; أسواق وسماسرة.. ولكن!! | مجلة المجتمع

العنوان أسواق وسماسرة.. ولكن!!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أغسطس-1994

مشاهدات 89

نشر في العدد 1110

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 02-أغسطس-1994

أسواق الشرق الأوسط السياسية عامرة بالمنتجات المستوردة، والسلع الجاهزة، ولكنها للأسف كلها سلع خاسرة تالفة مهلكة، وسماسرتنا يتهافتون عليها تهافت الذباب على الجيف، ويتسابقون إليها تسابق المجانين إلى الحتوف، وقد يسائل الإنسان العربي نفسه لماذا تروج عندنا دون غيرنا البضاعة التالفة والسلع المزجاة؟ ولماذا تستملحها العقول، وتستطعمها الأمزجة، رغم أنها مهلكة مميتة، والسبب في نظري واضح، وإن كان محيرًا وظاهرًا وإن كان غريبًا!

أولًا: لأننا أدمنا على البضاعة الفاسدة، ومرنا على المواد المهلكة، كما يتعود المرء على المخدر، ويهيم السكران بالإدمان، وفيه حتفه وبه نهايته، وتأتي سماسرة المخدرات لتلقي في روع الضحية أنها سعيدة وهنية ومحظوظة.

ثانيًا: الإحباط الذي يلازم الأمة العربية: الأسباب كثيرة ومعروفة منها المجرم الذي يتوارى خلف الخطوط الحمراء، ولا يستطيع أحد في الشرق اقترابه، ومنها ما يستطيع الباحث المدقق المنصف أن يفصح عنه، أو يتكلم فيه من ذلك:

1- الشلل التام الذي أصاب النظام العربي الإقليمي الذي أصبح في أسوأ حالاته الآن بعد أن تعرض إلى امتحان عسير، ومحنة كبيرة لم يستطع الخروج منها حتى الآن «فالأمن العربي القومي واتفاقية الدفاع المشترك أصبحت أضحوكة ولعبة سخيفة عندما اندفعت الأنظمة العربية في مواجهات عسكرية مع بعضها البعض» وغزا وتحالف بعضها ضد بعض مع قوى من خارج النظام العربي لرد العدوان، ولم يستطع النظام العربي تضميد جراحه، أو لم شمله حتى الآن، بل تجري محاولات من قوى كثيرة مشبوهة لمد هذه الانقسامات إلى المستويات الشعبية.

2- العمل العربي المشترك ومعظم مؤسسات الجامعة العربية أصبحت نصبًا تذكارية وهياكل رمزية تتحلى بالعجز الكامل، حيث لم تستطع تضميد الجراح العربية المتزايدة أو إيقاف نزيفها الدامي، وأصبحت تعاني من اختراقات ووصايا أوروبية وأمريكية حتى وإسرائيلية.

3- الوضع العربي على المستوى القطري -وبدرجات مختلفة- لم يعد لديه ثوابت ولا خطوط حمراء أو مشاريع قومية لا تستطيع الأنظمة تجاوزها، بل أصبحت سوق المحرمات مفتوحة على مصراعيها، وما كانت تفعله سرًا أصبحت تجهر به تنطلق من نظرة قطرية آنية ضيقة، أو من أهواء، أو من عقد خوف، أو من مصلحة حاكم أو نظام بغض النظر عن النتائج المترتبة على الأقطار العربية الأخرى، أو حتى على شعوب تلك الأقطار، أو ظلمتها على المدى المتوسط أو البعيد، وأمامنا اليوم التسارع الفردي فيما يسمى بعملية السلام الذي هدم كل المحرمات، واخترق الخطوط الحمراء والصفراء وألوان الطيف.

4- معظم الشعوب العربية في أقطارها المختلفة إلا من رحم ربك مغيبة بدرجة أو بأخرى عن المشاركة في صنع القرارات المصيرية، كما أن الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في تلك الأقطار مستمرة ومتزايدة، وتجنح الكثير من السياسات المتبعة على صعيد الأمن الداخلي إلى التسرع والارتجال والقهر، والبعد عن استرضاء الجماهير ورفع معاناتهم.

5- رغم فشل هذه الأنظمة، وفشل طروحاتها العلمانية أو القومية أو الارتجالية بدرجات كبيرة في تحقيق أي هدف أو تنمية لشعوبها، ورغم ما أوصلتها إلى ما هي عليه من تهميش، ورغم ادعاء بعضها للديمقراطية، وتداول السلطة فإنها الأطول عمرًا والأسوأ حظًا في تاريخ الحكم العربي المعاصر، مما كرس الفشل، وعمق الانهزام، وزرع اليأس.

6- كثير من الأنظمة العربية هي ما بين خائفة، أو مرعوبة، أو مخترقة، أو تابعة، أو محاصرة من القوى العظمى المسيطرة على النظام العالمي، وهذا ما جعل إيقاع الأمة وخطوها مرتجفًا ومرتعشًا وغير فاعل، وهمش، وألغى الدور العربي القومي والعالمي، بل أطمع فيها كل مغامر، وتسبب في سحق شعوبها نفسيًا وعقليًا واجتماعيًا، وساعد على هذا عدة عوامل مهمة نذكر منها ما يلي:

1- غياب قوة عربية رادعة ومجربة ومستعدة للدفاع عن الأمة وإرهاب العدو، ويساندها قوى شعبية ودبلوماسية قادرة.

2- اختلال البعد التقني، فالأمة متأخرة تقنيًا وتكنولوجيًا صناعيًا، وزراعيًا وحربيًا، وفي كثير من المجالات- كل ذلك جعلها مشلولة، ومحتاجة وغير مواكبة.

3- طموح «إسرائيل» وتفوقها التقني ومساعدة الشعوب القوية لها كل ذلك فتح شهيتها للقهر والتوسع على حساب الأمة العربية، وتسبب في الإحباط العربي، وخاصة لبعض القمم التي لم تستطع أن تستثمر طاقات الشعوب أو إبداعات الأفراد، فاعتراها الإحباط، ولا عجب إذا نظرنا إلى تلك القمم التي كان يفترض أنها الصفوة والعزيمة- تسارع إلى هدم الثوابت، وتقوم بدور السمسار في عملية السلام، ومن كان يصدق أن تكون سماسرة اليهود على هذا المستوى الرفيع؟ ومن كان يصدق أن السوق العربية تبور فيها شعارات الوطنية وشعارات التحرر، وتروج فيها سلعة العمالة، وتجارة القهر، وتمرح فيها سماسرة الضياع؟ ومن كان يصدق أن ينفرط عقد الأمة وطموحاتها وغاياتها وعزتها إلى هذا الحد، ويصبح العدو صديقًا والصديق عدوًا بغير سبب أو حق، فتتعمق العداوة بين الشعوب العربية، ولا وساطة أو سمسرة، وتفتح الصدور والدور، وتهش القلوب وتبش للعدو، وتسرح السماسرة وتمرح وهذا جرم «ويا خيبة من وفق راسين في الحرام» ولكن هل هذا سيحل المشكلة، ويرفع الكارثة، أم إنها مقدمات الطوفان؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

314

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1134

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان