العنوان أسرار نكشفها
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1980
مشاهدات 99
نشر في العدد 487
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 01-يوليو-1980
- من أسرار العمل الصالح أن تخلص لله وتعمل في الخفاء.
- «إني لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين! فمن كانت له حاجة فليحضرني في مسجدي» البخاري.
- للسيرة أسرار كثيرة أقلها التأثير العملي في الإنسان.
الإنسان مطلق الإنسان يبحث عن أسرار في القديم والحديث، ولكن حقيقة البحث وطبيعته تختلف من إنسان لآخر، كل حسب اهتماماته وتصوراته، وكما قيل: همك على قدر ما أهمك، خواطرك من جنس همك. فهذا إنسان يبحث في أسرار الكون والحياة وعلاقة الإنسان بها، وذاك آخر يبحث في أسرار الناس وحياتهم الخاصة، وهكذا الناس... أما نحن اليوم فنبحث في أسرار أمرين فقط، وحسبنا بذلك أن نفتح الباب للبحث في أسرار تعود بالخير على الإنسان في الدنيا والآخرة.
أسرار العمل الصالح
إن للعمل الصالح طرقًا كثيرة بينها الكتاب ووضحتها السنة... وليس موضوعنا تفصيلها، بل ما سنتطرق إليه هو بعض من أسرار هذا النوع من العمل التي يغفل عنها كثير من الناس.. وهم بذلك يظنون أن لهم رصيدًا كبيرًا من الأعمال، فإذا أتوها يوم القيامة وجدوها سرابًا لا حقيقة له -والعياذ بالله- ولهذا الأمر ولأهميته نذكر هذه الأسرار التي منها:
1- الإخلاص في القصد والعمل.
2- موافقة الشرع في الأعمال.
وهذان الأصلان كثر فيهما الكلام واستفاض؛ ولكننا نكتفي بالقول: إن العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصًا لوجه الله، وموافقًا لشرعه، فلو تخلف أحد هذين الأصلين بطل العمل، فالمخلص مهما بلغ من إخلاصه، إن لم يوافق الشرع فعمله مردود، وكذلك من وافق الشرع ودقق بالنصوص إن تخلف عنصر الإخلاص فعمله مردود.
3- العمل بالخفاء... وهو أمر قد غفل عنه كثير من الدعاة... ومن أدلة عظمة ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في أجر أحد الأفراد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهو رجل تصدق بيمينه فأخفى ما تصدق حتى لا تعلم شماله... فما السر في هذا الأجر العظيم؟ وما السبب في تظليل الله لهم؟ هل هو الإنفاق فقط؟
كلا.. بل من منطوق الحديث ومفهومه نتبين أمرًا عظيمًا أحاط بالإنفاق، فجعل له هذا الأجر، إنه الخفاء في العمل، والتعامل مع رب لا تخفى عليه خافية، ومن أدلة هذا الأمر كذلك قصة الثلاثة الذين أغلقت عليهم الصخرة باب الكهف... حيث عمد كل واحد منهم إلى أن يتذكر عملًا صالحًا كان يرجو به وجه الله ليفرج الله به هذه الصخرة... فما تذكروا وما قالوا إلا الأمور التي كان لا يعلمها إلا الله، فهذا يذكر قصته مع والديه وسقايته اللبن لهما والسهر عندهما، وذاك قصته مع الفتاة التي اختلى بها وتمكن منها... وهكذا ذكر الثلاثة هذه الأعمال فانفرجت الصخرة... فلماذا لم يتذكر هؤلاء النفر إلا هذه الأعمال؟ السبب واضح، وهو كونها أقرب إلى الإخلاص، وهي بذلك خالية من الرياء... وبهذا تبين سر الخفاء في العمل.
الاعتزاز بالعمل الصالح
فيترفع صاحبه عن مجالسة أصحاب الجور والطغيان، ويكون كما كان ابن تيمية رحمه الله حيث يوصف بأنه ليس برجل محافل يزهى بعبارات الإعجاب والإطراء، ويستهويه أن يتجمع حوله الأتباع والأشياع؛ وإنما هو رجل حق يزول معه حيثما زال، ويميل أينما مال.. هو رجل يسير بالطريق المستقيم لا توحشه قلة السالكين، وينأى عن الطريق المنحرف، ولا يغتر بكثرة الهالكين... فهو كما يقول عن نفسه: رجل ملة، لا رجل دولة... وكما كان البخاري رحمه الله عندما طلب منه وإلي نيسابور أن يحمل إليه كتاب الجامع والتاريخ ليسمع منه، فأبى وقال: «إني لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كانت له حاجة فليحضرني في مسجدي»، فكان ذلك سبب الوحشة بينهما.
هذه بعض من أسرار العمل الصالح، ومن يبحث يجد!
سر فعالية السيرة
من الأسرار العجيبة في السيرة أن الإنسان عندما يسرح في قراءتها متنقلًا في رياض سيرة ابن هشام، أو معارك وغزوات باشميل، ثم في فتوحات أحمد عادل كمال، معرجًا على نفحات ابن الجوزي في مناقب المصطفى صلى الله عليه وسلم، مكملها بما امتاز به الإمام الممتحن، متفقهًا بسيرة محمد الغزالي... أقول: عند القراءة في هذه الكتب وأمثالها... تقشعر الأبدان، وترتجف القلوب، فإذا الدموع الساخنة تتلألأ على سبحات الوجه، وقوة عظيمة تحرك الوجدان لتبعث فيه نفحات حب العمل والتضحية، وإذا بأحلام اليقظة تأخذ بالقارئ إلى حيث المواقف التي يعيش فيها من خلال قراءته ويجدها مسطرة بأحرف قد صفت على ورق ينتقل من مكان إلى مكان... فيرى نفسه حاملًا للسلاح يقاتل في القادسية، أو ممسكًا بحلي زوجته وقوت أولاده متبرعًا به للجيش الإسلامي الذي يقاتل لتحرير الشام من التتار... وهكذا تفعل السيرة في حياة الناس من مستمع وقارئ، فما السر في ذلك؟ ولماذا لا نرى المستمع للقرآن، والباحث في الحديث والمقلب لا مهانة يتأثر التأثر السابق الذي ذكرناه؟
إنه أمر لا بد من الوقوف والتأمل فيه.. فهو واقع لا تغمض العين عنه، ثم نفكر هل في ذلك تعارض مع ما أخبرنا به الرب تبارك وتعالى عن القرآن أنه: ﴿لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 2) وقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185) وقوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (آل عمران: 164) وقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 23) وقوله: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر: 21) وغيرها من آيات الذكر الحكيم التي تبين أثر القرآن الكريم.
أقول: ليس هناك تعارض بل هو سر لا بد من فهمه، وهو: «أن السيرة النبوية، ومواقف الصحابة والسلف الصالح رضي الله عنهم ما هي إلا الترجمان الحقيقي العملي لآي الفرقان العظيم، فأخلاقيات وسلوكيات الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته ليست منفكة عن المحجة البيضاء، بل هي التطبيق والامتثال لما تركه لنا النبي صلى الله عليه وسلم، وقس على ذلك بقية السير... وعلى هذا فالتأثر بالسيرة إنما هو في حقيقة الأمر عيش مع الآيات والأحاديث في تطبيقها العملي الذي من أجله نزلت كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: «كنا لا نتجاوز العشر الآيات من القرآن حتى نحفظها ونطبقها...».
وليزداد هذا الأمر وضوحًا نضرب بعضًا من الصور التقريبية... لو قام خطيب بين الناس وبدأ يتكلم عن الإنفاق في سبيل الله، مستشهدًا بآيات وأحاديث وقصص من السيرة، ثم أتت فرقة من المسرح الإسلامي وصاغت نفس ما ذكره الخطيب باستشهاداته بفاصل مسرحي محكم، فأي الأمرين أكثر تأثيرًا في الناس؟
وصورة أخرى.. لو قام مجاهد من المحاربين للطواغيت في بلد ما يبين ما يقوم به زبانية الجزارين في أقبية السجون من تعذيب وتنكيل للمسلمين، وأخذ يصف بكل ما أعطاه الله من قوة في البيان هذا الأمر، ثم أتى إلى نفس الحاضرين مجموعة من المجاهدين قد هربوا من سراديب التشريح والتشويه، وعرضوا آثار تسلط المجرمين عليهم، فأي الأمرين أكثر تأثيرًا في الحضور؟
وصورة أخرى لو أنك جمعت نفرًا من الشباب وقرأت عليهم قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ...﴾ الآية (التوبة: 24)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ...﴾ الآية (التوبة: 52). وحدثته بقوله صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الله، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك...» الحديث... هذه نصوص واضحة في أن معناها حيث المسلم يجب أن يعتقد بأن النفع والضر من الله سبحانه وحده، وأن على المسلم أن يعتلي على جميع القوى المؤثرة، فيثبت على عقيدته ومنهجه وتصوراته، لا يثنيه عن ذلك رحم مقرب، ولا شهوة ساقطة، ولا مال، فإن هذا هو ما توحيه النصوص من معان.
ثم بعد ذلك ذكرت هذه الآيات والأحاديث مطعمة بمواقف من سيرة الرعيل الأول؛ كقصة خالد بن سعيد بن العاص مع أبيه، وقصة مصعب مع أمه خناس بنت مالك، وكذلك ما قاله سعد بن أبي وقاص لأمه: «تعلمين والله يا أمة لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني هذا لشيء، فكلي إن شئت، أو لا تأكلي»... فأي الموقفين أكثر تأثيرًا في النفوس؟
ثم بعد ذلك، لعل الأمر قد وضح والسر قد بان، كما أنه ليس لمعترض أن يقول بأن الرعيل الأول كان يسمع الآيات والأحاديث فقط، ومع ذلك فهو الجيل الفذ والنموذج الأصيل الفريد، ليس له ذلك... لأن ذلك الجيل هو خير القرون مصداقًا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم...» الحديث، كما أن الحياة العملية الجهادية هي التطبيق العملي للكتاب والسنة، فهم كانوا يرون السيرة، ونحن اليوم نقرأ السيرة!
هذا سر من أسرار السيرة، وذاك سر في العمل الصالح... وهناك أمور خفية لا تعد نحن بحاجة إلى معرفتها، سواء كانت في الموضوعات التي في الكتب أو في واقع الحياة التي نعيشها، فهل من مشمر لكشف هذه الأسرار؟!