسلام لم يكن في يوم ما إقليميًا أو قوميًا وإنما إسلاميًا إلهيًا إنسانيًا خالصًا.
إننا يجب أن نعلم جيدًا أنه لا صلة إطلاقًا بين الإسلام والعروبة أو النزعات العنصرية الأخرى. فالإسلام عقيدة ونظام حياة، والعروبة رباط عرق ودم، وأن القرآن جاء ليقضي عليها، وإننا حين نفترض جدلًا أن الإسلام قد أبقي صفة العرب الإقليمية أو غيرهم بشكل من الأشكال لما استطاع المسلمون أن يؤلفوا أمة ودولة، ولمكان الإسلام أيضًا دينًا متناقضًا مع نفسه.
وهكذا فالإسلام دين سماوي وثورة تحريرية كاملة للإنسانية شاملة لا تخص العرب دون غيرهم من الشعوب الإسلامية، وإن كان القرآن عربيًا والرسول- صلى الله عليه وسلم- عربيًا.. إنه ساوى بين المسلمين جميعًا فانطلقوا معـًا وشيدوا الحضارة الإسلامية الخالدة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل