; أشد إفسادًا من ذئبين جائعين | مجلة المجتمع

العنوان أشد إفسادًا من ذئبين جائعين

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1988

مشاهدات 75

نشر في العدد 879

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 23-أغسطس-1988

الدين تتمثل فيه كل القيم والخصال النبيلة التي يتصف بها الإنسان السوي كامل الإنسانية، فلا يكون الإنسان كذلك إلا إذا كان متدينًا، وبتلك القيم، وبتلك الخصال يرتفع الإنسان عن مستوى الحيوان والجماد، ولا يكون الإنسان إنسانًا حقًا إلا إذا تمثلت فيه خصال الإنسانية الرفيعة، التي تجعل منه صاحب ضمير حي وإحساس مرهف، يسمو به عن الدنايا، ويمتلئ قلبه بحب الخير والرحمة مع عزة نفس، وقناعة قلب، وتفان في خدمة المجتمع الإنساني، والسعي لرضاء الله بما يقدمه لعباده في صلاح دينهم ودنياهم. 

وهناك أمران يفسدان على المسلم دينه الذي تتمثل فيه كل القيم النبيلة والحميدة، ويحيطان عمله في آخرته، هذان الأمران هما الحرص على المال، والحرص على الجاه، وقد مثل الرسول صلى الله عليه وسلم مدى إفسادهما للدين بذئبين جائعين أرسلا على غنم ففتكا بها، فقال عليه الصلاة والسلام «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه». تصور أن ذئبين جائعين انطلقا على غنم محصورات في زريبة كيف يكون الفتك بها والإفساد من قبل الذئبين الجائعين؟ فهل يبقى من هذه الغنم شيء سليم؟ فكذلك الحرص على المال والجاه أشد إفسادًا للدين من الذئبين الجائعين للغنم، فماذا يبقى للمرء من الدين إذا كان حريصًا على المال والرئاسة، وطلب المال ليس مذمومًا في الإسلام ولكن المذموم هو التهافت على الدنيا، والحرص عليها. 

وقد كان الصحابة يطلبون الدنيا، ولكن كانت في أيديهم لا في قلوبهم، فلا يبخلون بما رزقهم الله لأنهم يؤمنون بما وعدهم الله به، يؤمنون بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (سورة سبأ: 39) وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: 272).

وكانت عندهم قناعة، فالفقراء: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (سورة البقرة: 273)، ﴿…وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ…﴾ (سورة الحشر: 9) ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (سورة الإنسان: 9)، وكانوا يتنافسون في فعل الخيرات، وفي تفريج كرب المكروبين، والأخذ بيد الضعفاء.

ومع الأسف إن حال المسلمين اليوم ليس كحالهم من قبل، فترى الآن التقاعس عن نجدة المصابين وضحايا الكوارث فلا يهتم أحد بما يصيب الضعفاء والفقراء من محن ومصائب ولا يغاث الملهوف، ولا يعان المصاب ولا تقدم المساعدات الإنسانية للمتضررين والمنكوبين إلا في حدود وحالات فردية نادرة، أو من قبل الدول وعلى غير نظام.

وإنه ليحز في النفس أن ترى في بلاد المسلمين من ينتهزون الفرص ليزيدوا أموالهم من دموع المصابين ويستولوا على حقوق أهل الحاجات والمعوزين، ويحاولوا التنصل مما عليهم من واجبات، ويسلكوا الطرق الملتوية، ويحصروا كل همهم في جمع المال من الحلال أو الحرام، ويخدعوا أنفسهم بالتعللات الزائفة، فترى البعض لا يقنع بحقه مقابل عمله، ويعتبر مال الدولة مالًا مباحًا ما وجد إليه سبيلًا، وترى الغني ينافس الفقير، فالغني صاحب العقارات، والتاجر صاحب المحلات ينافس من ليس له مسكن يسكنه ولا دخل يسده، وأصحاب الضمائر يتألمون عندما يرون بعض الناس يدفعهم الجشع أن تمتد أيديهم إلى ما يخصص للمنكوبين والمتضررين. 

إننا نريد أن نعود إلى ما كان عليه أسلافنا من الحرص على حب الخير والتنافس فيه، ولا زالت عند أغلب المسلمين الروح الإسلامية الخيرة، ومن معطيات الصحوة الإسلامية أن قامت منظمات تنادي إليها المخلصون من أبناء هذه الأمة ليعود المسلمون إلى ما يفرضه عليهم دينهم من تعاون على البر والتقوى وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبحمد الله تأسست منظمتان إسلاميتان هما منظمة الدعوة الإسلامية التي مقرها الخرطوم، والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية التي مقرها الكويت لعلهما يسدان النقص في القيام بالخدمات الإنسانية اللازمة التي فرضها الإسلام، وإن من العباد من يقادون إلى الجنة بالسلاسل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2177

155

الأربعاء 01-مارس-2023

الزلازل.. والأسئلـة الوجوديـة

نشر في العدد 14

126

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مجتمعنا- العدد 14