; أزمة غطرسة القوة.. هل حقاً أن البراءة الأمريكية اعتدى عليها أشرار لا يحبون الحرية والعدالة وحقوق الإنسان؟ | مجلة المجتمع

العنوان أزمة غطرسة القوة.. هل حقاً أن البراءة الأمريكية اعتدى عليها أشرار لا يحبون الحرية والعدالة وحقوق الإنسان؟

الكاتب د.حسني الطنطاوي

تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2001

مشاهدات 53

نشر في العدد 1477

نشر في الصفحة 28

السبت 17-نوفمبر-2001

  • العلاقات الدولية لم تعرف في تاريخها أن دولة ما بالغة ما بلغت من القوة استطاعت أن تفعل ما تشاء دون أن يحاسبها أحد فقد كان هناك من ينهض دائماً للتصدي

  • ليس كل من امتلك قوة هائلة أمكنه استخدامها دون قيد أو شرط، فضلاً عن الاحتفاظ بها إلى ما لا نهاية.. ثم أين اعتبارات القوة المعنوية والأخلاقية والعقدية؟

  • يرى البعض أن سياسات الولايات المتحدة لا تتناسب مع حجمها الضخم على مسرح السياسة العالمية، وذلك بسبب ردة فعلها على أحداث سبتمبر الماضي، ومع استمرار حملتها العسكرية على الشعب الأفغاني تزداد دهشة قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، الذي لا يمكن إقناعه بان قتل الأطفال والنساء والشيوخ في كهوف أفغانستان هو عمل مقبول يمكن أن تتباهى به أي قوة،  كان العالم يتوقع من أمريكا أن تبادر بإلزام نفسها بسياسة ضبط النفس، التي دأبت على وعظ غيرها بها، في مثل الظروف التي خضعت لها وربما في ظروف أقوى منها وأشد قسوة ومنها ظروف العدوان الهمجي الدائم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، وغيره من الشعوب العربية والإسلامية المضطهدة في مناطق شتى من العالم.

ولكن بدلاً من أن تضبط أمريكا نفسها وبدلاً من أن تنقد ذاتها وتراجع سياساتها الداخلية والخارجية لتقف على الأسباب الحقيقية لما حدث، وتجيب عن السؤال الذي بات يؤرق قطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي بل والعالمي، وهو لماذا يكره الناس أمريكا؟ بدلا من ذلك كله هرعت إلى ممارسة ما يسميـه البعض غطرسة القوة لا في مواجهة ما اعتبرت عدوهاولو على سبيل الافتراض، وإنما في مواجهة العالم كله، بما في ذلك حلفاؤها الأوروبيون وغير الأوروبيين، حدث ذلك منذ اللحظة الأولى لأحداث سبتمبر، ولم تستمع إلى أي صوت آخر غير صوت الحرب والرغبة في الانتقام لهيبتها وهي منذ ذلك الحين، وحتى الآن، تشن حملة واسعة النطاق لترويج وتثبيت فكرة أساسية واحدة مؤداها أن أمريكا وقعت ضحية عمل إرهابي بلا سبب، وأن الذين ارتكبوه لم يستهدفوا ضرب أمريكا فقط، وإنما أيضاً ضرب قيم الحرية والعدالة والديمقراطية والمدنية والعالم المتحضر كله واختارت بلا دليل قاطع عدواً لها هو أفقر شعوب الأرض وأضعفها قوة بمقاييس الفقر والغنى، والضعف والقوة التي يقيس بها البشر أحوالهم، وراحت تقصف الشعب الأفغاني بأحدث ما لديها من أسلحة الفتك والدمار لتقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وهم قابعون في أكواخهم وخيامهم، أو وهم هائمون على وجوههم في الوديان والصحارى وشعاب الجبال.

وبعد ما يزيد على شهر كامل من الحملة على الشعب الأفغاني، لاتزال الإدارة الأمريكية ماضية في ممارسة الجموح السياسي والعسكري على الصعيدين الداخلي والخارجي في آن واحد، ولايزال هناك من ينقاد وراءها مثل بريطانيا وروسيا.

 أمريكا بذلك تعيد إحياء وترسيخ ثلاثة أوهام كبرى كانت هي أول من بشر العالم باندثارها على الأقل من سياسات العالم المتقدم، أو العالم الحرحسب زعمهموهذه الأوهام هي:

 1- وهم الفعل بلا سبب: نقطة البداية في إشاعة هذا الوهم في سياق الأحداث الأخيرة هي الادعاء بأن البراءة الأمريكية قد تم الاعتداء عليها من قبل أشرار لا يحبون بقاء قيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسانالتي ترعاها أمريكا في العالموأن هؤلاء الأشرار قد ضاقوا بها ذرعاً، ولذلك صمموا على ضربها لإغراق العالم في بحور من الظلم والاستعباد وبغض النظر عن الفاعل الحقيقي لتلك الأحداث- وهو لا يزال مجهولاًفإن هذا الادعاء لا يمكن أن يكون صحيحاً، من الناحية الواقعية، وإلا لما كانت هناك مجازر مستمرة بحق كثير من شعوب الأرض ترتكبها قوى إجرامية معتدية بدعم مباشر أو غير مباشر من الولايات المتحدة وفلسطين هي المثال الذي لا يقبل الجدل، حيث يمارس العدو الصهيوني عمليات القتل والتدمير والتمييز العنصري وكل أنواع الجرائم بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، وباستخدام أحدث ما أنتجته ترسانة الأسلحة الأمريكية، وهناك أمثلة أخرى كثيرة في مناطق متفرقة من العالم تشير إلى الانحياز الأمريكي إلى جانب المعتدين والطغاة من الحكام ضد المستضعفين الذين ليس لها في الوقوف إلى جانبهم مصلحة

ويضاف إلى هذا خروج أمريكا الدائم عن الإجماع الدولي في كثير من القضايا الخاصة بحماية البيئة، وإدانة العنصرية، ونزع السلاح النووي، وكل ما ترى أنه لا يحقق مصلحتها هي، بغض النظر عن مصالح الآخرين

ومثل هذه المواقف قد تكون مبررةوإن لم تكن مشروعةبالنسبة للدول الصغيرة أو الأقل قوة في عالم تسيطر عليه دولة، أو عدد محدود من الدول، ولكنها لا يمكن أن تكون كذلك في مثل حالة القوة الأمريكية التي تنفرد بالسيطرة شبه الكاملة على مجريات السياسة العالمية.

2- وهم القوة المطلقة: حيث تتصرف الولايات المتحدة وكأنها تمتلك القوة المطلقة التي تمكنها من تحقيق كل أهدافها، بل وتمكنها من حرمان خصمها من تحقيق أي هدف من أهدافه، وتعتقد أن كل مكسب لها هو خسارة مطلقة لخصمها على طريقة المباراة الصفرية التي يكسب أحد أطرافها كل شيء، ويخسر الطرف الآخر كل شيءوقد أظهرت تصريحات المسؤولين الأمريكيين مدى رسوخ هذا الوهم لديهم منذ البدايات الأولى لنشوب الأزمة وحتى الآن إلى الدرجة التي جعلتهم لا يترددون في إطلاق الشعارات المسرفة في المطلقات من قبيل «العدالة المطلقة»، أو الحرية المطلقة، وليس ذلك إلا من فرط اغترارهم بالقوة المادية التي يمتلكونها، مقارنة بما يمتلكه غيرهم

صحيح أن ميزان القوى أضحى في صالح أمريكا بشكل حاسم، وبخاصة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وفي ظل استمرار تشرذم القوى الدولية الأخرى، ولكن تقاليد العلاقات الدولية لم تعرف في تاريخها الطويل أن دولة ما بالغة ما بلغت من القوة استطاعت أن تفعل ما تشاء دون أن يحاسبها أحد، ودائماً ينهض من يتصدى لتلك القوةكردة فعلوالأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصر ولعل أكثرها وضوحاً هو ما حدث لأمريكا في فيتنام، والصومال، ولبنان حيث ألحقت بها المقاومة الوطنية خسائر موجعة بالرغم من إمكاناتها الضعيفة، وبالرغم من اختلال ميزان القوى والأمر نفسه يتوقعه كثير من المحللين لأمريكا في أفغانستان.

3- وهم الضعف المطلق: وهو مقابل وهم القوة المطلقة، حيث تعتقد أمريكا وكثير من حلفائهاأن حسابات القوة المادية التي تمتلكها تعني ببساطة أن أي طرف آخر يقف في مواجهتها سيمثل الضعف المطلق، ومن ثم لن يكون له سوى الهزيمة المطلقة، ولا يجادل أحد في أن أمريكا وحدهادون حلفائها الذين حشدتهم خلفهاتمتلك أكبر قوة تدميرية على وجه الأرض، وأن ما تملكه من الأسلحة النووية يكفي لإفناء المعمورة مرات عدة، ولكن تاريخ العلاقات الدولية يعلمنا أيضاً أنه ليس كل من امتلك قوة هائلة أمكنه استخدامها دون قيد أو شرط، فضلاً عن أنه ليس بإمكانه الاحتفاظ بها إلى ما لا نهاية هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإنه من الخطأ الاكتفاء بالمعايير المادية وحدها

 

الاقتصاد الأمريكي

 

الاقتصاد الأفغاني

 

ملاحظات

حجم الناتج الإجمالي 

حجم الموازنة العامة للعام ٢٠٠١

فائض الميزانية عام ۲۰۰۰

ميزانية الدفاع للعام الحالي

عدد السكان

 

۱۰ تریلونات ولار

۱۸۰۰ مليار دولار

۲۳۷ ملیار دولار

۲۸۷,۸ ملیار ولار

۲۷۰ مليون نسمة

 

۱۸ مليار دولار

٨٢,٥ مليون دولار

(١٦مليون دولار

٤٥ مليون دولار

٢٦ مليون نسمة

 

 

 

 

عجز مالي

 

في حساب القوة إذ لابد من حساب وزن كبير للاعتبارات المعنوية والأخلاقية والعقدية التي تمتلكها أطراف الصراع إلى جانب ما تمتلكه من عناصر القوة الماديةومن هذا المنظور سيكون من المهم ملاحظة عناصر القوة التي تمتلكها طالبان والشعب الأفغاني في المواجهة الجارية، هذا بغض النظر عن الرضا أو عدم الرضا عن التوجهات الفكرية والسياسية التي تتبناها طالبان، ويكاد المراقبون والمحللون السياسيون يجمعون على أن الحركة تمتلك قدراً كبيراً من قوة العقيدة والإيمان ليس لأمريكا منه نصيب يذكر، كما تمتلك أيضاً قدراً كبيراً من قوة الوحدة والترابط بين صفوفها إلى الدرجة التي فشلت معها محاولات شق صفها أو إحداث تمرد داخلها ويبقى العنصر الثالث من عناصر القوة وهو قوة السلاح ونوعيته وطاقته التدميرية، وهذا هو العنصر الذي تعاني طالبان من الضعف الشديد فيه، بينما تتفوق عليها أمريكا تفوقاً لا سبيل للحاق به في مثل هذه المواجهة.

عبء القوة المادية

يضاف إلى ما سبق أن الوهم الأمريكي بامتلاك القوة المطلقة مقابل الضعف المطلق للأفغان، هذا الوهم مبني على افتراضين كلاهما خطأالأول هو افتراض ثبات معادلات القوة على مسرح السياسة الدولية، والواقع أن هذه المعادلات في تغير مستمر، وأن تغير المصالح يؤدي بالضرورة إلى تغير في التحالفات، ومن ثم في معادلات القوة، وكلما طال زمن المواجهة تكشفت أوجه كثيرة للمصالح المتضاربة بين القوى المتحالفة ضد أفغانستان، الأمر الذي يزيد من الأعباء التي على الولايات

المتحدة أن تتحملها.

 الثانيهو افتراض أن التفوق المادي والعسكري على وجه التحديد، يمثل ميزة مطلقة، وخاصة إذا كان الخصم لا يكاد يمتلك شيئاً يذكر من هذا التفوق.

والواقع أنه بقدر ما توفر القوة المادية من ميزات لصاحبها بقدر ما تلقي عليه من أعباء، وبخاصة إذا كان فارق القوة كبيراً،  بل هو غير قابل للمقارنة أصلاًكما هو الحال في المواجهة بين أمريكا والأفغان- ذلك لأن تكلفة المواجهة بالنسبة للطرف الأقوى باهظة جداً على المستوى الاقتصادي البحت، تشير التقديرات الأولية لمركز التقويمات الاستراتيجية بالولايات المتحدة إلى أن تكلفة الشهر الأول من الهجمات على أفغانستان بلغت مليار دولار أمريكي، على أقل تقدير وهو رقم جد متواضع مقارنة بالتكلفة الحـقـيـقـيـة أضف إلى ذلك ارتفاع التكلفة السياسية المتوقع أن تتحملها الإدارة الأمريكية داخلياً أمام الرأي العام ودافعي الضرائب، وخاصة في حالة فشلها في تحقيق أهدافها داخليا وخارجياً أيضاً أمام الرأي العام العالمي.

 وعلى الجانب الآخر نجد أن الضعف المادي والعسكري للأفغان هو ميزة اقتصادية غير مباشرة من منظور المكسب والخسارة في مثل هذه المواجهة، ففي مقابل المليار دولار الذي خسرته أمريكا فإن الأفغان لم يخسروا شيئاً- تقريباً إذا استثنينا الخسائر البشرية من الضحايا الأبرياء الذين لا يقدرون بثمن- هذا فضلاً عن الموجة المتصاعدة من التعاطف الإنساني معهم، وما صاحب ذلك من مساعدات إغاثية، بالرغم من قلتها حتى الآن، وعجزها عن القيام بواجبها المطلوب على المستوى الإنساني البحت- أما التكلفة السياسية فتكاد تكون إيجابية للأفغانإذ يحظون بتعاطف شعبي في بلدان كثيرة والمجتمع كله في حالة تعبئة عامة وليس لديهم تخوفات من المحاسبة السياسية لدافعي الضرائب، لأنهم ببساطة ليس لديهم سوى أناس يدفعون أرواحهم تحت وابل القصف.

إن معظم وقائع المواجهة الراهنة تشير إلى أن القوة الأمريكية تعاني من أزمة حقيقية، منذ أحداث سبتمبر، وسوف تزداد الأزمة عمقاً ما بقيت الإدارة الأمريكية وحلفاؤها مصرين على مواقفهم

وفي تقديرنا أن العوامل الأساسية التي تغذي أزمة القوة الأمريكية لا تقتصر فحسب على ما يمكن تسميته قوة الضعف الأفغاني، وإنما يضاف إليها أيضاً عاملان أحدهما هو النفاق الدولي الذي تمارسه رغما عنها القوى المتحالفة مع أمريكا، وخاصة القوى التي تعلم جيداً أن مصالحها الحقيقية تملي عليها اتخاذ مواقف غير مؤيدةعلى الأقل، للتحالف، وثانيهما هو المداهنة الإقليمية التي تمارسها رغماً عنها أو بمحض إرادتها  أحيانا  بعض القوى الإقليمية ظناً منها أن هذه المداهنة شرط ضروريوإن لم يكن كافياًللمحافظة على استقرارها الداخلي، ومثل هذه المواقف تشكل عبئاً إضافياً على الإدارة الأمريكية، وإن لم يظهر ذلك في اللحظة الراهنة فمن الأرجح أنه سيظهر في الأجلين القريب والمتوسط، ونحن مع كثير من المحللين السياسيين الذين يرون أن المواجهة الراهنة بكل ما يحيط بها من التباسات هي لحظة التأسيس لنشوء نظام عالمي يكون نقيضاً لنظام القطب الواحد الذي تقوده أمريكا منذ عشر سنوات، وأن ذلك سيحدث لا محالة مهما تذرعت القوة الأمريكية بدعاوى محاربة ما تسميه بالإرهاب، ودون أن تعرف ما الإرهاب الذي تقصده، ودون أن تلزم نفسها بأي معنى له حتى ولو من صياغتها هي وحسب فهمها هي، ودعك من الآخرين الذين لا يوافقونها على سلوكها في الأزمة

وقد أحسن مجمع البحوث الإسلامية بمصر عندما عرفمؤخراًالإرهاب بأنه يعني ترويع الآمنين، وتدمير مصالحهم والاعتداء على أموالهم وأعراضهم وحرياتهم وكرامتهم الإنسانية، بغياً وإفساداً في الأرض ترى على من ينطبق هذا التعريف لمعنى كل من الإرهاب، والجهاد؟

الرابط المختصر :