العنوان أسئلة تحيرني
الكاتب عايدة العظم
تاريخ النشر السبت 12-أكتوبر-2002
مشاهدات 69
نشر في العدد 1522
نشر في الصفحة 46
السبت 12-أكتوبر-2002
ونحن صغار كلمونا كثيرًا عن عام ألفين كيف سيكون رائعًا ومختلفًا، وكم سيحمل إلينا من المفاجآت السارة السعيدة، قدموه لنا على أنه عام فيه يُغاث الناس وفيه ينعمون؛ فيه سيعم السلام فلا حروب، وستنتشر الطمأنينة فلا أوبئة ولا أمراض، وستسود التكنولوجيا فلا نصب ولا تعب، وسيسيطر النظام فلا فوضى ولا اضطراب، وستكون الحياة بعد ذلك وحتى نهاية العالم على أفضل حال وأحسن هيئة، قد أعد العلماء أنفسهم وشحذوا هممهم ليكون العام وما بعده آية في الضبط والسرعة، ومثالًا في تحقيق الراحة للإنسان في جميع مناحي حياته كالتنقل وإنجاز الأعمال والاستقرار النفسي، قرأنا عن ذلك مفصلًا في المجلات، ورأيناه مجسمًا في بعض المراكز العلمية في البلاد الأجنبية حيث توقعوا وخططوا، ثم صنعوا نماذج لما ستكون عليه المدن وحياة الناس، وسمعنا شرحًا عنه في البرامج الثقافية التي تتنبأ وترسم المستقبل، ففصلوا وبينوا ما سيكون عليه هذا العام وما بعده من المثالية والدعة.
وكم تلهفنا وتشوقنا وانتظرنا، فلما أقبل عام ألفين علينا لم يكن كما قالوا أبدًا، فلم توفر الألفية الجديدة للدول الغنية (فضلًا عن الفقيرة) ما كانت تحلم به من السعة والغنى، وما كانت تتمناه من بسط السيادة والهيمنة، وما يهمنا ويسوؤنا أن بدأت الألفية الثالثة بحرب شرسة ضد الإسلام والمسلمين، حرب تحاول أن تستأصلهم وتبيدهم ولا تبقي منهم شيئًا، والمضحك المبكي أن أولى حروب القرن بدأت في السنة الأولى منه، وإني لأسمع المسلمين يبدون تعجبهم مما يحدث من الدول القوية نحو الدول الضعيفة، فيستغربون من ظلمها ويستنكرون كيلها بمكيالين، وقد كنت أستكبر مثلهم الأمر وأتعجب منه فما يحدث في العالم حولنا من قتل وتدمير وإبادة شيء كبير حقًا وهو مستهجن على إنسان الألفية الثالثة، المتحضر الواعي، ولكني بت الآن وبعد معايشة الواقع ومراقبة سلوك الدول القوية صانعة القرار (أي وعودهم التي لم تتحقق وسلوكهم العدواني تجاهنا هذا؟ و) أرى أن ما يحدث هو الشيء المتوقع، والأمر المنتظر من مثل هؤلاء، فكيف كنت غافلة؟ نعم، فالقرآن شرح لنا بإسهاب وبين أن الإنسان إن لم يكن مؤمنًا فقد يكون منه كل شيء، فهو قد يظلم ويقتل ويحارب الله ورسوله، ويسعى في الأرض بالفساد، ويغدر وينكث العهد، ويعتدي ويسرق الأموال، من أجل ذلك لم أعد أدهش من سلوك أولئك، بل صرت أدهش ممن يأمن للكافر، ويثق بالمشرك ويستعطف العدو، ويكلمه بالمنطق، ويطالبه بالعدل والقسطاس المستقيم، فأولئك المعتدون ليست في قلوبهم رحمة، وليست لديهم العدالة، ولا يعرفون إلا مصالحهم. وبالتالي فإن كل ما يفعلونه بنا وما يصدر عنهم من أذى تجاهنا شيء طبيعي وأمر متوقع، وهو ينسجم مع منظومة الكفر، ويتماشى مع التاريخ الأسود المعروف الذي أوصلهم من الأصل إلى السيطرة، ومن ثم إلى التحكم في العالم وناسه وموارده، وإنما أضحى ما يثير استغرابي أشياء معاكسة يراها الناس عادية ويتقبلونها من مثل:
أنهم يسارعون لإنقاذ رجل أو اثنين علقا في المحيط أو حاصرتهما الثلوج، ويتحملون المشاق، ويدفعون الأموال، ويجابهون الأخطار لساعات من أجل شخصين اثنين، فلماذا لا يتركونهما ليلاقيا حتفهما؟ فقد تعودنا منهم أنهم يبيدون العشرات والمئات في دقائق.
إرسالهم المعونات إلى الشعوب أثناء ذبحها وتهجيرها، وبذلهم الأموال لإعادة الإعمار بعد الدمار والتخريب، فما لهم ولهذا؟ ألم يكونوا يتمنون موت هؤلاء ويساهمون في إبادتهم وتخريب بلادهم؟ فلم لا يتركونهم للمصير الذي ساقوهم إليه، ويدعون تلك المظاهر الزائفة التي نعرف ما وراءها؟ أم يريدون أن يميتوهم ميتة كريمة فيموتوا وقد أكلوا وشبعوا ولبسوا؟ أم يريدون أن يظهروا أمام العالم بمظهر جيد؟ فهل ما زلنا نعني لهم شيئًا بعد طول هواننا وضعفنا؟ فلنفعل شيئًا إذن.
بحوثهم الطبية ومحاولتهم شفاء الأمراض وإطالة أعمار جميع البشر حتى غرمائهم وإرسالهم البعثات الطبية التبشيرية إلى المناطق النائية الفقيرة التي يسودها الجهل، فماذا سيفيدهم إنقاذ أمثال هؤلاء من الموت؟ وبماذا سيعود عليهم تنصر أمثال هؤلاء وهم من الأصل بعيدون عن الله، ولا يملكون بعد تنصرهم ما ينصرون به الدين الجديد؟
هذا بعض ما يحيرني، ولا بد أن له تعليلًا وجيهًا لدى من يفعله، وقد أدركنا نحن شيئًا منه، ولكن الأمرين اللذين يحيراني ويثيران تساؤلاتي حقيقة وطالما فكرت بهما ولم أجد لهما جوابًا:
١. بحثهم عن إمكانية الحياة على القمر وعلى غيره من الكواكب تحسبًا وخوفًا من أن يضيق كوكبنا عن استيعاب البشر، وأن تقصر موارده عن إطعامهم وإمتاعهم، فهذا غريب منهم؛ لأنهم إن استمروا في سياسة القتل وسفك الدماء وتصفية الناس أولًا بأول وسرقة مواردهم وتفقيرهم فإن الأرض لن تعجز عن استيعاب ما تبقى من البشر، وسيبقى فيها متسع لهم ولأعوانهم ليرتعوا فيها ويتمتعوا وحدهم بثمارها وخيراتها.
٢. بحثهم عن مخلوقات أخرى في الفضاء؛ فتراهم يرسلون إشارات وتعريفات عن كوكبنا وموقعه وشكل سكانه، ويحاولون التقاط الردود، فلماذا يفعلون هذا؟ هل يريدون أن يسرقوا موارد تلك الكواكب أيضًا، أم أن التعطش للسلطان والرغبة في التحكم بعباد الله جعلهم يتوقون للسيطرة على كل مخلوق تطاله أيديهم؟ فهم يريدون تركيع ساكني الكواكب -إن وصلوا إليهم- وإذلالهم وجعلهم عبيدًا لهم، أم يريدون أن يسلطوا علينا شعوبًا أخرى تساعدهم في ذلنا وظلمنا؟ ألا يكفينا شدة بأسهم هم؟
هذا بعض ما يخطر ببالي، وليتني أجد تعليلًا أو جوابًا على الأفكار والتساؤلات تلك التي تراودني من آن لآخر فتؤرقني.