; أسئلة الاسم المستعار.. «داعش» أو العملاق بأرجل من طين | مجلة المجتمع

العنوان أسئلة الاسم المستعار.. «داعش» أو العملاق بأرجل من طين

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-2017

مشاهدات 281

نشر في العدد 2110

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 01-أغسطس-2017

عززت حرب الموصل الأخيرة الشكوك التي رافقت ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، والمعروف اختصاراً بـ»داعش» اسماً مستعاراً لها، الذي تبادلت الأطراف المختلفة في المنطقة الاتهامات بخصوصه، من قبل بعضها بعضاً، ولم تسلم دولة من الدول في المنطقة من الاتهام بالوقوف وراءه، بدءاً بالمملكة العربية السعودية، وانتهاء بإيران، مروراً بقطر وتركيا، حتى النظام السوري بقيادة «بشار الأسد» اتهم بالوقوف وراء تنظيم «داعش»، بل زعم البعض أن وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة «كونداليزا رايس» اعترفت بأن واشنطن تقف وراء «تنظيم الدولة»، الذي بسط سيطرته على أكثر من 40% من مساحة العراق، وأجزاء كبيرة من سورية، وتسبب هذا التنظيم والأطراف المتصارعة معه في تدمير أكثر من 80% من الموصل وأجزاء أخرى من المنطقة في غضون سنوات قليلة لا تزيد على 4 سنوات.

الاتهامات الموجهة إلى الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة ترددت كثيراً، لا سيما بعد أن ساءت العلاقات بين رئيس الوزراء العراقي السابق نور المالكي وواشنطن، إلى حد القطيعة، فكان «داعش»، وفق قراءات كثيرة، العصا التي تم بها تأديب المالكي والأحلام التي كانت تحدد سياساته، ولا سيما العلاقة مع إيران، والنفوذ الإيراني المتزايد في العراق وسورية.

وقد عجز الجيش العراقي الرسمي عن مواجهة «داعش»، رغم الأسلحة التي توافرت له والتدريبات التي تلقاها على يد الجيش الأمريكي طيلة السنوات الماضية، ولم يتم السيطرة على الموصل إلا بتدخل مباشر من القوات العسكرية الأمريكية ذاتها، ومضى وقت طويل في الصراع مع «داعش» استغرق نحو عام كامل، حيث دمرت مدينة الموصل بشكل شبه نهائي في هذا الحيز الزمني، بل ودمرت المدينة على رؤوس ساكنيها، بعد ممارسة أبشع أنواع الانتهاكات بحق المدنيين، وفق منظمة العفو الدولية، وكلفت العملية مليارات الدولارات التي دفعت من قوت الشعب العراقي المغلوب على أمره.

وبالتالي كانت هناك رسائل واضحة لهذه التجربة:

1- الولايات المتحدة لا يمكنها ترك العراق لإيران.

2- بإمكان واشنطن معاقبة الخارجين على خطها وإعادتهم إلى نفوذها.

3- لا يمكن حل المشكلة التي تخلقها واشنطن سوى واشنطن نفسها، من خلال تجربة إنهاء نفوذ «داعش» في الموصل والعراق.

4- بإمكان الولايات المتحدة الأمريكية تكرار تجربة «داعش» في العراق أو أي مكان آخر ما توافرت الأسباب والعملاء الذين يجيدون لعب الأدوار، ومن ثم تصفيتهم كما حصل مع بعض قادة «داعش» الذين يعتقد بأن بعضهم عملاء، وبعضهم غرّهم السلاح الذي حصلوا عليه وظنوا أنهم بإمكانهم فعل ما يريدون أو ما يحلمون به.

5- أين اختفت حشود «داعش»؟ وأين قتلاهم وأسراهم؟ فما تم نشره وبثه لا يعد شيئاً إذا علمنا أن أعدادهم بالمئات بل بالآلاف!

الفكرة والممارسة

«الدولة الإسلامية»، اسم اقترن بمآثر التاريخ الإسلامي، وبقيم العدل، والنخوة والرحمة، وقد جاء «داعش» أو ظهر أو صُنع لضرب تلك القيم، من خلال سوق النخاسة الذي أقامته للزيديات، وإجبار الناس على نمط عيش معين، دون ترك أي مجال للاختلاف، وحرق الناس، ومشاهد حرق الطيار الأردني لا تزال عالقة في الأذهان، وكان بإمكانهم قتله دون تلك الإثارة وتلك الوحشية، أو ما عرف بانتهاكات التوحش، وهو أمر لا يمكن تبريره بأفعال الخصوم المحاربين، وإذا كان التوحش يقابل بتوحش مماثل فأين التفوق؟ وما الفرق بين هذا وذاك؟

من حيث التشخيص، لم يكن أي من الأطراف المتحاربة بريئاً، الجميع متوحش ومارس التوحش، ومن حيث نسبة ذلك للإسلام، كان إساءة متعمدة للإسلام وللمبشرين بدولة إسلامية تبنيها الشعوب عن اختيار وقناعة وليس بالإكراه والتهديد والإذعان.

كيف نتجاوز «داعش»؟

من الأهمية بمكان الإشارة إلى أمر مهم للغاية، وهو الحاضنة الشعبية لـ»داعش» في العراق، وهي الموصل، والأنبار، وديالى، وصلاح الدين، فلولا وجود متعاطفين مع «داعش» لما ظل كل هذا الوقت مسيطراً على نصف العراق تقريباً، علاوة على ما يعتقد أن ضباطاً من جيش «صدام حسين» ممن ظُلموا واضطهدوا وتم إقصاؤهم من بين قادة التنظيم، ليس حباً في التنظيم، ولكنهم وجدوا فيه مطية لتحقيق كرامتهم التي ديست بالنعال من قبل الأطراف التي تحكم العراق منذ سقوط النظام السابق؛ وبالتالي فإن أفضل ما يواجه به الغزاة الصائلون هي القيم والمثل التي يزعم الغزاة أنهم جاؤوا لنشرها أو إرسائها، فإذا كانت حجتهم العدل يرد عليهم بإرساء العدل، وإذا كانت دعواهم الحريات يبادر بنشر الحريات، وإن كانت رسالته المعلنة الديمقراطية يكون السلاح المشهر في وجهه هو الديمقراطية، وقد واجه الأوروبيون «نابليون بونابرت» بنفس السلاح أو المبادئ التي زعم أنه يريد نشرها في أوروبا، وقضى 22 عاماً وهو يحارب جيرانه باسمها، وهي قيم الثورة الفرنسية عام 1789م، فكانوا يرفضونه ويواجهونه باسم الحرية والديمقراطية والمساواة، ويرفضون هيمنته تحت تلك اللافتات.

الرسالة لم تصل!

1- عندما يطالع المرء التعليقات والخطابات والمقالات في أعقاب دخول الجيش العراقي إلى الموصل يلاحظ أن الرسالة لم تصل، والدرس لم يستخلص من تجربة سيطرة «داعش» على المنطقة، حيث يستمر التفسير الطائفي لما يجري، وتستحضر المواقف الطائفية، ليس بعد ظهور «داعش»، وإنما فترة حكم «صدام حسين»، ويُتهم أهالي المناطق السُّنية بأنهم كانوا أنصاراً لـ»صدام حسين»، وأنهم قاتلوا معه ضد الأمريكيين؛ وبالتالي ظلوا معارضين بعد سقوط «صدام حسين»، وهذه المعارضة دفعتهم لأحضان «داعش».

2- الرسالة لم تصل؛ لأن الضاربين على الوتر الأيديولوجي، والراغبين في تحقيق ما لا يمكن تحقيقه وهو حياكة إسلام على المقاس.

3- الرسالة لن تصل طالما لم تتمكن الحكومات المتعاقبة في العراق من تحقيق نسبة نمو معقولة، إذ يؤكد كثيرون بأنه لم يتم خلال الـ14 عاماً الماضية تعبيد طريق واحد في بغداد فضلاً عن المحافظات العراقية الأخرى، وزادت نسب معاناة وفقر الشعب العراقي بما لم يسبق له مثيل؛ مما جعل الكثير من الشعب يترحم على أيام “صدام حسين”.

4- الرسالة لم تصل؛ لأن الانتصار على “داعش” لم يرافقه مشروع وطني يجمع ولا يفرّق، بل سمعنا محاولات لربط القيادات السُّنية في العراق بمشروع “داعش”، وأنهم فتحوا قلوبهم وعقولهم وبيوتهم لـ”داعش”.

5- يعتقد الطرف المقابل للسُّنة أنهم حُرموا من السلطة لمدة 1400 عام، وجاءت فرصتهم ليتبادلوا مواقع الاستبداد لا البناء الوطني، والتنظيم على أساس المواطنة، وقد انفرد هذا الطرف بالثروة والسلطة منذ 14 عاماً زاعمين أن السُّنة فعلوا ذلك طيلة 1400 عام، لكن الحقيقة هي أن الذين كانوا يحكمون لم يحكموا العراق على أساس أنهم سُنة، ولم يكونوا كذلك ولم يفكروا فيه، بل بأسماء أخرى معروفة تاريخياً آخرها “البعث العربي الاشتراكي” الذي لم يكن مقتصراً على السُّنة وحسب، وإن كان السُّنة تاريخياً يمثلون الأغلبية العددية لا المذهبية، فالمذهب البعثي مختلف تماماً.

6- لم تصل الرسالة؛ لأنه لم يتم الإعلان حتى الآن عن إجراءات سياسية تنهي شعور السُّنة بالتهميش والإقصاء؛ مما أحدث شرخاً يصعب ترميمه، بل هناك إجراءات تمس من الحريات وتطال ضمائر الناس.

7- لا يمكن الحديث عن رسائل إيجابية بعد نهاية “داعش” دون أن يتحدث أحد عن جرائم “الحشد الشعبي”، وضرورة أن تشملها إجراءات تقليم الأظافر، بل هناك من اعتبر “الحشد الشعبي” شريكاً في الغنيمة.

أخيراً: دوافع قيام تنظيم “داعش” لا تزال قائمة (المظالم) بشهادة منظمة العفو الدولية التي حملت الحكومة العراقية القسط الأساسي من مسؤولية إعادة إعمار العراق الذي كان تخريبه هدفاً من أهداف صناعة “الدواعش”، وكذلك رعاية أسر الضحايا، بدل الانتقام منهم، كما طالب بذلك البعض، وقد اتهمت منظمة العفو الدولية التحالف الدولي بقيادة واشنطن بارتكاب انتهاكات ترقى إلى حد جرائم الحرب.

وهكذا تغيب الدروس في مدارس الفوضى الخلاقة؛ مما يجعل إمكانية تكرار التجربة بأسماء أخرى أمراً وارداً.

الرابط المختصر :