; أسلم في أواخر حياته وأوصى بدفنه كمسلم .. حقيقة إسلام الأديب الروسي تولستي | مجلة المجتمع

العنوان أسلم في أواخر حياته وأوصى بدفنه كمسلم .. حقيقة إسلام الأديب الروسي تولستي

الكاتب أورخان محمد علي

تاريخ النشر السبت 05-أغسطس-2006

مشاهدات 61

نشر في العدد 1713

نشر في الصفحة 38

السبت 05-أغسطس-2006


الحكومة الروسية عملت جاهدة على إخفاء حقيقة إسلامه لتفادي إثارة حب الإسلام والإعجاب به بين أفراد المجتمع الروسي وتحول الكثيرين إلى الإسلام

وحدث أنه عثر على كتاب للعالم الهندي «عبد الله السهروردي» جمع فيه مختارات من أحاديث الرسول ﷺ تحت عنوان (أحاديث الرسول محمد ﷺوقد أعجب تولستوي بهذه الأحاديث وبصاحبها إعجابًا شديدًا. الدرجة أنه اختار بعض هذه الأحاديث وجمعها في رسالة صغيرة نشرها عام ١٩٠٩م باللغة الروسية في دار نشر «بوسريندك».

وهناك احتمال قوي بأنه اعتنق الإسلام حسب رأي أديبة روسية مهتدية اسمها «فالاريا بروهوفا» كانت قد تزوجت من عربي وقضت مع زوجها ۱۱ عامًا في المملكة العربية السعودية، وأتقنت اللغة العربية، وقامت بترجمة القرآن إلى اللغة الروسية.

إعجابه بالإسلام

وتقول الأديبة «فالاريا بروهوفاء» إن تولستوي قد أسلم في أواخر حياته بعد قيامه بدراسة الإسلام، وأوصى أن يدفن كمسلم وتستدل على ذلك بعدم وجود إشارة الصليب على شاهد قبره. وقد بذلت الحكومة الروسية جهدها في إخفاء هذه الحقيقة؛ خوفًا من انتشار خبر إسلامه، الذي كان سيحدث تيارًا من حب الإسلام بين أفراد المجتمع الروسي المعجبين بكتاباته. ومع أن كتب وروايات تولستوي طبعت كلها مرات متعددة، إلا أن الرسالة الصغيرة لم تطبع ثانية.

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي تم طبع الرسالة بالروسية عام ١٩٩٠م، وفي عام ۲۰۰۵م قامت دار نشر تركية في إسطنبول بترجمة هذه الرسالة إلى اللغة التركية ومما يذكر أن تولستوي لم يعجب بالفلسفة الشيوعية التي كانت قد انتشرت بسرعة بين المثقفين الروس آنذاك، ولم يجد فيها ما يشبع عقله وقلبه وروحه، بل فضل الإسلام عليها ولعل رسائله التي كتبها إلى إحدى القارئات توضح مدى إعجابه بالإسلام، وربما اعتناقه له في أغلب الاحتمالات.

قصة رسالة

كانت السيدة يلينا وكيلوفا سيدة روسية مسيحية، متزوجة من الجنرال إبراهيم آغا وهو مسلم تركي من أذربيجان. وكان القانون الروسي يعطي الحق للآباء والأمهات بتسجيل أولادهم في الدين الذي يرغبون به ويختارونه

إن كان الزوجان ينتسبان إلى دينين مختلفين. 

ولما كانت السيدة يلينا معجبة بأفكار تولستوي إعجابًا كبيرًا، أرسلت إليه برسالة جاء فيها : «أستاذنا المحبوب ليو تولستوي لا أجد الكلمات المناسبة للاعتذار لإزعاجكم بهذه الرسالة، وقد اضطررت لمراسلتكم، لأن الحياة واجهتني بمشكلة لا طاقة لي بها إنني الآن في الخمسين من عمري وأم لثلاثة أولاد وزوجي مسلم، غير أن زواجنا قانوني (أي لم تتزوج زواجًا دينيًا) وأولادي مسجلون كمسيحيين، وابنتي في الثالثة عشرة من عمرها وابني الثاني (٢٣عامًا) يدرس في المعهد التكنولوجي في بطرسبرج، والآخر عمره ٢٢ عامًا، وهو ضابط في المدرسة العسكرية في موسكو، وأولادي يرغبون أخذ إذني في التحول إلى الإسلام، ولا أدري ماذا أفعل إن هذا التحول ممكن في هذه الأيام. كما أعلم أن العلاقات سيئة مع الأجانب الذين يعيشون هنا . وظهور هذه الفكرة عندهم - أي فكرة تحول الأبناء إلى الدين الإسلامي - لیست نابعة من مشاكل عائلية، ولم يدفعهم إلى هذا أي مصلحة دنيوية أو منفعة مادية ولكنهم يحملون نية مساعدة شعب التتار الذي يعاني الجهل. ولكن اختلاف الدين هو الذي يمنعهم من الامتزاج والاختلاط بهذا الشعب ومساعدته. وأنا أخشى أن تدفع أفكاري الشخصية الخاطئة أبنائي إلى طريق سيئ إنني وحيدة مع أحزاني... آه... آه لو استطعت أن أنقل لكم ما أكابده من آلام وأحزان وأنقل لكم الصراع المحتدم في أعماق نفسي». 

ورد تولستوي على تلك الرسالة في 15/٣/1909م، قائلًا: «إلى يلينا وكيلوفا لا يسعني سوى الشعور بالتقدير والإعجاب لرغبة أبنائكم في مساعدة الشعب التتري في رفع وعيه ولا أستطيع بيان مدى ضرورة قبول أبنائكم للإسلام، وعلى أن أقول بشكل عام إن تقديم بيان الحكومة حول الدين الذي ينتسب إليه الشخص يجب أن يسبقه أولًا إيمان الشخص بذلك الدين. ولا أرى ضروري قيام أبنائكم (بعد أن فضلوا الدين الإسلام على الدين المسيحي، أي بعد أن انتقلوا من دين لآخر) تقديم أي معلومات في هذا الخصوص إلى أي جهة لذا فعلى الأبناء إعطاء القرار بخصوص إعلام الجهات الرسمية بهذا أو عدم إعلامها.

رؤية تولوستوي للإسلام

أما إذا جئنا إلى أفضلية الدين الإسلامي على الدين المسيحي، وإلى النية السامية لأبنائكم فإنني أؤيد هذا من كل قلبي، وقد يكون صدور هذا الكلام من شخص يقدر القيم المسيحية غريبًا، ولكن علي أن أقول بأنني واثق جدًا بأن الإسلام يبدو متفوقًا على الدين المسيحي الذي تقدمه الكنيسة بدرجة لا يمكن قياسها ولو وضع أمام أي شخص حرية الاختيار بين الدين الإسلامي ومسيحية الكنيسة لكان على كل شخص عاقل اختيار الدين الإسلامي الذي له إله واحد ونبي واحد، وليس اختيار الدين المسيحي بثالوثه الغامض على الفهم والإدراك، وبمراسيمه في غفران الذنوب وبشعائره الدينية، وبتوسلاته لأم المسيح وبعبادة صور القديسين العديدين. 

إن كل فرد من الأفراد، بل إن الإنسانية جمعاء، وكذلك الشعور الديني الذي يشكل قاعدة حياة الناس يتجه نحو التكامل ونحو النضوج. وكل شيء في الحياة يتطور ويتكامل. 

أما تطور الدين وتكامله فيتم باتجاهه نحو النقاء والبساطة، وكونه مفهومًا، وتخلصه من كل ما يجعله غامضًا. لقد سعى جميع مبلغي الأديان وواضعو أسسها منذ القدم إلى تطهير الحقائق الدينية من كل ما يجعلها غامضة». 

ثم يستعرض تولستوي أهم الأديان، ويرى أن هذا الفهم الصحيح كان موجوداً لدى واضعي أو مبلغي هذه الأديان، فأشار إلى کتاب فادا (كتاب الدين الهندوسي)، وموجود لدى موسى عليه السلام وبوذا وكونفوشيوس ولاوتوز وفي المسيحية وفي تعاليم محمد ﷺ ولكن أتى من بعدهم من أخلوا بصفاء هذه الأديان، حيث تراكمت عليها الخرافات وذكر أن الدين الإسلامي أقل هذه الأديان تعرضًا للخرافات وأكثرها صفاء.

وكرر تولستوي ذكر إعجابه للعديد من أصدقائه، فمثلًا نرى طبيبه الخاص الدكتور دب. ماكوفينسكي الذي عمل عنده لستة أعوام، عندما نشر كتابه (مع تولستوي في سنوات ۱۹۰٤-۱۹۱۰) سجل فيه الحوارات التي تبادلها تولستوي مع أصدقائه الزائرين له. نشر هذا الكتاب في موسكو عام ١٩٧٩م في أربعة مجلدات وأفرد المجلد الثالث لمسامرات تولستوي مع أصدقائه.

رسالة أم

في صفحة ٣٥٦ من المجلد الثالث يرد ذكر عائلة إبراهيم آغا وأحزان زوجته. يقول طبيب تولستوي: في يوم ١٣ مارس عام ۱۹۰۹م، قال تولستوي لأصدقائه: «تلقيت رسالة من أم تقول إن والد أولادها مسلم وهي مسيحية ولها ابنان أحدهما طالب والآخر ضابط، ويرغب كلاهما في الانتقال إلى الدين الإسلامي» قالت صوفيا أندريافنا: «لعلهما يريدان الانتقال إلى الإسلام ليتمكنا من الزواج من أكثر من زوجة واحدة». 

قال تولستوي: «وماذا يهم؟ عندنا عدد كبير ممن يعدد زوجاته لقد وضحت أشياء كثيرة لدي عند التفكير في هذه الرسالة لقد ظهر لدي بأن محمدًا كان يسمو على المسيحية في كل وقت إنه لم يعد الإنسان إلهًا، ولم يعادل بينه وبين الله. يقول المسلمون: «لا إله إلا الله محمد رسول الله لا تجد هنا معضلة ولا سرًا غامضًا». 

قالت صوفيا: أيهما أفضل المسيحية أم الإسلام؟ أجاب تولستوي: «الأمر واضح بالنسبة لي الإسلام أفضل وأسمى بكثير». 

وبعد صمت قصير قال: «عندما نقارن بين المسيحية والإسلام نرى أن الإسلام يسبق المسيحية ويسمو عليها لقد ساعدني الإسلام كثيرًا».

تولستي في سطور

ولد ليو تولستوي في ٢٨ أغسطس عام ۱۸۲۸م في مدينة «تولا» في منطقة «باساتيا بوليانا» جنوبي موسكو، وهو الابن الرابع لعائلته الغنية، فقد أمه وهو طفل فاهتم والده الكونت «نيكولاي تولستوي» بتعليمه، وفي التاسعة من عمره توفي والده مسمومًا. ثم فقد والدة أبيه فاهتمت به وبإخوته أسرة عمته.

بدأ بدراسة اللغات الشرقية في جامعة قازان عام ١٨٤٤م.

ترك نفسه في هذه الفترة الحرجة من شبابه لحياة اللهو وانقطع عن الدراسة في الجامعة، وفي السنة التالية بدأ بدراسة القانون ولكنه لم ينتظم في الدراسة فطرد من الجامعة.

في عام ١٨٥١م ذهب إلى قفقاسيا التي عاش فيها أجمل سنوات عمره، اطلع على حياة وعادات المسلمين هناك، وانتظم خلالها في المدرسة العسكرية هناك.

في عام ١٨٥٣م كلف بالاشتراك في حرب ضد العثمانيين، كما اشترك في عام ١٨٥٤م في حرب القرم التي هزمت فيها روسيا. وفي عام ١٨٥٦م ترك خدمة الجيش.

كتب أول كتاب له عام ١٨٥١م وكان حول ذكريات طفولته تحت عنوان «الطفولة» وانعكس تأثره بطراز وأسلوب حياة الشعب القفقاسي في روايتيه «الحاج مراد» و «القازاق»، أما ذكرياته عن حرب القرم فقد أدرجها في كتاب «حكايات سيفاستبول» الذي نشره عام ١٨٥٥م.

في عام ١٨٥٧م بدأ سياحة طويلة في أوروبا، فزار ألمانيا أولًا ثم إنجلترا وسويسرا وبلجيكا، والتقى بأدباء هذه البلدان وبمفكريها، ثم عاد إلى روسيا عام ١٨٦١م وتزوج في السنة التالية من «صوفيا» وهي ابنة طبيب مشهور وبعد الزواج انقطع تمامًا إلى الكتابة في بيته في المزرعة.

بدأ عام ١٨٦٣م بكتابة روايته الخالدة «الحرب والسلام»  وأتمها عام ١٨٦٩م.

في عام ۱۸۷۳م بدأ بروايته الأخرى «آنا كارنينا» وأتمها بعد ثلاث سنوات ثم كتب «اعترافاتي» ومن بعده روايته «البعث» عام ١٨٧٦م وتعد من آثاره المتميزة.

في هذه السنوات حدث تغيير عميق في نظرته إلى الحياة وإلى الموت، وبدأ يهتم بالفكر وبالفلسفة الدينية. وسجل نظرته الجديدة هذه في كتب وروايات وقصص عديدة منها «ما الدين؟» و«موت إيفان إليج» و«بماذا يعيش الإنسان» و«مانيفيستو الموت». 

في عام ۱۹۱۰ قرر التوجه إلى بلغاريا بعد ترك زوجته عن طريق «أوديسا إسطنبول» لكنه أصيب وهو في الطريق بالسل من جراء برد الشتاء. وفي 20/۱۱/1910م توفي في غرفة بسيطة في محطة قطار «آستابوفو».

الرابط المختصر :