; أساليب معالجة الأخطاء | مجلة المجتمع

العنوان أساليب معالجة الأخطاء

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 10-مارس-1987

مشاهدات 73

نشر في العدد 808

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 10-مارس-1987

إن أي عمل مهما كان صغيرًا ومتواضعًا لا يمكن أن يكتب له النجاح ما لم يكن منظمًا وبدونه تتبعثر الجهود، ويختل الصف، وتتفرق الآراء، وتعم الفوضى والاضطراب، ويكثر الخروج من الصف، ولذلك «أوجب النبي- صلى الله عليه وسلم- تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيهًا على سائر أنواع الاجتماع. ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بالقوة والإمارة» (ابن تيمية الفتاوى 28/930)، والمقصود جريان أمور المجتمعين في الخير على نسق واحد ورأي واحد عند اختلاف الآراء وهو رأي الرئيس وإلا لما كان للأمرة معنى ولا فائدة: «بايعنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا والا ننازع الأمر أهله وأن نقول الحق أينما كنا لا نخاف لومة لائم» (سيرة ابن هشام 2/63).

الطاعة إنما هي في المعروف، مع عدم ترك المشاورة «فلم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله- صلى الله عليه وسلم» (السياسة الشرعية لابن تيمية 169).

ولابد أن يكون الحسم في قضايا الخلاف التي تنشأ لا محالة في أجواء العمل المشترك، لأن الفوضى والتسبب في معالجة الأخطاء وتلافيها معوق لسلامة السير ومؤد لتكرار الأخطاء وسريان روح التسيب واللامبالاة.

وكان من هدي النبي- صلى الله عليه وسلم- الحسم مع المخطئين ومن تأمل سيرته وسنته وجد الكثير فمنها الإرشاد إلى الخطأ بالتوجيه المباشر كقوله: «قتلوه قتلهم الله ألم يكن شفاء العي (أي الجهل) السؤال» (أبوداود)، وأحيانًا بالحث كقوله: «نعم الرجل خزيم بن فاتك لولا طول جمته وإسبال إزاره» وأحيانًا بالإشارة إلى الغائب «ما بال أقوام...» وأحيانًا بالتوبيخ «أعيرته بأمه، إنك أمرؤ فيك جاهلية..» (البخاري) وأحيانًا بالهجر وفي الموضوع وقفة لأهميته..

قال ابن بادیس: نهيُ النبي- صلى الله عليه وسلم- الصحابة عن كلام كعب بن مالك وصاحبيه دليل على وجوب هجران من ظهرت معصيته أو بدعته ومقاطعتهم وعدم السلام عليهم إلى أن يقلعوا وتظهر توبتهم تحقيرًا لهم وزجرًا.

قال الطبراني: ألا ترى نهيه عن كلامهم لتخلفهم ولم يكن ذلك كفرًا ولا ارتدادًا وإنما معصية ارتكبوها فهجروا حتى تاب الله عليهم ثم أمر بمراجعتهم. فكل من أذنب ذنبًا خالف به أمر الله ورسوله، مما لا تأويل له، وركب معصية، علم منها أنها معصية، أن يهجر غضبًا لله ورسوله لا يكلم حتى يتوب توبة ظاهرة معلومة.

قال شارح الموطأ على حديث «ولا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث» إنه عام خصص بحديث كعب بن مالك الذي هو أصل في هجر أهل البدع، ومن أحدث في الدين ما لا يرضى ومن خشي من مجالسته الضرر في الدين أو في الدنيا، والزيادة في العداوة والبغضاء، فهجرته والبعد عنه خير من قربه لأنه يحفظ عليك زلاتك ويماريك في صوابك.. ومن الأدلة أمر عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- بهجر صبيغ الذي كان يسأل عن مشكلات القرآن فكان لا يكلمه أحد.

ومازال الصحابة والتابعون يهجرون من خالف السنة. انظر رسالة الزجر في الهجر للسيوطي.. هذا إن لم يكن الخطأ بدافع الإخلاص، بل الكيد والإيذاء، فإن حسن النوايا توجب حسن الظن، وتقدير السابقة في خدمة الدعوة والتضحية في سبيلها، فيحرص على رابطة الإخوة وسلامة النفوس، فلا يؤاخذ المخطئ المخلص بقسوة، أو يعاجل بعقوبة، أو يباعد بينه وبين إخوانه بهجر وإقصاء، إنما معالجة الخطأ بالتي هي خير، فإن عاد إلى الجادة فبها ونعمت وإن أكثر الاعتراض تعين الفراق والإعراض ﴿قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾.

واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، وفي الميدان متسع للجميع.

الرابط المختصر :