; أساليب وطرق التنمية الذاتية للقيادة- ١١-: كيف سمت الأمة وساد رجالها؟ | مجلة المجتمع

العنوان أساليب وطرق التنمية الذاتية للقيادة- ١١-: كيف سمت الأمة وساد رجالها؟

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1988

مشاهدات 82

نشر في العدد 869

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 07-يونيو-1988

في العدد الماضي ناقش فضيلة الشيخ جاسم مهلهل الياسين في الأسلوب السابع قضية التعود على حل المشاكل.

وفي هذا العدد يتابع فضيلته التحدث في الأسلوب الثامن عن تهيئة المناخ الوظيفي للعمل والعطاء، والأسلوب التاسع عن الاتصال بالقرآن والسنة:

الإمام البنا يتحدث للشباب فيقول: "لا ترتادوا الأماكن التي لا تحيا فيها عقيدتكم."

 

الأسلوب الثامن: تهيئة المناخ الوظيفي للعمل والعطاء:

من المقرر أن المناخ ليس بالضرورة أن يدركه الإنسان، ويكون خاضعًا للرؤية، ولا يقلل من فاعليته عدم رؤيته، فتهيئته ستدفع العاملين للاندفاع الذاتي، وتحقيق التوازن بين كمية الأداء والاستمرارية في تنمية المواهب والقدرات. وتهيئة المناخ تكون من خلال:

1.     الوضوح ومعرفة الأهداف والوظائف:

فالسير بخطوات واضحة يقلل الوقت في إنجاز المهمات، ويحقق المراد بأقل التكلفات، فالواجبات كثيرة والأعمار قصيرة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "العلم كثير، ولن تعيه قلوبكم، ولكن اتبعوا أحسنه، ألم تسمع قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر:18). وقال المأمون: "اكتب أحسن ما تسمع، واحفظ أحسن ما تكتب، وحدث بأحسن ما تحفظ، وهو بذلك لا يلتفت إلى المشغلات من حوله مهما تكون". قال شبيب بن شيبة: "من سمع كلمة يكرهها فسكت انقطع عنه ما يكرهه، وإن أجاب سمع أكثر ما يكره". ولهذا سمعنا الإمام البنا يتحدث للشباب فيقول: "لا ترتادوا الأماكن التي لا تحيا فيها عقيدتكم." ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (الأنعام:68). "ولا تقرأوا الصحف التي لا تناصرها، ولا تجالسوا الذين لا يزكونها، ولا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد."

2.     الالتزام والمواصلة لتحقيق الأهداف في الواقع:

فعلى سبيل المثال هدف تحقيق الأخوة الإسلامية في واقع المجتمعات لا بد له حتى يؤتي ثماره من متابعة ومواصلة. قال أخ لأخيه: "أما بعد... يا أخي فقد زرعت في قلوبنا مودتك، فتعهد زرعك بسقي الزيارة."

3.     حسن الأداء:

في تحقيق الأهداف والعمل على إنمائها لتصل لمستوى التحدي.

4.     الشعور بالمسؤولية والتبعية الملقاة على عاتقه:

مع فهم لحقيقة التقدير والمكافأة. قال الإمام أحمد رضي الله عنه: "كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيد". فهذا الشعور من الإمام أحمد بالمسؤولية ملك عليه نفسه فنسي ما هو فيه، والتفت إلى مهمته فتخطى بذلك الضعف البشري وتجاوز ذاته وهو ينظر إلى المجتمع حوله، "هذه هي نفسية القادة الكبار". وانظر معي إلى قول أبي قلابة الجرمي: "إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه، فالتمس له عذرًا جهدك، فإن لم تجد له عذرًا فقل: "لعل لأخي عذرًا لا أعلمه"، فإنه ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم منه، وتكتم خيره. فبسلامة الصدر ساد القوم". قال الفضيل بن عياض: "لم يُدرك عندنا من أدرك بكثرة صيام ولا صلاة، وإنما أُدرك بسخاء الأنفس وسلامة الصدر والنصح للأمة". وبهذا يصل إلى ما وصل إليه الإمام البخاري رحمه الله عندما قال: "المادح والذام عندي سواء".

5.     تعويد المتدرب على العيش في دائرة القرارات:

مع عيشه في أجواء الأحداث والمشكلات. يقول الإمام البنا رحمه الله: "ونحن نعلم أن رواسب القرون الماضية ونتائج الحوادث الحالية، لا يمكن أن تزول بأمنية تختلج في الصدور، أو كلمة تكتب في الصحف، بل لا بد من طول الأناة ودوام المثابرة وعظيم المثابرة والدأب على العمل، وذلك ناموس الحياة الذي لا يختلف، فالعمل الإسلامي فضل من الله، والقيادة فيه اتخاذ واختيار، فمن جاء وبذل فاز بالسبق، ومن تقاعد من المخلصين اليوم فسيلحق غدًا، وللسابق عليه الفضل، ومن رغب عن العمل الإسلامي زهادة وسخرية أو استصغارًا أو يأسًا من انتصار الدعوة فستثبت له الأيام عظيم خطئه."

6.     التواضع وعدم الاستعلاء:

إن تواضع القائد وهو يمارس دوره يعطي الأجواء التي من حوله نمطًا من السعة والبراح، بحيث ينمو كل شيء من حوله. وبهذه الروح كان يعيش القادة في الأمة الإسلامية؛ لذلك تدفقت الأجيال القيادية التي تحافظ على استمرارية الخيرية في الأمة، فما من إمام إلا تجد من حوله ومن بعده أئمة أعلام. فهذا عمرو الناقد يروي فيقول: "كنا عند وكيع، وجاء الإمام أحمد بن حنبل فقعد، وجعل يصف من تواضعه بين يديه، فقلت - عمرو - يا أبا عبد الله، إن الشيخ يكرمك فما لك لا تتكلم؟ فقال الإمام أحمد: إن كان يكرمني، فينبغي لي أن أجلسه".

وبهذه الروح كان يتعامل القادة فأوجدوا جوًا خاصًا نمت وترعرعت خصلة القيادة فيه فقادوا الأمة.

وفي غزوة ذات السلاسل دليل على ما ذكرنا، فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل ثم ألحقه بالمهاجرين وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، فلما قدموا على عمرو قال: "أنا أميركم، وأنا أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أستمده بكم". فقال المهاجرون: "بل أنت أمير أصحابك، وأبو عبيدة أمير المهاجرين". فلما رأى أبو عبيدة قال: "تعلم يا عمرو أن آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا، وإنك إن عصيتني لأطيعنك." فسلم أبو عبيدة الإمارة لعمرو بن العاص.

 

الأسلوب التاسع: الاتصال بالقرآن والسنة:

إن هذا القرآن أتى بتوجيهاته وأسسه لكي ينشئ الجماعة المسلمة الأولى وينمي القيادات البشرية من خلاله. وهذه التوجيهات والأسس ما تزال ضرورية لقيام الجماعة والقيادة المسلمة في كل مكان، وإن المعركة التي دارت حول القرآن هي المعركة ذاتها التي يمكن أن تتكرر في كل زمان ومكان، فالقرآن الكريم هو كتاب هذه الدعوة ودستورها ووسيلتها كذلك.

ويضرب الإمام حسن البنا لذلك مثلًا فيقول: "القرآن مثله مثل التيار الكهربائي فيه شحنة كهربائية تؤثر في النفوس تأثيرًا ماديًا وروحيًا، يظهر أثره الفياض على من هداه الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ﴾ (الزمر:23). وهذا التيار بحسب الاستعداد، فإذا كان الاستعداد قويًا كان التيار قويًا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (الأنفال:2)."

إن مثلنا مثل صانع الكهرباء الذي جعل بينه وبين الكهرباء حائلًا فهو لا يتأثر بها، فمهمتنا أن نكسر هذا الحائل حتى نلامس هذا القرآن وذلك بقراءته والعمل به، فإنه ينبغي لمن كان عنده مصحف أن يقرأ منه كل يوم آيات يسيرة لئلا يكون مهجورًا؛ فبهذا القرآن سمت الأمة وساد رجالها. يقول الحافظ الأعمش: "لولا القرآن وهذا العلم عندي لكنت من بقالي الكوفة".

وقد بين الشافعي أثر القرآن والسنة فقال: "من تعلم العلم عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل مقداره ومن كتب الحديث قويت حجته". والكتاب والسنة هما المشرب الأول الذي قال عنه ابن الجوزي: "من ورده رأى سائر المشارب كدره، فهما الصراط المستقيم الموصل إلى حصول المقصود، ومن سار عليه وصل". قيل للحسن: "سبقنا القوم على خيل دُهم ونحن على حُمر معقرة"، فقال: "إن كنت على طريقهم فما أسرع اللحاق بهم".

وهذا المنهج هو الذي فهمه عمر بن عبد العزيز حين ولَّى يحيى بن يحيى الغساني قضاء الموصل، فوجدها من أكبر بلاد الله تعالى تفشت فيها السرقة والحيل، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز يسأله: "أآخذ بالظنة؟" فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: "خذهم بالبينة وبالسنة، فإن لم يصلحوا فلا أصلحهم الله تعالى". فالسنة كما قال الإمام مالك: "سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق".

 

الرابط المختصر :