; أسرار في حياة السيدة لطيفة الصولي زوجة الإمام البنا | مجلة المجتمع

العنوان أسرار في حياة السيدة لطيفة الصولي زوجة الإمام البنا

الكاتب ناهد إمام

تاريخ النشر السبت 08-فبراير-2003

مشاهدات 70

نشر في العدد 1538

نشر في الصفحة 62

السبت 08-فبراير-2003

كان من شمائلها الحفاظ على أسرار الإمام وتأمين عمله الدعوي 

أقامت بيتًا مسلمًا كان نموذجًا طيبًا وضربت القدوة في التصدي للطواغيت 

أعانت زوجها على الطاعة وكانت تقول إنها موفقة بفضل دعائه لها وتسعى لإصلاح ذات البين 

توفاها ربها بعد ستة وثلاثين عامًا من زواجها بالإمام حسن البنا يرحمه الله، فعاشت رحلة مليئة بالجهاد والصبر، وضربت أروع المثل في التفاني في الدعوة إلى الله سواء في حياة الشهيد أو بعد مماته دون أن يؤثر فيها اغتيال زوج أو ملاحقات طاغوت.. إنها السيدة لطيفة ابنة الحاج حسين الصولي أحد رجال محافظة الإسماعيلية الأتقياء، والتي شاء الله أن تكون رفيقة درب الإمام الشهيد.

عاشت السيدة لطيفة في أسرة خدمت الدعوة، وفي بيتها ترعرعت نواة حركة الإخوان المسلمين، ومن ثنايا دارها فاحت روائح الطيب كلها، فكانت من السابقات في مضمار الدعوة، كما كانت لها وقفات إيمانية تدل على جهادها وصبرها، وقد عزفت عن الشهرة، فلم يكتب عنها كلمة في حينها.

بداية التعارف

ذهبت أم الإمام البنا في زيارة إلى أهل الحاج حسين الصولي، وسمعت صوت فتاة تقرأ القرآن بصوت خاشع، فانجذبت نفسها إليه، وأحبتها، وتأثرت بنبتة هذا البيت الطيب، ونقلت إلى ابنها أن هذه الفتاة جديرة بأن تكون زوجة له، ولم تكن الآنسة لطيفة تدرك أن صوتها الخاشع سيكون رسولها إلى قلب الإمام أيضًا بعد أن فهمت أمه ماذا يريد ابنها من مواصفات في رفيقة الدرب والحياة.

 في خلال شهر وعشرة أيام من عام ١٩٣٢م تم البناء السعيد. وكم كانت سعيدة وهي تنتقل إلى بيت زوجها الذي سمعت عنه قبل أن تراه.. سمعت عن حسن البنا العابد المتصوف، الداعية المتحرك، المصلح، الخطيب المفوه والأديب الفذ والزعيم السياسي المتعدد المواهب، صاحب الروح المشعة بالنور كالماس، كما عرفت عنه الرقة والإنسانية والسخاء، فكانت رغبتها الجارفة في زوج يسير في هذا الخط، إذ كان لديها حس مرهف وذوق رفيع وحسن استعداد للسير في الخط نفسه حتى من الله عليها بما تريد..

زواج مثالي

أيقنت السيدة لطيفة منذ أول وهلة أن الزواج وسيلة تتقرب بها إلى الله تعالى، وأن حسن طاعتها لزوجها يدخلها الجنة، وكان من أهدافها إقامة بيت مسلم يكون نموذجًا طيبًا، وتكون هي قدوة لبنات جنسها.. وكانت تدرك أنها زوجة رجل دعوة ومؤمنة بقول النبي ﷺ: «لو كنت أمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها». كما أدركت أن حسن تبعلها لزوجها نوع من الجهاد.

لذا استطاعت كزوجة أن تفهم دورها نحو زوجها وبيتها جيدًا فحققت السكينة والمودة والرحمة وأعانت زوجها على الطاعة والبر في التكاليف الربانية وأبدعت في تقديم هذه الواجبات خاصة عندما كان الزوج يقوم بدوره في إعلاء كلمة الحق ودعوة الناس للخير.

مما عرف عنها أنها كانت ريحانة يشعر بها الإمام بمجرد أن يدخل البيت حين تقبل عليه بروح جميلة متفاعلة، وكانت تقدر لزوجها قوامته فلم ترفع عليه صوتًا.

تجملت بالسكينة القلبية والرضا والقناعة والحياء بل شاركت زوجها في قيام الليل والتهجد ولم تكن تنام إلا وهو راض عنها. 

عُرف عنها حرصها على تنظيم البيت في كل شؤونه، وكانت تذكر لزوجها دائما أنها موفقة بفضل دعاته لها وتوجيهاته، كما أثر عنها المودة الشديدة والتقدير لأهله وذويه وكانت تقول: إنهم أهدوا لها أجمل هدية في حياتها.

أجمل ما كان فيها الحفاظ على أسراره، وتأمين عمله الدعوي بوعي، وإدراك لطبيعة رسالته العظيمة، وبرغم هذا كله كانت تهتم بمظهره، وملبسه وتتقن ما يحتاجه البيت من مهارات نسائية سواء في تربية الأولاد ورعايتهم أو ما يخص البيت من إعداد طعام وغيره.

شهد لها من عايشها بشدة اهتمامها بالضيوف دون امتعاض برغم كثرة ترددهم على البيت أو مفاجأتهم بالحضور، بل كانت تكرمهم وترحب بهم.

جهودها في الدعوة

انتقلت السيدة لطيفة الصولي إلى القاهرة في عام الزواج (۱۹۳۲م) نفسه، فكانت الزوجة المتفانية التي أدت دورها خير أداء، ولم تكن يوما ما حائلًا دون نشاطه، بل كم قضت أيامًا وليالي بمفردها أو مع صغارها، والزوج مشغول بدعوته.. مطمئن إلى أن ظهره محمي بالله أولًا ثم بزوجة اختارها الله له لتشد من أزره، وتدفعه لأداء واجبه ودعوته.

 وكانت تسعى لإصلاح ذات البين بين الأخوات، وتعطي المثل والصورة المشرقة المضيئة التي تعيد سيرة السلف الصالح من الداعيات العاملات للإسلام، ولم تقل رعايتها لأبناء الدعوة، وغيرهم عن خدمتها لأولادها، بل كان الجميع قرة عين لها، وكانت الدعوة شغلها الشاغل، وهمها الأول.

كم بذلت قصارى جهدها في حدود إمكانات زوجها الصالح الكريم للتخفيف عن المعوزين وتقديم العون لهم، ولم تتردد في دعم أي مشروع خيري قدر المستطاع، ولم تحتقر شيئًا أو تتوقف عن فعله إذا اقتنعت بأهميته.

بعد رحيل زوجها الشهيد كانت تحاول قدر ما تستطيع إغاثة الملهوف وإعانة المحتاج، وكثيراً ما توسطت في تشغيل العاطلين وتلمست حوائج المحتاجين.

ومن هذه الجهود عندما ابتلى الله تعالى الإخوان بمحنة ١٩٤٨م، واُعتقل عدد كبير منهم، لم يهدأ بال «أم سيف» حتى اقترض زوجها ١٥٠ جنيها، ودفعها إلى الشيخ عبد اللطيف الشعشاعي واعظ قسم الأخوات ليوزعها على أسر الإخوان المعتقلين.

وقتها كان الإمام حسن البنا يقسم راتبه المعقول إلى ثلاثة أقسام: ثلث للبيت، وثلث للدعوة، وثلث لأقاربه، وكانت الزوجة الكريمة تعينه على بره بأهله وكرمه، وخطته تلك.

صبرها على البلاء

واجهت «أم سيف» المحن المتعاقبة بإيمان راسخ، ورباطة جأش، وتوكل على الله. فكانت مثالًا للزوجة الصابرة المؤمنة بقضاء الله وقدره، ومن القلائل المؤمنات بمقابلة الشدائد بالصبر لأنه نصف الإيمان تأسيًا بمن سبقنها على درب الدعوة، ولم تقنط من رحمة ربها بل كانت حسنة الظن به موقنة أن رحمة الله أقرب وأسرع مما يظن العباد، وكانت تذكر دائما القول المأثور: «عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه فينظر إليهم قانطين «يائسين» فيظل يضحك يعلم أن فرجهم قريب فيدفعها ذلك إلى حسن الصلة بالله واللجوء إليه. 

اكتملت فصول المحنة والبلاء باغتيال الزوج الحبيب «٤٢ عامًا» بمؤامرة دولية نفذتها أيد داخلية في الثاني عشر من فبراير ١٩٤٨م. حينها منعوا كل المحبين والمريدين والاتباع من السير في جنازته سوى الزوجة المكلومة والبنات والوالد المسن والمحامي القبطي الشهير مكرم عبيد. 

يحمل رجال الطاغوت الجثمان الطاهر شاهرين أسلحتهم في وجه امرأة عزلاء إلا من إيمانها وقوة صبرها واستعانتها بالله ومقابلتها المحنة بصبر وجلد.. تفنن الطغاة في إلحاق الأذى بها وبأهله، فقد فرضوا الحراسة سنوات عدة على بيته حتى كان الصغار يذهبون إلى المدرسة تحت نظر ومراقبة الشرطة، بل قطعوا خطوط الهاتف عن البيت، وأصدروا قرارًا بأن البيت الذي يسكنونه آيل للسقوط- برغم أن حالته كانت جيدة - لينقلوهم من مكان يدفع فيه أجر زهيد لا يتجاوز ٢١٦ قرشًا إلى بيت يدفع فيه عشرة جنيهات فيكون ذلك عبئًا جديدًا على الأسرة وضغطًا نفسيًا ومعنويًا بعد أن وجدت الأسرة نفسها في العراء.. وتستمر رحلة الابتلاء باعتقال ابنها سيف الإسلام عام ١٩٦٥م ثم يفرج عنه بعد تدخل أحد قادة الجيش ولكن مع تحديد إقامته وفرض الحراسة على بيته.. فقابلت ذلك كله بجلد ورباطة جأش.

جهاد تربية الأبناء

أنجبت المجاهدة الصابرة سبعة أبناء من الذرية المباركة إضافة إلى الملايين من محبي دعوة الإخوان، ومن أبنائها: سيف الإسلام حسن البنا المحامي والنقابي المعروف، ووفاء زوجة الداعية الراحل سعيد رمضان.. وثناء الأستاذة بكلية البنات في مصر.. وهالة الأستاذة بكلية الطب... ورجاء خريجة كلية البنات. وتوفي في الصغر محمد حسام الدين، وصفاء، وقد ألحدهما الإمام البنا بنفسه، واحتسبهما الوالدان عند الله تعالى بصبر ورضا وتسليم، عسى أن يكونا ذخرًا لهما في الجنة بإذن الله تعالى. 

كانت السيدة لطيفة شديدة العناية بأسرتها وأولادها وماتت راضية عنهم ودعت لهم بكل الخير في حياتهم وأخراهم، وكانت تصون أولادها من كل سلوك يغاير كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ، وتغرس في نفوسهم المحافظة على الوقت بشكل دقيق كما تحافظ على صحتهم، كما كانت تتعاون مع زوجها الشهيد في عمل ملف لكل فرد بالأسرة يضم جميع أوراقه «شهادة الميلاد وتواريخ التطعيم والروشتات الطبية والشهادات الدراسية وغير ذلك».

تعلمت من زوجها المربي ألا تكون الأوامر مباشرة للأولاد في التوجيه لكن بلسان الحال والتلميح وتقديم المثل والقدوة واستغلال المواقف والقصص الجميل أسوة بالنبي الكريم وصحبه الكرام والسلف الصالح. 

أخيرًا: كان من أبرز سماتها في تربية أولادها - يرحمها الله - حثهم على صلة الأرحام بل كانت تحصيهم عدداً وتصــحـبـهم في زيارة الأقارب.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل