; أسرار على الخارطة في مرحلة ما بعد حرب الخليج | مجلة المجتمع

العنوان أسرار على الخارطة في مرحلة ما بعد حرب الخليج

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1988

مشاهدات 75

نشر في العدد 880

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 30-أغسطس-1988

الأحداث تتسارع ليس في منطقة الشرق الأوسط وحدها بل على الرقعة العالمية بأسرها متجهة اتجاها واحدا ومنبئة بذلك عن اتفاق بين الكبار على تهدئة اللعبة فيما بينهما في نطاق الصراع التقليدي على تقاسم النفوذ في العالم الكبير!! ويبدو للمتتبع للأحداث أن الروس والأمريكان قد وضعوا قواعد جديدة للتعامل مع الأزمات والحروب الإقليمية والمحلية التي يشكل تصاعدها تهديدا للسلم العالمي ويهدد بتوريطهما فيها، وبناء عليه لا نبعد على الحقيقة إذا قلنا إن ما نشهده من تحرك القطع على رقعة الشطرنج العالمية إنما يتم تماشيا مع الاتفاقات التي توصل إليها الروس والأمريكان في قمة موسكو الأخيرة إن لم يكن تطبيقا وتنفيذا لها.

وإذا كنا نتطلع إلى ملامح المرحلة القادمة ونتساءل عن الرسم الجديد لخارطة منطقتنا السياسية فإن السؤال الأهم بالنسبة لنا هو: هل نترك القوى العظمى ترسم لنا خطوط المرحلة القادمة وتصوغ لنا مستقبلنا خلالها من منظورها المصلحي الغني عن التعريف؟ أم أن لنا دورًا مهمًّاوأساسيا يجب أن نضطلع به في تحريك الأحداث وتوجيهها الوجهة التي نرتضيها وفق أهدافنا الكبرى ومصالحنا العليا ووفق منظورنا الذي يجب أن يهتدي بالدين الإسلامي الحنيف وبأحداث تاريخنا قديمه وحديثه؟؟

صمت المدافع على أكثر من جبهة:

من الدلائل والمؤشرات على بداية مرحلة الانفراج الدولي والعالمي بين القوتين العظميين نتيجة الاتفاقات التي أشرنا إليها صمت المدافع على أكثر من جبهة وفي نفس الوقت فقد تقرر أن تصمت مدافع الخليج يوم ۲۰ أغسطس وأن ينتقل المتحاربان إلى مائدة التفاوض بجنيف وقبل ذلك بأيام معدودة صمتت المدافع في أنغولا بعد تدخل مباشر من غورباتشوف الذي «نصح» أصدقاءه الكوبيين والأنغوليين بالجلوس إلى طاولة المفاوضات مع جنوب أفريقيا، ومن المنتظر أن تصمت المدافع في أمريكا الوسطى وأن يتم الاتفاق على هدنة خطط لها رئيس كوستاريكا الحاصل على جائزة نوبل للسلام عام ۱۹۸۷، وفي أفغانستان بعد أن فشل الاتحاد السوفياتي في تثبيت نظام كابول يفتح انسحاب الجيش الأحمر من هذه البلاد المجاهدة ملفا جديدا للقضية الأفغانية. وليس للروس إرادة في هذا الانسحاب، وإنما جاء قرارهم بسبب إصرار المجاهدين على تحرير بلادهم، ولكن إذا لم تصل بعد رياح السلام إلى مناطق أخرى مثل أريتريا والسلفادور ونيكاراغوا فإن صمت مدافع الخليج وحدها يكفي مؤشرًا على مرحلة الانفراج في المنطقة العربية ولا سيما الخليج ومنطقة الشرق الأوسط.

سعي لاستباق الأحداث:

المطلعون على شؤون الشرق الأوسط يقولون إن الروس والأمريكان اهتموا كثيرًا في قمة موسكو الأخيرة بحرب الخليج، وقرروا العمل على إيقافها منذ السنة الماضية ولكن إيران تلكأت رغم الضغوط السوفياتية والتطميع الأمريكي وقد سارع العراق أثناء السنة الماضية لاسترجاع أراضيه وتحقيق مكاسب عسكرية قبل أن تحين ساعة صمت المدافع ولا شك أنه سيدخل رواق السجال الدبلوماسي معززًا بانتصاراته العسكرية وتحريره لأرضه.

على أن تنفيذ قرار وقف الحرب العراقية الإيرانية ينطوي على انطفاء أدوار بعض اللاعبين الإقليميين في منطقة الشرق الأوسط. والذين كانوا يلعبون منذ مدة أدوارا مختلفة تتراوح بين الظهور بمظهر الساعي للسلم، وبين اللعب بالنار من وراء الستار، والمراقبون الدوليون يسألون اليوم:

ماذا بقي من مهمة أولئك اللاعبين بالنار؟

إن الشطر الأكبر من دورهم ينتهي بالتنفيذ الفعلي لقرار وقف إطلاق النار بين العراق وإيران، ولعل من مندوحة القول أن هناك تصورًا دوليا برزت خيوطه واضحة لإيجاد الموازنة الإقليمية في المنطقة. وأن المسار الدولي الجديد بشأن القضية الفلسطينية سيلغي أدوارا محورية كانت منذ زمن تلعب بالقضية وتتاجر بها، ولا يعني ذلك أن قضية فلسطين ستوضع «دوليًا» بأيد أمينة هذه المرة؟ لذا سيبقى السؤال مطروحا: من سيظهر. ومن سيختفي في المرحلة القادمة؟

على أن معظم المراقبين للخارطة السياسية في الساحة العربية يؤكدون أن كل من حظي بالانتعاش والقدرة على التحرك طيلة سنوات حرب الخليج المرة، فإنه لا بد وأن ينطفئ بانطفائها. لأن لكل مرحلة نظامًا ولكل دور رجل جديد، ومن هذه القاعدة التي يؤكد عليها المراقبون فإن مرحلة ما بعد الحرب العراقية الإيرانية لا بد وأن تشهد تطورات سياسية أساسية على مستوى المحاور الفاعلة في صنع القرار. وهنا نبتهل إلى الله سبحانه أن يجعل المرحلة القادمة خيرًا من المرحلة المنصرمة.

وأن يولي على الشعوب المنكوبة خيارها والله ولي التوفيق.

الرابط المختصر :