; أصحاب الملة الواحدة يستنسخون التاريخ! | مجلة المجتمع

العنوان أصحاب الملة الواحدة يستنسخون التاريخ!

الكاتب أ.د. حامد بن محمود آل إبراهيم

تاريخ النشر السبت 06-ديسمبر-2003

مشاهدات 0

نشر في العدد 1579

نشر في الصفحة 46

السبت 06-ديسمبر-2003

أصحاب الملة الواحدة يستنسخون التاريخ!

يذهل القارئ للتاريخ، والناظر إلى واقعنا المعاصر، حين يرى التطابق الأكيد بين حال أعداء الأمة قديمًا وحديثًا، فالمضاهاة والمقارنات، بل حتى أعمال الدجل والاستخفاف بالأمة تكاد تكون متطابقة، القارئ لأحداث التاريخ يستطيع أن يرفع المترادفات، ويضع مكانها ما يشاء تبعًا للجدول التالي وسوف يصل إلى نتيجة مذهلة، مفادها القاعدة التالية: نفس المؤلف، نفس الحوار والسيناريو، والاختلاف في خشبة المسرح، أي البلد، والممثلين الفاعلين أي الأبطال والحكام، والممثلين المفعول بهم، أي الشعب المطحون والمصحون!

أ.د. حامد بن محمود آل ابراهيم

في قراءة حديثة في كتاب «ودخلت الخيل الأزهر» للمؤلف الراحل: محمد جلال كشك رحمه الله، وجدت نفسي كأني أقرأ جريدة يومية، أو ألحظ قناة فضائية، وجدت نفسي مرغما أقارن بين حال العالم العربي في القرن الثامن عشر وحاله اليوم، بطش الفرنسيين بالمصريين والبطش المجرم بالناس في فلسطين وما يحدث في العراق.

هذه جولة في الكتاب وأترك للقارئ تعبئة الجدول التالي بعد أن يرفع: القوى الخارجية - نظام الحكم - البلد – القرن- الاستعمار – النتيجة. ليستمتع بالمسرحية المكرورة، وبدل أن يضحك سوف يبكي، وبدل الدموع سوف يذرف دمًا، لكنه سوف يتوقع النهاية السعيدة بأن الظلم والظالمين إلى زوال إن شاء الله.

 

وصل «دافو» «طهطا» يوم ٨ يناير، وهجم الثوار على مؤخرة الجيش الفرنسي فأمر الجنرال «دافو»، بإطلاق النار عليهم ففتكت بهم فتكًا ذريعًا، وخسر الأهالي عددًا كبيرًا من القتلى قدرهم الضابط «راباس» بـ(١٥٠) قتيلًا من الفرسان وثمانمائة من المشاة، وانتقم الفرنسيون انتقامًا فظيعًا من القرى التي أطلقت عليهم النار، فقتلوا من أهلها خمسمائة رجل وأحرقوها، وعند جزيرة فيله.. «أنس الوجود»، قال الجنرال «بلیار»: «حمل الأهالي أسلحتهم وصاحوا صيحات القتال، ورأينا النساء ينشدن أناشيد الحرب والهيجاء ويحثون التراب في وجوهنا، أما الرجال فأطلقوا الرصاص على رجالنا الذين ركبوا البحر، وكنت قد أحضرت معي مدفعًا لإخضاعهم، فدعوتهم إلى الصلح والسلام، فكان جوابهم أنهم لا يقبلون منا كلامًا وأنهم لا يفرون من أمامنا»، ماذا فعل حامل قيم الحضارة، حضارة الثورة  الفرنسية؟ «كان الجنرال بليار يسمح لجنوده باغتصاب النساء ليرفع معنوياتهم، ويأمر بإتلاف المحاصيل ليهبط بمعنوية المماليك». وقاوم الشعب.. تجمعوا وازداد عددهم ونزلو النيل سباحة، وهجموا على السفن فاستولوا عليها عنوة وأفرغوا شحنتها على شاطئ النيل، ثم ركبوا وقصدوا إلى السفينة الحربية «إيتاليا» للاستيلاء عليها، وكان يقودها القومندان موراندي فضاعف إطلاق الرصاص على المهاجمين ولكنه رأى رجال مدفعيته قد أثخنتهم الجراح على ظهر السفينة، ورأى من جهة أخرى جموع الأهالي من الشاطئ الأيسر يتحفزون للهجوم عليه، ففكر في الانسحاب ولكن الريح عاكسته فجنحت سفينته، وإذ ذاك هرع إليها الأهالي والعرب من كل صوب وحدب، وصعدوا على ظهرها، فتحقق موراندي من الخطر المحدق به ولكنه أبى التسليم، فأشعل النار في مستودع البارود وألقى هو ورجاله بأنفسهم في اليم قاصدين النجاة، وانفجر مستودع البارود فنسف السفينة نسفًا، وتفجرت شظايا القنابل على الشاطئ فقتلت عددًا كبيرًا من الأهالي، ولكن الباقين منهم قاتلوا موراندي ورجاله في اليم فمات مثخنًا بجراحه وقتل جميع الفرنسيين الذين كانوا على ظهر السفينة «إيتاليا» وعلى ظهر السفن الأخرى، وكانت خسارة الفرنسيين جسيمة فبلغ عدد قتلاهم من البحارة والجنود خمسمائة قتيل. وتكبد الفرنسيون خسائر جسيمة فكفوا عن الضرب بعد أن أحرقوا المسجد، وأخذوا يحاصرون المنزل طول الليل، ونصبوا المدافع بحيث تشرف عليه، وأفلحنا «الفرنسيين» في شق طريقنا إلى الحوش وإشعال النار في البناء ليكرهوا من فيه على التسليم، ولكن المقاومين كما تصفهم مذكرات دينون: «نزلوا عدوًا إلى الحوش وهم عراة يمسك كل منهم سيفًا بيد وبندقية بالأخرى، وهم يطلقون النار على جنودنا ويقفزون كالمجانين إلى اللهب محاولين إطفاء النار بـأقدامهم، وأحسست -وأنا أشهدهم- بمزيج من الرعب والإعجاب، وتخللت المشهد فترات من السكون تسمع فيها صوتًا واحدًا « يصلي»، وتسمع رد الجماعة بالأناشيد الدينية، وصيحات الحرب، ثم يلقون بأنفسهم علينا رغم يقينهم أنهم ملاقون في ذلك حتفهم». كانت أمتنا ما زالت على فطرتها السليمة، تحركها روح الاستشهاد التي قهرت الغرب وصدته ۱۲ قرنًا، لم يكن قد تم تغريبها بعد، ولا تجريدها من روح العقيدة والجهاد، واهتمامنا بجلاء نقطة التنظيم هذه، ينبع من اهتمامنا بتحديد دور الديوان الشعبي الذي انتخبته الجماهير وقاد حركتها.. لكشف تهافت التحليل الغربي الذي يثير الضجيج حول الديوان الوهمي الذي أقامه نابليون «لتسكين الفتنة» «وتنظيم مالية البلاد» بما يعمر خزينة الاحتلال هذا الديوان - الوهمي - الذي سنرى كيف كان يعامله الفرنسيون، بل كيف كان يتطاول عليه أمثال «برطلمين ويعقوب وشكر الله» من الأعوان المفضوحين للاحتلال، والذي عوقب على فشله في تسكين الفتنة بحله، وفرض الغرامات على أعضائه. ورغم ذلك يثير المؤرخون الغربيون وتلاميذهم ضجيجًا حول هذا الديوان الألعوبة لكي يحرفوا الأنظار عن الديوان الحقيقي، الذي مثل الشعب ونظم الفتنة وقادها مجلس المقاومة الوطنية الذي قاد أول ثورة ضد الاستعمار الغربي، وقاتل أقوى جيش في العالم -وقتها- ودفع أعضاؤه الثمن باهظًا في أول وأشنع مذبحة استعمارية عرفها الوطن العربي. هؤلاء هم نواب الأمة وقادتها، تاريخ هؤلاء هو بداية تطورها الحقيقي، وليس تاريخ العاملين في شرطة الاحتلال الهاربين مع الجيش المنهزم. ويسجل الجبرتي في واحدة من عباراته البليغة العميقة الإيحاء، فهم معاصريه لطبيعة الديوان، وسلطات أعضائه الحقيقية أو بمعنى أدق حقيقة وضعهم إذ يقول: «فما تم هذا الأمر حتى زالت الشمس فأذنوا لهم بالذهاب»،  ثم يقول للمهدي عبارة تلخص المهمة الثانية التي قامت من أجلها هذه التشكيلات وهي إخضاع العامة لسلطة الاحتلال: «وإذا كان الأمر كما ذكرتم ولا يخرج من يدكم تسكين الفتنة ولا غير ذلك فما فائدة رياستكم وإيش يكون نفعكم؟

فبهت الجماعة وامتقعت وجوههم، ونظروا إلى بعضهم البعض، وتحيرت أفكارهم، ولم تزل الجماعة في حيرتهم وسكرتهم وتمنى كل منهم أن لم يكن شيئًا مذكورًا، ولم يزالوا على ذلك الحال إلى قرب العصر حتى بال أكثرهم على ثيابه، وبعضهم شرشر ببوله من شباك المكان». إن الحركة الوطنية.. أي حركة..لا يمكن تتبع مولدها وتطورها إلا في إطار صراعها ضد القوى الأجنبية التي تحاول أن تخضعها هذه القومية لإرادتها، أو تعترض نموها وما من بداية شرعية لمولد قيادتها إلا تلك اللجان، التي تتكون خلال الثورة التحررية.. لذلك فإن الديوان الوحيد الذي يجب اعتباره قيادة الأمة، وممثلًا لتلك الإمكانات التي لا حصر لها التي فجرتها مقاومة الاحتلال الفرنسي هو ديوان «الدفاع» الذي تزعم ثورة القاهرة، والذي أعدم نابليون ثمانين عضوًا من أعضائه مرة واحدة، مبررًا ذلك «بأنهم كانوا قومًا ذوي تفكير عنيف متطرف»، «نفس الوصف ونفس الكلمات عجبًا أتواصوا به»، وهو تبرير مثير من ابن الثورة الفرنسية، ومزعج حقًا للذين يحاولون نسبة اتجاه تحريري لحملته في مصر! وهكذا رد ابن الثورة على «التفكير» العنيف للوطنيين المصريين ب«الذبح العنيف، ولا شك أن «اللواء سولكوفسكي» لو أخطأته بنادق الثوار المصريين، لكان قد ساهم في إعدام أبناء ثورة القاهرة، وهو الذي انضم إلى حملة نابليون واحترف الجندية، لا لشيء إلا لأنه حسبها معينة له في النهاية على القتال لتحرير بولندة.. وكان مثاليًا تغلب عليه مبادئ الراديكالية». لقد كشفت ثورة القاهرة ودماء الشيوخ الحقيقة الاستعمارية للوجود الفرنسي، وكشفت عن بربرية ووحشية الغزاة الذين طالبوا «بأن جميع الذين شهدت عيونهم الجنود الفرنسيين يستسلمون، كان يجب أن يعدموا دون استثناء». أحس الفرنسيون المنتصرون أن هيبتهم الاستعمارية قد تحطمت، وأن الأسطورة التي نسجتها هزيمة المماليك وهروبهم قد زالت، فوقفة الأزهر والأحياء الشعبية أثبتتت أن الفرنسيين ليسوا فقط قابلين للقتل، بل يحبون الحياة أكثر من شرف الراية المثلثة الألوان إلى حد أنهم يرفعون أيديهم ويستسلمون ل«شرقي مسلم»، إذن فهزيمتهم ممكنة وجلاؤهم محتوم، واستقلال بلادنا بحاجة إلى ضربات جديدة مريرة ولكنها ضرورية وممكنة، ومثمرة، فما لا يزيد ينقص كما يقول «نقولا الترك»: إن الناس «فهموا جيدًا.. أنه انقطع أملهم -أي أمل الفرنسيين- من إمداد يأتيهم من بلادهم، فقالوا في ذواتهم نحن نضاضدهم ونحاربهم، ورويدا رويدا يخلصون؛ لأن الذي لا يزيد ينقص»، لذلك اقترح الثوريون الفرنسيون إعدام كل مصرى رأى السوبرمان الأوروبي فى لحظة ضعف واستسلام ،!واستمرت عملية  «التشريف ورفع القدر» و«بعث القومية المصرية»، فكتب نابليون لرينيه يقول: «وفي كل ليلة نقطع نحو ثلاثين رأسًا أكثر لزعماء الثورة، وفي اعتقادي أن هذا سيعلمهم درسًا نافعًا». وكما لم يتعلم نابليون لم يتعلم شعبنا، فقبل انقضاء عام واحد كان نابليون قد غادر مصر إلى غير رجعة، وكانت مصر قد ثارت ثورتها الثانية الأعنف والأقوى. وينقل الرافعي عن المراجع الفرنسية أن الكثير من المتهمين قد أعدموا سرا «بلا محاكمة». بل يثبت الرافعي أن هؤلاء المتهمين قتلوا بحدالسنك ولنا أن نتخيل كيف تم هذا الإعدام، وفرصة الاختيار أمامنا ليست واسعة، فالسنكي إما أن يذبح كما تذبح الخراف أو يقتل طعنًا في الجسد حيثما اتفق في إنسان مدني أعزل أسير. وهذا المذبوح شيخ في الأزهر، أو سيدة باسلة هبت تدافع عن وطنها، إنها حالة وحشية كافية الفضح أي ثرثرة عن دور تحريري أو تحضيري لجيش الاحتلال «الثوري»، يقول «بوريين» سكرتير نابليون الخاص في مذكراته: «سيق المسجونون إلى القلعة، وكنت أتولى في مساء كل يوم كتابة الأوامر القاضية بإعدام اثني عشر سجينًا كل ليلة، وكانت جثث القتلى توضع في زكائب وتغرق في النيل واستمر ذلك ليالي عديدة، وكان كثير من النساء ممن نفذ فيهن أحكام الإعدام الليلية».

لم يكن بد كسب رضا الشعب بطرق أقل مباشرة، فما داموا لا يحترمون غير القوة فيجب أن يحكموا حكمًا جازمًا، فجعلته يفكر في تجربة دغدغة مشاعر الوطنيين، بلبس عمامة، وإمساك مسبحة، وتشكيل ديوان وقد كان يد الشعب على نجله قاسيًا وعنيفًا، أجبره على أن يكشف عن أنيابه.

استنبات التقنية

إن المتتبع لتطور التقنية الفلسطينية التي طورت القنابل والمتفجرات التي حطمت «الميركافا» أقوى الدبابات، وطورت الصاروخ أقسام 1و2وغيرها من التقنيات، يعود إلى تلك الجذور وبذل الأهالي ما في طوقهم لتأييد الثورة، وأتوا في هذا السبيل من الأعمال ما أدهش الفرنسيين، فقد أنشؤوا في أربع وعشرين ساعة معملًا للبارود في بيت قائد أغا بالخرنفش وأنشؤوا معملًا لإصلاح الأسلحة والمدافع، جمعوا له الحديد والآلات والموازين، وأخذوا يجمعون القنابل التي تتساقط من المدافع الفرنسية في الشوارع، ويستعملونها قذائف جديدة للضرب، قال الجبرتي: «وأحضروا ما يحتاجون إليه من الأخشاب وفروع الأشجار والحديد، وجمعوا إلى تلك الحدادين والنجارين والسباكين وأرباب الصنائع الذين يعرفون ذلك، فصار هذا كله يصنع ببيت القاضي والخان الذي بجانبه والرحبة التي عند بيت القاضي من جهة المشهد الحسيني»،  وقال مارتان أحد مهندسى الحملة، وكان شاهد عيان لتلك الثورة: «ولقد قام سكان القاهرة بما لم يستطع أحد أن يقوم به من قبل، فقد صنعوا البارود، وصنعوا القنابل من حديد المساجد وأدوات الصناع، وفعلوا ما يصعب تصديقه -وما رأى كمن سمع-  ذلك أنهم صنعوا المدافع». وقال الجنرال كليبر في يومياته: «استخرج الأعداء مدافع كانت مطمورة فى الأرض وأنشؤوا معامل للبارود ومصانع لصب المدافع وعمل القنابل وأبدوا في كل ناحية من النشاط ما أوحت به الحماسة والعصبية، هذه هى بوجه عام حالة القاهرة عند قدومي إليها، وإني لم أكن أتصورها في هذه الدرجة من الخطورة» «تم كل ذلك في ثلاث أيام». وهكذا نرى أن مصر قد طرقت أبواب الصناعة من خلال قتالها ضد الاستعمار الغربي لا من خلال الرضوخ له أو التعاون معه. هذه الجوانب البالغة الأهمية، التي أثارت انتباه واهتمام رجال ومؤرخي الحضارة الغربية، فسلطوا تلاميذهم يشوهون حقيقتها، ويغطون دور الصناع المصريين الذين اخترعوا المدافع والقنابل والبارود. كان «كليبر» يمضى سياسة مرسومة واضحة هي تقنين المقاومة المصرية التي بلغت ثروتها في ثورة القاهرة الثانية، كان يعتصر الشعب بالغرامات المرعبة التي لا تزال تبعث القشعريرة حتى اليوم عندما تذكر أرقامها، وتذكر معها حالة المصريين المالية وقتها.. وفي نفس الوقت كان يتابع تمزيق وحدة الشعب.. وبذلك لم تكن مصر مهددة فقط بالإفلاس والخراب المادي بل كانت مهددة -إذا ما استمر حكم كليبر- بفتنة طائفية مهددة بالتحول إلى هند أخرى ولولا وعي الشعب، ولولا أن المقاومة الوطنية تحركت سريعًا وضربت ضربتها في قلب كليبر.. وكانت طعنة سحقت المؤامرة وأبقت لمصر وحدتها، بل وأهم من ذلك كانت ضربة عززت الوحدة العربية. وقد استجابت المحكمة المشكلة من زهرة أبناء فرنسا: الحرية والمساواة والإخاء.. والمبادئ الديمقراطية والليبرالية.. إلخ، استجابت لمطالب الإدعاء كاملة فقضت المحكمة «بعد الاطلاع على مرسوم تشكيلها» الآتي: «أفتوا أن سليمان الحلبي تحرق يده اليمنى وبعده يتخزوق ويبقى على الخازوق لحين تأكل رمته الطيور» وأيضًا أفتوا على محمد الغزي وعبد الله الغزي وأحمد الوالي «أن تقطع رؤوسهم وتوضع على نبابيت، وجسمهم يحرق بالنار ويكون ذلك قدام سليمان الحلبي قبل أن يجري فيه شيء، هذه الشريعة والفتوى لازم ينطبعوا باللغة التركية والعربية والفرنساوية.

المحاكمة

المدرسة الاستعمارية، تهتم اهتمامًا كبيرًا بمحاكمة «سليمان الحلبي» ولها العذر، لإن هذه المحاكمة والإجراءات التي سبقتها والأحكام التي صدرت والطريقة التي انتقم بها من الشاب البطل تغطي بالخزي والعار تاريخ الحضارة الغربية كله وتفضح كل أكاذيبها عن وحشية الشرق ودمويته.. ففي عصور  تألقنا لم نرتكب قط مثل هذا التنكيل الوحشي..عندما طعن على بن أبي طالب -رضي الله عنه- كانت آخر وصاياه: « إياكم والمثلة.. رجل برجل»، ولم يطلب أكثر من تنفيذ حكم إعدام شرعي وقانوني. بل اشترط أن يبقى القاتل مسجونًا إلى أن يتوفى هو -رضى الله عنه- ولو كان يعلم  أنهم  يقبلون شفاعته لنهاهم عن إعدامه، والدليل على ذلك قوله: «فإن عشت، رأيت فيه رأيي». وعندما اجتاح الغضب ابن عمر بن الخطاب لما سمع أن مؤامرة فارسية-يهودية- هي التي أدت إلى مصرع والده، فاندفع فور وقوع الحادث فقتل ثلاثة من الذين اتهمتهم المصادر التي يثق بها، ثارت ثائرة المجتمع الإسلامي، وسجل الطبري هذه الغضبة الإسلامية لخرق العدالة وحرمان المتهمين من الحاكمة بقوله: «وأظلمت الدنيا بالناس ثلاثة أيام». أظلمت الدنيا بالمسلمين في القرن السابع الميلادي لأن ابن أمير المؤمنين أذهله منظر أبيه المطعون، ودمه المنزوف فسحب سيفه وقتل من أجمعت الروايات على أنهم هم الذين دبروا الجريمة، واعتقل ابن عمر، وطالب الرأي العام بإعدامه؛ بل واعتبر المؤرخ الإسلامي أن تجنب عثمان القصاص من ابن عمر بن الخطاب، بفتوى عمرو بن العاص، أن  الجريمة وقعت في فترة لم يكن للمجتمع فيها سلطة مستقرة، وقبل أن يتولى عثمان الخلافة، ومن ثم فهو غير مسؤول عنها؛ ولذلك لجؤوا إلى عفو أصحاب  الحق المدني، فسلموهم ابن أمير المؤمنين وسيفًا.. وسألهم ولي القصاص؟ هل لىَ الحق كل الحق في أن أقتله؟ قالوا :نعم!.. قال: هل يصيبني مكروه إن قتلته؟ «وهو فارسي لم يستوعب بعد العدالة الإسلامية»، قالوا :لا.. هذا حقك..عندئذ عفا الرجل..ومع ذلك يقول المؤرخ الإسلامي: إن هذه كانت أول ثغرة في الإسلام وبداية كل النكبات التي وقعت!. 

إلى هذا الحد كان ضميرنا القانوني حساسًا وعادلًا ومتميزًا في عصور تألقنا، بينما رجال الثورة الفرنسية خرجوا غاضبين يقتلون النساء والأطفال ثم نكلوا بوحشية لا مثيل لها في التاريخ بالقاتل.. ولم تظلم عليهم الدنيا، ولا اهتز ضمير فرنسي واحد.. ولكن المدرسة الاستعمارية تريدنا أن نغفل عن هذه الحقيقة، وننبهر بشكليات المحاكمة، وبحرق الإنسان الحي..والقتل على الخازوق.. ختمت الحملة الفرنسية صفحتها «الحضارية» في مصر منبهة كأعنف ما يكون التنبيه، كل الذين خدعتهم الشكليات نبهتهم إلى أن  الاستعمار هو الاستعمار، وأن الحكم  الوحشى و هو وسيلته الوحيدة في مواجهة تطلع الشعوب لمشروع للتحرر.


الرابط المختصر :