العنوان أزمة قضاة مصر.. صرح العدالة في مواجهة استحواذ السلطة
الكاتب رضا عبدالودود
تاريخ النشر السبت 11-مارس-2006
مشاهدات 72
نشر في العدد 1692
نشر في الصفحة 26
السبت 11-مارس-2006
المستشار الخضيري: القضاة مطالبون بموقف حاسم يوم ١٧ مارس الحالي
وزير العدل يتراجع عن إجراءاته العقابية.. لكن الأزمة مازالت قائمة
السابع عشر من مارس الجاري موعد لوقفة جديدة لقضاة مصر من أجل إصلاح القضاء المصري على طريق الإصلاح الشامل في مصر. وتشهد الساحة المصرية منذ أكثر من عام حالة شد وجذب بين القضاة الإصلاحيين ونادي القضاة من جانب، ومن جانب آخر مجلس القضاء الأعلى «الحكومي» ووزير العدل الذي قرر أمام ضغوط القضاة سحب ملف التحقيق مع ثلاثة من أكبر قضاة مصر كان قد تم تحويلهم إلى نيابة أمن الدولة بتهمة سب أحد القضاة المزورين، وذلك في محاولة لتهدئة الأوضاع قبل الجمعية العمومية لنادي القضاة في ١٧ مارس الجاري، الأمر الذي رآه القضاة استباقًا لدراسة يعدها المستشار عوض محمد عوض أستاذ القانون الجنائي وعضو مجلس الدولة الأسبق تؤكد عدم دستورية نيابة أمن الدولة العليا باعتبارها مخالفة للدستور.
وكانت أزمة القضاة الثلاثة قد تفجرت عقب قرار المجلس الأعلى للقضاء يوم الأربعاء 15/2/2006 رفع الحصانة القضائية عن محمود الخضيري رئيس نادي القضاة بالإسكندرية، وهشام البسطويسي نائب رئيس محكمة النقض، ومحمود مكي عضو مجلس إدارة النادي الداعين للإصلاح السياسي والقضائي في مصر، بعد رفضهم تزوير نتائج بعض الدوائر الانتخابية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وتتعلق هذه التهمة الأخيرة ببلاغ تقدم به المستشار محمود برهام رئيس محكمة استئناف المنصورة بحق القيادات الثلاثة اتهمهم فيها بالتشهير به من خلال اتهامه بالمساعدة في «تزوير» الانتخابات في الدائرة التي كان مشرفًا فيها على العملية الانتخابية خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة.
قرار وزير العدل جاء بعد ضغوط من الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية وشعبية ومدنية مصرية، ووقوف القضاة ضد قرار الإحالة بصورة قوية وتهديدهم بالامتناع عن حضور جلساتهم ومباشرة أعمالهم.
وقد استبق مجلس القضاء الأعلى الذي يعينه رئيس الجمهورية مثار خلاف القضاة تلك الواقعة بإصدار قرارات ضد عدد من القضاة بالعزل والنقل إلى وظائف إدارية من خلال مجالس التأديب أو الصلاحية التابعة للمجلس الأعلى للقضاء، مما دفعهم لإقامة عدة دعاوى لإبطال القرارات الصادرة ضدهم تمهيدا للمطالبة بالعودة إلى وظائفهم السابقة، مستندين في دعواهم على حكم المحكمة الدستورية العليا والذي صدر في سبتمبر عام ٢٠٠٠ وقضى بعدم دستورية المادة ۸۳ من قانون السلطة القضائية الخاصة بتشكيل مجلس الصلاحية.
كان قضاة مصر قد نظموا وقفة احتجاجية أمام نادي قضاة الإسكندرية يوم الجمعة ١٧/2/ 2006 حضرها نحو ۳۰۰۰ قاض مهددين بتصعيد احتجاجهم إلى مقاطعة جلسات القضايا والامتناع عن العمل، ومطالبين بضرورة استجابة السلطة التنفيذية لمطالبهم التي ضمنوها في بيان لهم أكد: «ضرورة السماح بمناقشة مشروع قانون السلطة القضائية الذي أقره نادي قضاة مصر منذ عام ۱۹۹۱م على اعتبار أنه ينص على استقلال السلطة القضائية عن التنفيذية، واستثناء النادي من هيمنة المجلس الأعلى للقضاء وتفعيل دور الجمعيات العامة للمحاكم في اختيار رؤساء وانتخاب بعض أعضائها وانتخاب نصف أعضاء المجلس الأعلى للقضاة «مقابل تعيين جميع الأعضاء حاليا من جانب وزير العدل»، وأن يكون شغل منصب النائب العام بالانتخاب بدلًا من التعيين، ومنع رفع سن التقاعد للقضاة كي لا يتم المد للقضاة الذين يصنفون كموالين للحكومة».
وقد طالب المستشار محمود الخضيري- رئيس نادي قضاة الإسكندرية-في كلمته أثناء الوقفة الاحتجاجية جميع المشتغلين بسلك القضاء في مصر بضرورة التجمع والالتفاف حول موقف واحد، وهو موقف الرفض لما يحدث من محاولات إفساد القضاء الذي يعتبر أمل الإصلاح في مصر. ووجه دعوة لجميع قضاة مصر بضرورة المشاركة بصورة أشد وأعمق في الوقفة الاحتجاجية للقضاة في القاهرة يوم ١٧ من مارس الحالي.
موازنة مستقلة
وقد سارع نواب الإخوان المسلمين في البرلمان يتبني مطالب مشروع القضاة، حيث قدم النائب علي لين مشروع القانون إلى د فتحي سرور رئيس البرلمان، وطالب لين في مشروع القانون، بأن يكون للقضاء موازنة مستقلة مثل ميزانية البرلمان والجهاز المركزي للمحاسبات، وأن يتولى رئيس المجلس الأعلى للقضاء إعداد مشروع الموازنة ويتولى سلطات وزير التنمية الإدارية فيما يخص القضاة وإعادة النظر في مرتباتهم، ودعا إلى أن يتم تعيين النائب العام بقرار من المجلس الأعلى للقضاء وليس من رئيس الجمهورية، وأن يتم اختيار النائب العام من بين خمسة يختارهم أعضاء الجمعية العمومية للقضاة، ويتم نقل التفتيش القضائي من مكتب وزير العدل إلى المجلس الأعلى للقضاء وتمكين محكمة النقض من تنفيذ قراراتها الخاصة ببطلان الانتخابات باعتبارها أعلى سلطة قضائية. كما تضمنت التعديلات أن يخضع نادي القضاة لجمعية القضاة العمومية ولا يخضع لوزيرة الشؤون الاجتماعية، باعتباره شأنًا من شؤون القضاء.
المال والترقيات لن تثني القضاة
ومن خلال تلك التطورات يبدو جليًا للعيان خطورة المنزلق الذي تدفع إليه فئة المنتفعين من بقاء الأوضاع السياسية في مصر على ما هي عليه، حيث نصر السلطة التنفيذية على ضمان سيطرتها على القضاء المصري بشتى الوسائل، من خلال إيقاف تقديم الدعم المالي إلى نادي القضاة بالقاهرة ومختلف النوادي بالأقاليم والذي يبلغ ٦٠ مليون جنيه سنويًا، الأمر الذي قابله النادي بالتهديد بقبول تبرعات وهبات من المواطنين ورجال الأعمال والعديد من المنظمات المدنية لإنقاذ النادي من الأزمة المالية الطاحنة. كما رفض مجلس القضاة الأعلى الرد على مراسلات من نادي القضاة بخصوص أسباب وقف الحركة القضائية التي كان مقررًا إعلانها منذ عدة أشهر، وهو ما أغضب النادي بشدة، حيث هدد عدد من رموزه برفع دعاوى قضائية لإجبار المجلس على إعلان الحركة القضائية أو إعلان أسباب وقفها.
إعادة الدعم
وقد أسفرت ضغوط القضاة عن قرار وزير العدل بإعادة الدعم المالي المخصص لنادي القضاة الرئيس والمقدر بـ ١٠ ملايين جنيه، كما نفى وزير العدل -خلال مقابلة المستشار هشام جنينة سكرتير عام نادي القضاة- مد سن التقاعد للقضاة إلى ٧٠ عامًا، الأمر الذي كانت تخطط له الحكومة كمكافأة لبعض القضاة على مواقفهم المؤيدة للحكومة دون البعض.
مآسي القضاة في مصر: ويعود مسلسل الأزمات المتلاحقة بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية التي حمي وطيسها عقب إعلان الاستفتاء على تعديلات المادة ٧٦ من الدستور المصري المخولة لتنظيم اختيار رئيس الجمهورية من ضمن عدد من المرشحين، حيث اعتبرها القضاة تفصيلًا على مقاس الرئيس الحاكم، ثم توالت المواقف المعارضة لتزوير الانتخابات الرئاسية والنيابية بدءًا من اختيار اللجنة المشرفة على الانتخابات ثم الاعتداء على الصحفيين ونشطاء المجتمع المدني يوم الاستفتاء وإصرار النيابة العامة على عدم الفصل في القضايا المرفوعة.
وكان عام ٢٠٠٥ عام المواجهة بين القضاة والنظام الحاكم في مصر، حيث توالت التحركات القوية من قبل قضاة مصر للمطالبة بالإصلاح السياسي في البلاد.
مذبحة القضاة
صفحات التاريخ حافلة بمحاولات التقول على سلطة القضاة، ولعل أشهر تلك المواقف ما عرف بمذبحة القضاة في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر والتي وصلت ذروتها عام ١٩٦٩، وكانت بدأت منذ عام ١٩٥٣ حيث تم تشكيل المحاكم العسكرية العمال كفر الدوار عقب نجاح ثورة يوليو، وما عرف بمحاكم الغدر ومحكمة الثورة، وغيرها من المحاكم الاستثنائية التي اغتصبت سلطة القضاء، ويتصل بذلك أيضًا ما استحدثه نظام السادات بشأن محكمة القيم ومنصب المدعي العام الاشتراكي، والمحكمة المختصة بشئون الأحزاب علاوة على محاكم الطوارئ وما دأبت عليه الدساتير المصرية عبر أكثر من ٥٠ عامًا من تكريس الاختلالات الجسيمة للتوازن بين السلطات لصالح السلطة التنفيذية، ووضع ٦٥% من الصلاحيات الدستورية في قبضة رئيس الجمهورية بموجب دستور ۱۹۷۱.
ويأتي ضمن هذا السياق دور مجلس القضاء الأعلى الذي تشكل بقانون رقم ۸۲ لسنة ١٩٦٩، حيث ينص على تشكيل مجلس أعلى للهيئات القضائية يترأسه رئيس الجمهورية، وذلك على الرغم من أن محكمة النقض قد أصدرت منذ ذلك الحين عددًا من الأحكام التي أكدت بطلانه وانعدام دستوريته. ومع ذلك تشبثت به السلطة وسعت إلى تحصينه من البطلان بدسه في دستور ۱۹۷۱.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل