العنوان مناهجنا التربوية.. بين التحديات وبدائية الآليات.. أصحاب الفكر الوافد يعتبرون الإسلام خطرا على مصالحهم.
الكاتب خضير جعفر
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-2000
مشاهدات 71
نشر في العدد 1399
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 09-مايو-2000
■ علينا أن نغذي أبناءنا وأجيالنا المقبلة بالفكر الإسلامي الأصيل ونحصنهم به من خطر الغزو الأجنبي.
تحديات الحياة المعاصرة ومستجداتها، والمتغيرات تفرض على المثقفين مراجعة الذات وتدعوهم لقراءة جديدة لمكونات الهوية الثقافية للأمة، وتعينهم على رؤية واعية للواقع بكل ما يكتنفه من أدوات وتحولات، وتتخطى الكثير مما نتوهم أنه لا يمكن تجاوزه أو تخطيه لأن قوانين الحياة لا يمكن أن تتوقف لصالح من لا يعرف سننها وآلياتها، وإنما هي مُسَخَّرة وفق نظام صارم لا يستجيب للأماني والرغبات.
ومن يتدبر عواقب الأمم والحضارات التي سادت ثم بادت سوف يعثر على أسباب نكوصها وترديها كامنة في عجزها عن مسايرة الحركة وقوانين السرعة التي أودعها الله هذا الكون الكبير، وما لم نلحق -نحن المسلمين- بقطار الكون المتسارع الكبير، فسنظل في حيرة الانقطاع عند واحدة من محطاته الخلفية لا يشفع لنا معها رجاء أو دعاء.
وإذا ما تجاوزنا الحياة في أكثر من ميدان، جراء سوء الإدارة والأداء فما نواجهه اليوم من أخطار وتحديات لم يعد منحصرا بتخلف مادي يحول بيننا وبين اللحاق بركب الشمال المتسارع الخطى والإنجازات وإنما نخشى من ضياع الهوية والوجود في عالم لا ينظر لنا بارتياح، ويسعى جاهدا للإجهاز على البقية الباقية مما فينا من مظاهر الحياة، وينتصب الغزو الثقافي والتربوي كأهم مظاهر التحدي الجديد المرعب بعد ن اخترقت التكنولوجيا كل حدودنا، واختزلت المسافات في أوسع عملية غزو ثقافي نفذت أشعة أثيرها وموجات أصواتها وصورها الملونة إلى كل بيت، وبذلك لم نعد في مأمن من تأثيراتها الهدامة المدمرة، كما لم يعد أبناؤنا سكان جزيرة مغلقة لا يسمعون فيها غير صوت واحد من المعرفة، ولا يبصرون سوى لون محدد من التربية، وإنما اختلطت لديهم الأصوات والألوان فيما شهدت ألوان وأصوات إعلامنا التربوي حالة من النكوص والتراجع أمام جحافل الغزو الثقافي المدجج بكل أسلحة العصر وأساليبه المتطورة نظما وأداء وإغراء، ولم تعد عملية غلق الأبواب والنوافذ، وسد العيون والآذان مجدية أمام غول مرعب لا يحتاج إلى تأشيرة دخول وموافقات محلية، وبما يؤكد عجز الموقف السلبي عن احتواء التحدي أو مواجهته بفتاوى التحريم، وأساليب التبليغ المتواضعة، فيما تهب عواصف العولمة على عالمنا الإسلامي منذرة بطوفان تغرق فيه أمواجه العاتية زوارق الإنقاذ ولا من مستمع لصيحات الاستغاثة، خاصة أن أصحاب الفكر الوافد يعتبرون الإسلام خطرا على حضارتهم، والمسلمين أعداء لمصالحهم وامتيازاتهم، ولذلك لا يتورعون عن استخدام كل أسلحة العنف والقمع ضدنا بعد أن أكثرنا من الشعارات، وملأنا الدنيا ضجيجا يعوزه الجد والعمل المحسوب، الأمر الذي دعا الآخر لأن يجند كل طاقاته الهائلة أساسا لإلحاق الهزيمة بنا متدرعا بمناهج حديثة، وأساليب متطورة، وخطط مدروسة لا يمكن أن يصمد أمامها ما لدينا من أساليب مختلفة ووسائل بدائية عجزت عن مسايرة الحياة وحركة المجتمعات، ذلك أن أسلوب الخطاب المستخدم لم يعد قادرا على استقطاب الجيل الجديد، فضلا عن إقناعه، ولا يكمن العيب هنا في الشباب من أبنائنا ولا في الإسلام كنظرية وعقيدة وفلسفة حياة، وإنما في بدائية أساليب العرض ووسائل التبليغ، ولذلك فإن إحداث ثورة في دنيا الإعلام الإسلامي ضرورة وحاجة أساسية مطلوبة، وإن التراخي عن تحقيقها سوف يقرب موعد انهيارات أخلاقية واجتماعية لا تنفع معها كل
محاولات الترقيع.
كما أن فرحتنا بإنجازات الصحوة الإسلامية ومكاسبها المباركة ينبغي ألا تعمي أبصارنا وبصائرنا عن رؤية الوجه الآخر لواقع مجتمعاتنا الغارقة في ظلمات العبث وظلام الضياع بانتظار من يحسن التعامل معها من فرق الإنقاذ، وهو ما يحتاج إلى كفاءة عالية وتعبئة عامة، وبرنامج مدروس تشخص فيه الأخطاء، وتوضع لها الحلول والمعالجات، وفي غيرها فإن حالة انفصام حقيقي بين جيلي الأبناء والآباء وشيكة الوقوع، وإن فاصلة كبرى بين عقيدة الأمة وجيلها الجديد في حالة اتساع، وإن ترك الأمور على حالها لن يفرز غير خسارتنا لأنفسنا وأبنائنا على حد سواء، بعد أن عقمت أدوات إعلامنا ومنابر تبليغنا عن تغذية أرواح الشباب وأفكارهم بالفكرة الصحيحة والرؤية الواضحة للقيم الإسلامية الخيرة، ومن هنا فنحن مطالبون بما يلي:
تغيير جذري في طريقة التعامل مع أبنائنا تشعرهم بالمزيد من الاهتمام والاحترام من خلال العواطف الصادقة تجاههم، والتعاطي الإيجابي المتكافئ موضوعيا مع شعورهم المرهف باحترام الذات والإمكانات.
تغذيتهم بروافد الفكر الإسلامي الأصيل القادر على الإقناع والإشباع لحاجاتهم المتزايدة والأسئلة الحائرة في أذهانهم والتي تبحث لها عن مجيب بجرأة وواقعية وعلمية ووضوح بعيدا عن أساليب الإكراه والفرض والتجاهل، الذي لا يولد غير النفور والفتور في التعاطي مع العقيدة وأحكامها الغراء.
قراءة بديلة للواقع والتفاعل الإيجابي معه والتخلي عن الفهم العقيم للخط الذي يترفع عن الجمهور وينحصر في قوالب ضيقة لا تعبر إلا عن ضيق أفق أصحابها، وجدب وعيهم العجز عن استيعاب أطر الثقافة المنقذة المتجددة دائما وأبدا، ومن ثم اعتماد دائرة الحلال والحرام أساسا في المنهج التربوي لكيلا تضيق سعة الحياة على جيل طموح لا يجيز لنا أن نحجر عليه الحركة فيما لا نص ولا دليل لدينا على تحريمه ومنعه.
وفي غير ذلك سنجد أنفسنا ومبلغينا في واد وآباءنا في واد آخر، وبقدر ما تزداد الفاصلة بين الجيلين سوف تتصاعد معدلات البعد عن الله وسنقدم فلذات أكبادنا طعمة لوسائل الغزو التي تتحمل قسطا كبيرا من أوزارها المهلكة.