العنوان أستراليا.. إندونيسيا حرب القلق والتوجس
الكاتب صهيب جاسم
تاريخ النشر السبت 02-نوفمبر-2002
مشاهدات 67
نشر في العدد 1525
نشر في الصفحة 36
السبت 02-نوفمبر-2002
مشاريع فضائية أسترالية في جزيرة «الكريسميس» تمكنها من مراقبة الجزر الإندونيسية لأهداف استخباراتية
خبير أسترالي يعترف: منظمات أسترالية غير حكومية تدعم الحركات الانفصالية الإندونيسية
يظل الدور الأسترالي في إندونيسيا رأس الحربة بالنسبة للسياسة الأمريكية تجاه بلاد الأرخبيل الكبير وقد زاد من قوة هذا الدور انفجار بالي الأخير الذي أودى بحياة ١٨٧ قتيلاً و٣٠٩ من الجرحى عدد كبير منهم من الأستراليين ومنذ أن سقط الرئيس الإندونيسي الأسبق سوهارتو في مايو ۱۹۹۸م وكانبيرا تنطلق في جهود مكثفة ومتنوعة في شتى المجالات تدخلاً في الشؤون الداخلية بعضها يبدو في شكل معونات عبر مشاريع إغاثية واجتماعية ضيقة وبعضها رسميًا في صورة اجتماعات ومحاولات للتنسيق في بعض الملفات لكن الوجه الأخطر هو ما يجرح سيادة ووحدة البلاد في ظل تسميات عديدة وهذا ما يجدد قلق الإندونيسيين من كل سحابة تهب من الجنوب مهما كان زعم الأستراليين في تفسيرها ومحاولة تجميلها.
ويأتي التقارب الأمريكي الأسترالي المتزايد ليرفع من درجة حرارة التوجس الإندونيسي، ففي مطلع أغسطس الماضي أعلنت الخارجية الأسترالية أن سیاستها الخارجية بدأت تتغير عما كانت عليه في الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم حينما كانت تركز على شرق آسيا، وبدلاً من ذلك فإن التركيز على التحالف مع واشنطن سيظل السنوات القادمة محور علاقتها الخارجية، حسبما يرى رئيس الوزراء الأسترالي جون هوارد منذ أن جاء إلى الحكم منذ عام ١٩٩٦م، إذ لم يتوان في محاولاته إثبات الولاء للبيت الأبيض خصوصاً بعد اندلاع الأزمة الآسيوية قبل 5 أعوام ثم أحداث سبتمبر ۲۰۰۱م ومشاركة القوات الأسترالية في الحرب على أفغانستان، وبينما كانت الورقة الأسترالية البيضاء، لعام ۱۹۹۷م قد اعتبرت أمريكا وإندونيسيا والصين واليابان دولاً ذات مصالح مهمة مشتركة بالنسبة لأستراليا وبدرجة متساوية فإن الورقة البيضاء لعام ٢٠٠٢م لم تضع أي دولة في هذه المنزلة فيما عدا الولايات المتحدة.
مركز فضائي بالقرب من إندونيسيا
ومؤخرًا عادت الحكومة الأسترالية لمحاولتها طمأنة الحكومة الإندونيسية بشأن قلق جاكرتا من قيام شركة أسترالية فضائية بتأسيس قاعدة لإطلاق السفن والأقمار الصناعية الفضائية على أرض جزيرة الكريسميس الأسترالية الواقعة في المحيط الهندي بالقرب من الجزر الإندونيسية وفي اجتماع أمني ثنائي عقد يوم 24/ 9 الماضي بين مسؤولين من البلدين عبر الإندونيسيون لنظرائهم الأستراليين عن قلقهم إزاء الأهداف الحقيقية للمشاريع الفضائية التي
يعد لها من جزيرة الكريسميس، والتي يمكن من خلالها مراقبة الجزر الإندونيسية لأهداف سياسية واستخباراتية أو غيرها، مطالبين إياهم بإيضاح تبريرات كافية لتلك المشاريع، خصوصًا أنها تقع إلى الجنوب الغربي لجزيرة جاوا الشرقية وتبعد عن العاصمة جاكرتا ٣٦٠ كم فقط ولهذا يمكن الوصول إليها بقوارب الصيد.
وقال مكارم ويبيسونو المدير العام لشؤون آسيا والمحيط الهادي وإفريقيا في وزارة الخارجية الإندونيسية: إننا نعي رغبتهم في بناء قاعدة إطلاق لكننا بحاجة إلى أن يضمنوا لنا عدم وجود أخطار من جراء أنشطتها كما تدعي أستراليا.. ويسبب قرب الجزيرة الأسترالية من الجزر الإندونيسية فإن أي خطأ في عملية الإطلاق سيتسبب في نتائج كارثية في أراضينا الإندونيسية خاصة أنها قريبة من جاوا أكثر الجزر الإندونيسية من ناحية الكثافة السكانية.
وكانت كانبيرا في تصريحات سابقة لمسؤوليها قد أكدت استمرارها في المشروع الفضائي بالجزيرة الذي يقوم على التعاون مع الحكومة والمؤسسات الروسية المختصة، غير أنها لم تقدم لجاكرتا ما تطالب به حکومتها من خطة تفصيلية للمشروع ودراسة عن درجة سلامته وعدم تهديده لأمن سكان جزيرة جاوا الإندونيسية. وتقول المعلومات التي أعدتها وكالة الفضائيات الإندونيسية إن قاعدة إطلاق الصواريخ والسفن الفضائية معرضة لأخطاء تتراوح نسبتها ما بين ١٠ إلى ٢٠%.
وقد كرر مكارم هذا المطلب بقوله: إننا نسعى لأن نتعاون مع أستراليا لمعرفة الأخطار الممكنة لنتعاون في العمل على تفاديها والاستجابة لها حال حدوثها مشيرًا إلى الحاجة إلى محادثات بهذا الشأن لإبعاد قلقهم بشأن إقامة مثل هذا المشروع ذي البعد العسكري في جزيرة بالقرب من إندونيسيا بدلاً من تشييده في إحدى مناطق أستراليا الشاسعة!
لا جدوى من الطمأنة
ومن جانبها حاولت أستراليا طمأنة الحكومة الإندونيسية عبر سفارتها بجاكرتا التي وزعت على عدد من وسائل الإعلام رسالة توضيحية يوم ٩/٢٥ الماضي، لكنها لم تبد مقنعة للإندونيسيين خصوصًا أنها لم تأت على لسان مسؤول رفيع، حيث أشارت إلى أن المركز الفضائي لآسيا والمحيط الهادي، وهو الشركة القائمة على تأسيس قاعدة إطلاق فضائية في جزيرة الكريسميس شركة خاصة لا تعمل على تحقيق أية أهداف عسكرية، وأنه لا توجد هناك علاقة بأطراف روسية مع الشركة، كما أنكرت السفارة مساهمة الحكومة الأسترالية بالمشروع فيما عدا المساهمة بكلفة البنية التحتية العامة في الجزيرة.
وقال مسؤول العلاقات العامة بالسفارة إن القاعدة الفضائية في الجزيرة ذات أهداف مدنيـة الإطلاق أقمار صناعية تجارية، وأن إجراءات السلامة في الجزيرة هي من الأكثر صرامة في العالم، وأن منصة صاروخ زويوس الذي على متنه ستطلق سفينة أورورا الفضائية قد حققت نسبة نجاح وسلامة قدرها ۱۰۰% على مدى الأعوام الخمسة الماضية وبنسبة 98,7% على مدى العقد الماضي، وادعى المسؤول الأسترالي بالسفارة أن الفائدة التجارية لهذا المشروع ليست حكرًا على السوق الأسترالية ولكنها ستشمل إندونيسيا والدول المجاورة.
الشركة تكذب حكومتها
لكن زيارة موقع المركز الفضائي المذكور على الإنترنت http://www.apsc2orbit.com يوضح سبب تشكيك أطراف إندونيسية في صحة ما تدعيه الحكومة الأسترالية عن القاعدة الفضائية بالجزيرة ففيما يخص العلاقة مع المؤسسات الروسية الفضائية والحكومة الروسية يؤكد الموقع أن الشركة التي تأسست في عام ١٩٩٧م لها مراكز ومكاتب في كاليفورنيا وموسكو وسيدني، وأنها تستخدم تقنيات المنصات الروسية للإطلاق كما تقوم الشركة بالعمل بالشراكة التقنية مع وكالة الطيران والفضاء الروسية و۳ شركات روسية أخرى وشركة أوروبية يعدون أهم 5 شركاء للشركة الأسترالية.
كما يؤكد الموقع أن المركز الفضائي في جزيرة الكريسميس يلقى دعمًا قويًا من قبل الحكومتين الأسترالية والروسية في إطار النظام الدولي لإدارة تقنيات الصواريخ وأن ۲۰۰ خبير روسي سيعملون في المركز الفضائي، ويشير الموقع في بيان صحفي له صادر بتاريخ ٢٠٠١/٥/٢٣م إلى اتفاقية التعاون في مجال استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي لأهداف سلمية بين روسيا وأستراليا.
ومع بدء بناء منصة الإطلاق على جزيرة الكريسميس هذا العام فإن عمليات الإطلاق الفعلية ستبدأ في عام ٢٠٠٤م والتي ستستمر بسبب الطقس والموقع المناسبين للجزيرة على مدار العام، وتهدف الحكومة الأسترالية على المدى البعيد إلى أن تصبح لاعبًا رئيسًا في عالم الفضائيات المحتكر من قبل الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية وروسيا وأخيرًا الصين واليابان، خصوصًا مع تنامي سوق الأقمار الصناعية في آسيا لأهداف عديدة.
دعم انفصال أكبر أقاليم إندونيسيا
وعلى الصعيد الداخلي في إندونيسيا لم تتوقف جهات أسترالية عن السعي لتفكيك إندونيسيا، فقد كشف المدير التنفيذي لمعهد الشؤون العامة في كانبيرا بأستراليا في تصريحات له يوم ٢١ من سبتمبر الماضي عن قيام العديد من المنظمات غير الحكومية الأسترالية بدعم الحركات الانفصالية في إندونيسيا عمومًا، مشيرًا إلى أن هدفهم الرئيس الحالي هو تأييد فصل إقليم إربان جايا أو ما يطلق عليه اليوم بابوا الغربية، وذلك بعد نجاح هذه المنظمات بالمشاركة في فصل تيمور الشرقية عن إندونيسيا.
وقال الدكتور مايك ناهان إن هذه المنظمات التي يتزعمها أو يقف وراءها كبار الشخصيات المعروفة في بلاده تحصل على تمويل من قبل الحكومة الأسترالية وهو الأمر الذي دفعه لانتقاد قيام هذه المنظمات بعدم الاكتفاء بميزانياتها الذاتية والاعتماد على دعم الحكومة لها في تأييدها لحركات الانفصال في الأرخبيل الإندونيسي، مشيرًا إلى أن هناك فرق بين الحصول على أموال من الحكومة لتمويل مشاريع اجتماعية وإنسانية وبين استغلال هذه الأموال لتمويل تيارات سياسية معينة.
واستذكر مايك ناهان- وهو معلق وكاتب معروف ارتبط اسمه منذ ١٢ عامًا بأقدم مراكز التفكير الأسترالية- الدور الذي قامت به المنظمات الأسترالية غير الحكومية بتدويل قضية تيمور الشرقية الإقليم الإندونيسي الذي انفصل في سبتمبر من عام ١٩٩٩م بإشراف الأمم المتحدة، وذلك بعد أن عملت هذه المنظمات جنبًا إلى جنب مع منظمات غربية غير حكومية وتنصيرية أخرى وبالتحالف مع وسائل الإعلام التي وضعت القضية التيمورية تحت الأضواء حتى تبنتها حكومات أمريكا والبرتغال وأستراليا وغيرها.
وذكر دناهان عددًا من أسماء هذه المنظمات التي ما تزال تسعى لتقسيم الأرخبيل الإندونيسي ومن بينها منظمة الشعب الأسترالي للعون الصحي والتعليمي والتنموي «إي بي إتش إي دي إيه» وهي المرتبطة بـ «الاتحاد التجاري الأسترالي» الذي بدوره يتسلم تمويلاً ماليًا من العون الأسترالي، التابع لوزارة الخارجية الأسترالية.
وقد اعترفت منظمة الشعب الأسترالي، في تقريرها السنوي الأخير بدعمها للمشاريع الانفصالية في بابوا الغربية الإندونيسية والصحراء الغربية المغربية، فعلى سبيل المثال وفي الفترة ما بين عامي ١٩٩٩-۲۰۰۰م وجهت هذه المنظمة ما يزيد على ٤.٤ مليون دولار أسترالي للحركات الانفصالية في إندونيسيا، كما تمتد نشاطاتها إلى التحرك بين العمال الإندونيسيين في عموم البلاد حيث عقدت لبعضهم دورات تدريبية في مدينة باندونج الجاوية، وكان لها يد في العديد من النزاعات العمالية بما فيها مظاهرات فندق شانغريلا المعروفة في أواخر عام ٢٠٠٠م.
كما اتهم ناهان- وله مقالات وأحاديث إذاعية أسبوعية بأستراليا- أيضًا مؤسسة المتطوعون الأستراليون الدولية، بدعمها بصورة سرية الحركات الانفصالية بإندونيسيا وباستخدام أموال الحكومة الأسترالية المخصصة لإعانة شعب إندونيسيا في ذلك. وأشار ناهان في هذا الصدد إلى ما قامت به كريستي سورد التي كانت تقيم في إقليم تيمور الشرقية قبل انفصاله تحت غطاء عملها كناشطة اجتماعية ومدرسة. غير أنها في الحقيقة كانت على اتصال بالانفصاليين التيموريين وأعانتهم في تحقيق أهدافهم ومن ذلك اتصالها مبكرًا بالزعيم التيموري الثوري زنانا غوسما وحتى تزوجته والذي اختارته الولايات المتحدة وأستراليا ليكون رئيسًا لتيمور الشرقية العام الماضي.
ويشار أيضًا إلى وجود منظمات أخرى عديدة ومن بينها الرابطة الأسترالية لبابوا الغربية، التي تعلن أنها منظمة غير حكومية غير دينية تعمل على دعم آمال وطموحات سكان بابوا الغربية، وتنشط هذه الرابطة في عمل الدفاع عن مطالبهم والدعاية لقـضـــايـاهـم فـي وسائل الإعلام والمنتديات وتمويل أنشطة شبابية وطلابية وصحية خاصة بالبابويين بما فيهم المغتربين منهم في بابوا غينيا الجديدة المجاورة لإقليمهم من جهة الشرق.
كما تعلن الرابطة أنها تنسق عمل جماعات الضغط على الحكومة الأسترالية لتغير موقف الصداقة مع الحكومة الإندونيسية بشأن القضية البابوية ودوليًا تنسق عملها مع منظمات مماثلة في السويد وهولندا والفلبين وبريطانيا وأمريكا واليابان وتحاول الاستفادة من المنظمات التي نجحت في فصل تيمور الشرقية عن إندونيسيا.
جذب الأنظار!
وكانت السلطات الإندونيسية قد بدأت في منتصف الشهر الجاري تحقيقات لمعرفة العلاقة بين زيارة شخصيات بابوية انفصالية إلى أستراليا وبين مقتل معلمين أمريكيين وثالث إندونيسي يوم ١/٣١ الماضي رميًا بالرصاص بالقرب من مناجم فريبورت الأمريكية في إقليم بابوا الغربية نفسه، وقد أمر الوزير المنسق للشؤون السياسية والأمنية الإندونيسي بامبانغ سوسيلو يودوهونو بفتح ملف التحقيق في زيارة شخصيات بابوية قبل يوم من عملية قتل المعلمين الثلاثة والذين قاموا بالزيارة إلى سيدني بحجة حضور مؤتمر عن الوفاق ومنع الصراعات.
كما طالب كبير الدبلوماسيين الإندونيسيين في أستراليا حكومة كانبيرا عاصمة أستراليا بتجميد أي حسابات ترتبط بمنظمة بابوا الحرة الانفصالية واصفًا إياها بالإرهابية، وكرر تائب رئيس البعثة الدبلوماسية عمران كاتون ما تقوله حكومة جاكرتا من أن عمليات القتل الأخيرة هي تكرار لما تقوم به المنظمات لجذب أنظار الرأي العام الغربي والعالمي لصالح مطالب الانفصال.
بابوا الغربية؟
الجدير بالذكر أن بابوا الغربية الواقعة في أقصى الشرق الإندونيسي وتبعد عاصمتها جايا بورا عن جاكرتا ٣٥٢٠ كم، وتشكل النصف الغربي من جزيرة بابوا ثاني أكبر الجزر في العالم، وهي أكبر الأقاليم الإندونيسية مساحة ٤١٠ آلاف كم مربع حيث تمثل ۲۱% من مساحة الأرخبيل الإندونيسي، غير أن غالبية أراضيها غير مسكونة، حيث تعد الكثافة السكانية فيها الأقل مقارنة بالأقاليم والجزر الإندونيسية الأخرى وفيها أكثر غابات العالم كثافة وتنوعًا، وفيها من المرتفعات والهضاب والبحيرات ما يجعلها من أجمل مناطق العالم الاستوائية.
ويقطن بابوا الغربية أكثر من ٥٠ جماعة إثنية ينتمون معظمهم إلى الجنس الماليني الأقرب إلى الإفريقي ويقدر مجموعهم بـ ٢,٤ مليون نسمة فقط وكثير منهم بدائيون في حياتهم وهم وثنيون في ديانته في الأصل، غير أن حركات التنصير نشطت بينهم حيث صارت تعرف بعض مناطقها بوجود البروتستانت ومناطق أخرى بوجود الكاثوليك فيها مع وجود نشاط للدعوة الإسلامية لكنه أقل بكثير من نشاط البعثات التنصيرية والتي ينسق بعضها عمله مع منظمة بابوا الحرة الانفصالية.