; أشد الأمور بين الناس.. تعرضًا للاهتزاز | مجلة المجتمع

العنوان أشد الأمور بين الناس.. تعرضًا للاهتزاز

الكاتب علاء سعد حسن

تاريخ النشر السبت 12-مايو-2001

مشاهدات 73

نشر في العدد 1450

نشر في الصفحة 56

السبت 12-مايو-2001

  • الثقة المطلقة يجب ألا تتحقق إلا بعد وزن الأمور بميزان الشرع والعقل واليقين بأن الموثوق به أهل لها

  • سار المنهج القرآني على مبدأ التوجيه والمحاسبة العلنية للنبي صلى الله عليه وسلم نفيًّا للمجاملة والمحاباة.

  •  تتوافر الثقة في القيادة عبر: الشفافية.. القدوة.. علنية المحاسبة.. والنزول على رأي الشورى.

الثقة لغة- كما جاء في لسان العرب- الإحكام في الأمر، ومنها الوثاق الذي هو قيد أو حبل شد به الأسير والدابة، وفي القاموس المحيط: وثق بمعنى ائتمن، والوثيق أي المحكم.
ومن ذلك يتضح أن الثقة اصطلاحًا هي التصديق واليقين والاطمئنان والائتمان، والثقة قد تكون في عقيدة أو في فكرة أو في منهج أو في شخص، فالثقة في عقيدة ما: الإيمان الجازم بصحة هذه العقيدة وصلاحيتها، والثقة في شخص ما هي تصديقه والاطمئنان إلى قدرته على إنجاز عمل معين.
أتباع الحق يثقون في الحق الذي يؤمنون به، وفي الطريق الذي يسيرون عليه، وفي المنهج الذي يتبعونه، وفي القيادة التي توجههم للاستقامة على هذا الحق: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ..﴾ (سورة البقرة آية: ٢٨٥).
وأتباع الشيطان يثقون في الشيطان وما يزينه لهم وما يمنيهم به وما بعدهم: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (سورة النساء آية: ١٢٠)، ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (سورة الأنفال آية: ٤٨)، ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الحشر آية: ١٦).
ولولا ثقة هذا الانسان في الشيطان ما كفر إذ أمره بالكفر.
وأتباع الطواغيت يثقون في قدرة هؤلاء الطواغيت وتمكنهم من تحقيق أهدافهم والإفادة منهم، وتلبية شهوات أنفسهم، ولذا كانت مهمة الأنبياء والرسل جميعًا هي زعزعة هذه الثقة في الطواغيت والأصنام وإظهار عدم قدرتهم على شيء: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ (سورة الأنبياء آية: ٦٦)، ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (سورة المائدة آية: ٧٦)، ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (سورة الفرقان آية: ٣)، ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ (سورة طه آية: ٨٩).
وقد تستمر ثقة الإنسان في الباطل الذي يتبعه حتى الممات ولا يفيق على الحقيقة إلا في الآخرة: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ (سورة طه آية: ٢٤)،﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (سورة البقرة آية: ١٦٦- ١٦٧).
ولذلك فالثقة  في شيء مرهونة بتجربته والتأكد من صحته، والثقة المطلقة يجب ألا تتحقق إلا بعد وزن الأمور بميزان الشرع والعقل والمنطق، واليقين التام أن الموثوق به أهل لهذه الثقة منهجًا كان أم قيادة.
فلولا ثقة الأتباع الضالين في رؤسائهم المضلين ما ضلوا: ﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (سورة الزخرف آية: ٢٢)، ﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (سورة الروم آية: ٣٢).
وثقة الناس في تاجر معين مثلًا تنتج من تكرار صدقه معهم، إذ يثبت لهم بالتجربة العملية أنه يقدم لهم بضائع أعلى جودة بأقل تكلفة ممكنة؛ فتتحقق في هذا التاجر الثقة من قبل عملائه.
والثقة كركن من أركان البيعة هي الثقة على بصيرة وعلم ويقين لا عن تقليد أو أوهام أو شعارات:﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (سورة يوسف آية: ١٠٨)، فالثقة لا تنتج إلا من تراكم الخبرة بأهل الثقة، وركن الثقة هو أشد الأركان تعرضًا للاهتزاز، واهتزاز الثقة هو الدافع الرئيس الأول إلى التساقط على الطريق وتنكب الدرب، فيوم تهتز ثقة الفرد بالمنهج يترك الطريق الذي يسير فيه، ويوم تهتز ثقة الفرد في القيادة يتنكب الدرب ويتخلف عن المسير، ويوم تهتز ثقة الفرد في نفسه وفي قدرته على مواصلة الطريق مع أهل الحق خوفًا من الباطل وأهله أو ميلًا في نفسه إلى الراحة والدعة يتقاعس عن المضي في الطريق.
وتتوافر الثقة في القيادة عبر مجموعة من الشروط والعوامل في هذه القيادة، هي أركان بناء الثقة ومن هذه الشروط:
1- الشفافية:
لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا من المسجد ومعه زوجته السيدة صفية- رضي الله عنها- فلقي عمر بن الخطاب في الطريق فعاد صلى الله عليه وسلم إليه وقال له: إنها زوجتي صفية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد خلق الله تعالى عن الشبهات، لكنه يتعامل مع أتباعه بهذه الشفافية والوضوح، التي لا تترك أي أثر في نفس من النفوس. ويوم وجد الأنصار في أنفسهم بعد غزوة حنين من أجل الغنائم، لم يتجاهل رسول الله صلى الله عليه وسلم مشاعرهم، ولم يرسل إليهم من يذكرهم بالإيثار ولا التجرد، ولكن جمعهم واسترضاهم بنفسه حتى رضوا. وعمر بن الخطاب يوم سأله أحد رعيته عن الثوب الذي يرتديه، انتدب ابنه للإجابة عنه ولم يتأخر عن توضيح الأمر؛ وذلك لأنه يعلم أنه ولو كان في موضع القيادة فإنه ليس فوق الحساب ولا المساءلة.
2- علنية الحساب والمكاشفة:
إن مبدأ التوجيه والمحاسبة العلنية من مبادئ القرآن الكريم، ولم يجامل الله تعالى نبيه ولو أراد سبحانه لوجهه في غير القرآن- بإحدى وسائل الوحي الأخرى ومنها الرؤيا وإخبار الملك عن ربه وغير ذلك- ولكنه عاتبه في بعض المواقف منها: سورة عبس، وعند موقفه صلى الله عليه وسلم من أسرى بدر، ولما أذن للمتخلفين يوم تبوك، ولما أراد أن يصلي على المنافقين، ومن شأن هذا المبدأ القرآني الفريد أن يوثق الثقة في رسول الله وفي المنهج الرباني الذي لا يجامل ولا يحابي.
ومن هنا أوضح القرآن أنه لا يجامل أحدًا: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (سورة الحاقة آية: 44: 47)، ومن هنا قال الخليفة الأول: أطيعوني ما أطعت الله فيكم، وكذا كان عمر يحاسب ولاته- وهم قادة الأمصار- محاسبة علنية مثلما فعل مع عمرو بن العاص والي مصر، وكذا تحقيقه في شكوى أهل الكوفة من سعد بن أبي وقاص برغم عظم مكانة سعد عند الله وعند رسوله وعند المسلمين.
3- القدوة:
في يوم الحديبية: شق الأمر على المسلمين، فأشارت السيدة أم سلمة- رضي الله عنها على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج إليهم ثم يحلق وينحر أمامهم، فلما فعل صلى الله عليه ورآه المسلمون اقتدوا به وحلقوا رؤوسهم حتى كادوا يقتلون أنفسهم وهم يحلقون، وهكذا كان أثر القدوة في النفوس أعظم وأعمق من أثر أية خطبة أو موعظة أو توجيه.
4- النزول على رأي الشورى والالتزام بها: 
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرص ما يكون على مبدأ الشورى، فشاور في بدر حتى سمع رأي الأنصار وأخذ برأي الحباب بن المنذر في شأن المنزل، ورأي سعد بن معاذ في أمر العريش، ونزل على رأي الشورى في أحد رغم تقدم علمه بالهزيمة عن طريق الرؤيا، «ورؤيا الأنبياء حق» ومواقف الشورى في حياته صلى الله عليه وسلم كثيرة وهي تطبيق لقول الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (سورة آل عمران آية: ١٥٩).
5- الثقة المتبادلة في الصف والجنود:
في صلح الحديبية: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رسولاً منه إلى قريش، فقال بعض الصحابة: يطوف عثمان، فقال لهم رسول الله لن يطوف عثمان إلا معنا، ولما عاد عثمان تبين أن قریش عرضت عليه أن يطوف بالبيت فرفض أن يسبق رسول الله والمسلمين بالطواف، وصدقت فيه ثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
6- الوجود المستمر بين الجنود والقرب منهم:
مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا مع جابر بن عبد الله الأنصاري فسأله عن الزواج، فقال جابر تزوجت يا رسول الله، فسأله: «أبكر أم ثيب؟» فأجاب :جابر بل ثيب فقال صلى الله عليه وسلم: «ألا بكرًا تلاعبها وتلاعبك»، وفي رواية: «أما لك في العذاري ولعابها» «أو كما قال صلى الله عليه وسلم»، وموقفه مع جابر أيضًا عندما تأخر خلف الجيش فتأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفقده ثم دار الحديث عن الناقة التي اشتراها منه الرسول ثم وهبها له.
من هذه المواقف وغيرها نرى كيف يكون القائد موجودًا داخل الصف وبين الجنود والأتباع، وكيف يعيش بينهم جميعًا فيلتمسوا منه القدوة مباشرة دون الحاجة إلى نقل أو ترجمان أو وسيط يحكي عن أفعاله وخصاله.
7- المعرفة بحاجات الأفراد وعدم الاستئثار بشيء دونهم ولو كان يسيرًا:
إن موقفه صلى الله عليه وسلم يوم الخندق لما شعر جابر بشدة جوع الرسول ونصبه فدعاه منفردًا- حسب المتوافر من الطعام لديه- إلى طعام، فنادى رسول الله في أهل الخندق: إن جابرًا قد أعد لكم صنيعًا، وكل كتاب السير يتوقفون مع هذه الحادثة عند حد البركة والمعجزة، برغم أن المعنى الكبير يكمن في مشاركة الجنود في السراء والضراء وعدم الاستئثار بالخير دونهم، فليست القيادة وجاهة اجتماعية ولا حاجة نفسية بل هي مسؤولية الأب وحنانه ورأفته بأبنائه.
لقد كانت عامة الأمثلة المذكورة من سيرة النبي وهو الرسول الذي لا ينطق عن الهوى والثقة به من أبجديات الإيمان وهو المعصوم صلى الله عليه وسلم، أما القيادة البشرية التي تصيب وتخطئ فهي أحوج ما تكون إلى هذه العوامل لتحصل على ثقة أتباعها، وهذه كلمة الإمام مالك: «كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم»، ويبقى بعد هذه العوامل عامل خاص بالجنود والأتباع ألا وهو:
حُسن ظن الجنود بالقيادة نابع من حسن ظنهم بأنفسهم:
فلو ظن الرجل بنفسه خيرًا لأمن في أعماق نفسه أن قادته خير منه، وليس أدل على ذلك من موقف أبي أيوب الأنصاري وزوجته- رضي الله عنهما- عندما ظنا خيرًا لدى حادثة الإفك: ﴿ لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ (سورة النور آية: ١٢).
 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

169

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الشباب المتهم!!

نشر في العدد 67

166

الثلاثاء 06-يوليو-1971

هذا مَا نريده يا وزارة الإعلام

نشر في العدد 500

206

الثلاثاء 07-أكتوبر-1980

طرق في التربية