العنوان أشعر بالخجل من كوني أمريكيًا!!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2001
مشاهدات 79
نشر في العدد 1462
نشر في الصفحة 47
السبت 04-أغسطس-2001
قد تكون هناك صحوة للضمير وانتفاضة للفطرة على الظلم والأنانية، والنفاق مهما طالت الأيام، ومهما استعظم الباطل واستغلظ الضلال وتاريخ الإنسانية حافل بيقظات وانتفاضات على البغي والتوحش والأنانيات، ونحن نرى هذه الأيام بعض الكتاب من الغربيين على العموم ومن الأمريكان على الخصوص قد تحركت ضمائرهم وماجت أعماقهم بثورة على الظلم البين، والوحشية المفترسة التي يقترفها الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين والعرب في القدس والضفة والقطاع ونحن الآن بصدد الحديث عما يكتبه الباحث الأمريكي تشارلي ويزه في صحيفة أورلاندو الأمريكية عن وحشية اليهود في فلسطين، يقول الرجل: إن ما يفعله الإسرائيليون مع الشعب الفلسطيني جرائم حرب بكل المقاييس، قام الإسرائيليون بهدم ١٤ منزلاً فلسطينيًا آخر هذا الأسبوع، في معسكر لاجئين في غزة، وصرحت الولايات المتحدة الأمريكية فقالت: هذا فعل «استفزازي».
والواقع أن هذا الفعل جريمة حرب بكل المقاييس، وأن ما يقوم به الإسرائيليون في الساحة الفلسطينية قد وصفته وأجادت في وصفه منظمة الصليب الأحمر الدولية بأنه جرائم حرب ووصفته منظمة الأمم المتحدة رسميًا بأنه تحد للحضارة، ولكنكم أيها الأمريكيون النائمون المخدوعون لا تعرفون ما تقوله وزارة الخارجية الأمريكية عندما تتفوه بأخف الكلمات عن التوحش الإسرائيلي بأنه «استفزازي» ويا للعجب، جورج بوش الذي تعهد أول حكمه بأنه سيقدم للولايات المتحدة قيادة حقيقية طاهرة يصف الجريمة التي يندى لها الجبين وتصنف بانها جرائم حرب بأنها «استفزازية». هكذا وبعد ثمانية شهور من السكوت والتأييد للكيان الصهيوني في جرائمه يتفوه بوش بأن الجرائم استفزازية بأية صفة نقيم هذا الانتقاد الرقيق الذي يقال عن هدم منازل الفلسطينيين الفقراء وقتلهم بأنه عمل استفزازي؟ إنه موقف مخز، لا يختلف عن موقف كرستوفر، عندما كان وزيرًا للخارجية الأمريكية، وكان الإسرائيليون مشغولين في واحدة من هجماتهم البربرية العشوائية بالمدافع ضد قرى جنوب لبنان في هذا الوقت هرب نحو مائة سيدة وطفل لبناني إلى معسكر الأمم بحثًا عن الأمن، ولكن ذلك لم يكن مهمًا، فقد قصف الإسرائيليون المعسكر عمدًا كما أثبتت التحقيقات التي أجرتها الأمم المتحدة فيما بعد، وقتل الجميع بمن فيهم قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وانتشرت أشلاؤهم وبقايا لحمهم مثل الديكور المقذذ على الأشجار والأنقاض المنتشرة تتساقط منها دماؤهم.
هل تعرفون ماذا قال كريستوفر؟ الولايات المتحدة تناشد الجانبين ضبط النفس.
إنني أتساءل كيف يتوقع كريستوفر أن تقوم بقايا أشلاء النساء والأطفال اللبنانيين القتلى بضبط النفس؟ ربما أتصور أنه لا يحق لهم أن ينزفوا من جراحهم بكل تلك الغزارة، أتصور أن تلك كانت المرة الأولى في حياتي التي أشعر فيها بالخجل من كوني أمريكيًا.
يومًا ما سيستيقظ الأمريكيون بعد ٥٠ عامًا من الدعاية الصهيونية، وفجأة سيشعرون بأنهم غرباء في بلد غريب، كما يقول كثير من المحللين والباحثين.
لقد طرد الإسرائيليون الفلسطينيين من وطنهم وصادروا أرضهم وثرواتهم، ورفض الإسرائيليون السماح وما زالوا يرفضون السماح والعودة للفلسطينيين الذين ما زالوا لاجئين هنا وهناك، رغم قرارات الأمم المتحدة التي أمرت بعودتهم، وما زالت المطالبات بعودتهم مستمرة ولم يكتف الإسرائيليون بما فعلوه في سنة ١٩٤٨م، فقاموا في عام ١٩٦٧م بمهاجمة الضفة الغربية وغزة والقدس، واحتلوها ومنذ ذلك الحين يحكمونها بالحديد والنار رغم مطالبة الأمم المتحدة لهم بالانسحاب ورغم الحاح الفلسطينيين ورغم المفاوضات العقيمة تحت اسم السلام، فمتى سينسحبون من الأرض التي احتلوها بطرق غير شرعية ويشردون أهلها والمأساة تتجه إلى الذروة؟
واليوم يحاول الإسرائيليون استخدام أسلوب خنق الفلسطينيين اقتصاديًا، وحاولوا الضغط عليهم، لكي يقبلوا الحلول الإسرائيلية التي تدعو إلى ضياع حقوقهم جملة وتفصيلاً، والضغط عليهم يقومون اليوم بقتل الأطفال والنساء والشيوخ واغتيال زعمائهم، وهدم منازلهم، واقتلاع أشجار الفاكهة، ومنع الفلسطينيين من السفر العادي أو التنقل بين قراهم.
وبالمناسبة أين الذين يتباكون على البيئة ألا يعرفون كم من الوقت يستغرق نمو شجرة الزيتون التي يدمرهم الصهاينة؟ وكم من الوقت تثمر هذه الشجرة؟ أنا آسف لم أكن أعرف أن النفاق البيئي بلغ إلى هذا الحد لأن البيئة فلسطينية وليست أوروبية، وهل بعد ذلك بقى شيء نعم يبقى بالطبع أن يخلع الإسرائيليون قفازاتهم الدامية استعدادًا للقيام بمذبحة واحدة أخيرة، هذا ما يخطط له الإسرائيليون، ويترقبه الفلسطينيون وقد انتخبوا لذلك السياسي الوحيد الذي على استعداد لأن يقوم بذلك.
ولكن ماذا سيقول العالم؟ وماذا سيقول الإسرائيليون إذا نهض الفلسطينيون من تحت الأنقاض يقولون للإسرائيليين إن بوسعكم دفننا هنا ولكنكم لن تستطيعوا أبدًا طردنا من وطننا فإن الإسرائيليين حينئذ لن يجدوا حلاً إلا الخضوع لشروط الفلسطينيين، وسيطرد شارون وسيحاول الإسرائيليون الخروج من حيرتهم بأي شكل، وبأي أسلوب ولكن العالم اليوم في حاجة إلى صحوة ضمير، والفلسطينيون في حاجة إلى دعم من الشعوب المحترمة التي تملك الشجاعة الكافية للتصدي للظلم دفاعًا عن حقوق الإنسان ولكن كما ترون فإن إدارة بوش تفضل أن تظل جاثية على ركبتيها، وتفضل كذلك الاستلقاء على الأرض والانبطاح تمامًا، لأنها لم تجد الشجاعة أن تنتقد الشر، وكان يجب عليهم أن يشاهدوا قتل الأطفال وقتل الحياة، حتى يتحركوا ويحركوا ضمائرهم الميتة نحو عمل إنساني يحفظ ماء الوجوه التي تعودت الكذب والغش والنفاق وتدعي بعد ذلك أنها حضارية وإنسانية، وهي تفعل ما لا تفعله الوحوش.
وبعد، فقد رأينا قبل كيف بدأت تتحرك قلوب غير المسلمين، فهلا تحركت قلوب بعض السلطات العربية والإسلامية، وهلا شعرت بالخجل والخزي كما شعر الآخرون وتحاول جاهدة أن تقوم بما يجب عليها إن لم يكن من أجل الأخوة العربية والإسلامية، فمن أجل الأخوة الإنسانية !!