; أزمة سياسية كبيرة في الأردن بسبب رغيف الخبز | مجلة المجتمع

العنوان أزمة سياسية كبيرة في الأردن بسبب رغيف الخبز

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أغسطس-1996

مشاهدات 89

نشر في العدد 1214

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 27-أغسطس-1996

 أزمة رغيف الخبز في الأردن تفاقمت بصورة خطيرة الأسبوع الماضي، وأدت إلى اندلاع مواجهات واسعة وأعمال احتجاجية ضد سياسات الحكومة لم يشهدها الأردن منذ سبع سنوات، ومع أن قوات الأمن الأردنية التي انتشرت بكثافة في المناطق التي شهدت الاحتجاجات العنيفة تمكنت من السيطرة على الأوضاع، وإعادة الهدوء المشوب بالتوتر إلى تلك المناطق، فإن ذلك لم ينه الأزمة السياسية الداخلية التي تصاعدت بين الحكومة الأردنية وبين النواب المعارضين والأحزاب والنقابات المعارضة لتوجهات الحكومة الاقتصادية بإلغاء الدعم عن الخبز والأعلاف، ورفع أسعارها بصورة كبيرة.

     الأوساط الأردنية المعارضة والتي تضم قطاعات شعبية وسياسية تشمل (٢٣) نائبًا في البرلمان الأردني، و(١٢) نقابة و(١١) حزبًا، و(٦) اتحادات وجمعيات وشخصيات سياسية تطالب جميعها بمطلبين أساسين: الأول: إقالة حكومة رئيس الوزراء الأردني عبد الكريم الكباريتي التي اتخذت قرار إلغاء الدعم، والثاني: إلغاء قرار رفع أسعار الخبز والأعلاف.

     ولكن الحكومة من جانبها ترفض التجاوب مع هذين المطلبين، وتؤكد تمسكها بقرارها المتعلق برفع أسعار الخبز والأعلاف وعدم نيتها تقديم استقالتها كما يطالب المعارضون، وهو ما أكده العاهل الأردني الملك حسين الذي قال إنه لا يفكر بتغيير الحكومة في ذلك الوقت، وإن كان قد أبقى الباب مفتوحًا أمام إعادة النظر في القرارات الأخيرة وإمكانية تغيير الحكومة شريطة عودة الهدوء قبل ذلك، وفي ظل رفض المعارضين لقرار الحكومة لأي حوار معها، وفي الوقت نفسه رفض الحكومة للتجاوب مع مطالب المعارضين، فإن الأمور قد وصلت إلى طريق مسدود كما يرى كثير من المراقبين لتطورات الأحداث في الأردن.

مواجهات واتهامات:

     وقد حاولت المصادر الحكومية التقليل من حجم الاحتجاجات التي اندلعت في مناطق الجنوب، وقال وزير الإعلام الأردني مروان المعشر إن الذين شاركوا في الأحداث هم مجموعات لا تزيد عن (٦٠٠) شخص في مدينة الكرك و(۳۰۰) في مدينة الطفيلة، و(٥٠) في مدينة معان، ولكن مصادر أخرى أكدت أن حجم الاحتجاجات كانت أكبر من ذلك كثيرًا، وأن الآلآف شاركوا في الاضطرابات.

     وقد بدأت أعمال الاحتجاج ضد قرار رفع الأسعار بعد صلاة الجمعة ١٦/٨ في المسجد العمري بمدينة «الكرك» حيث انطلق المتظاهرون وهم يهتفون ضد الحكومة مطالبين بإلغاء قرار رفع أسعار الخبز، وتطورت الأحداث، حيث قام بعض المتظاهرين بإحراق المؤسسات الرسمية والبنوك، كما قاموا بالاستيلاء على المواد التموينية من المؤسسة الاستهلاكية المدنية.

      وبعد ذلك اتسعت الاضطرابات وانتقلت إلى «المزار»، ثم «القصر»، وبعد ذلك «الطفيلة» و«معان»، وفي اليوم التالي السبت وقعت أعمال احتجاجية في حي الطفيلة -أحد أحياء العاصمة الأردنية عمان- وقد سارع الجيش الأردني إلى إغلاق المناطق التي شهدت الاضطرابات، ووقعت مواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن التي أطلقت القنابل المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين، كما فرض حظر التجول على مدينة الكرك التي شهدت أعنف الاضطرابات وقطع عنها الاتصالات الهاتفية والماء والكهرباء، وتم خلال المواجهات في المناطق المختلفة اعتقال أكثر (١٥٠) شخصًا من المتهمين بالمشاركة في الاضطرابات.

     وقد سارعت الحكومة الأردنية إلى اتهام جهات خارجية بالوقوف وراء اندلاع الاضطرابات، وفي وقت لاحق وجهت اتهامًا مباشرًا إلى العراق بالمسؤولية عن الأحداث عبر حزب البعث الاشتراكي الموالي للعراق، وقد أشار العاهل الأردني إلى أن الذين وقفوا وراء الأحداث هم «بقايا لبعض المنتمين لأحزاب وجهات خارج الأردن عقيدة ومذهبًا».

     ولكن حزب البعث الاشتراكي نفى على لسان أمين سره تيسير الحمصي أن يكون له علاقة بأحداث الجنوب، وأكد أن ما وقع قد حدث بعفوية، كما نفى ذلك الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني، الذي قال: إن الجوع وليس الأحزاب هو الذي دفع الجماهير للتحرك.

     ونفت كذلك اللجنة الوطنية للدفاع عن معيشة المواطن، والتي تضم النواب والنقابات والاتحادات والأحزاب المعارضة ومن ضمنها حزب جبهة العمل الإسلامي، هذه الاتهامات وقالت في بيان وزعته خلال مؤتمر صحفي: «أما الحديث عن وجود جهات خارجية فنحن نرد على هذا الباطل الذي لا ينطلي على أبناء شعبنا من أن لم يعد ينطلي على أحد، بل إن سياسات الحكومة في تجويع الشعب هي التي أدت إلى ما أدت إليه، وهي المسؤولة عما يجري»، وأضاف البيان: «لقد تبين خلال الأسابيع القليلة الماضية أن الحكومة تعامل الشعب والبرلمان وكل مؤسسات المجتمع المدني باعتبارهم فاسدين ومهربين للأغنام والحشيش والمخدرات، والآن تتهمهم بأن هنالك من يضللهم من الخارج، ولم يبق إلا أن يتهموا هذا الشعب بالجاسوسية للصهيونية والإمبريالية العالمية».

     واتهمت اللجنة حكومة الكباريتي «بأنها ترفض أن تسمع الصوت، وتستخدم الإرهاب والقمع وفرض إرادتها على إرادة الجماهير الشعبية المتضررة من سياساتها كافة، وتتشدق بالديمقراطية والحوار، وهي تخرق الديمقراطية كل دقيقة، ولا تترك أي مجال للحوار حتى مع البرلمان الذي أعطاها الثقة سابقًا، وقد وصل بها الأمر إلى درك غير مسبوق حين حاولت الإقدام على إهانة الشعب كله عبر التعدي الصريح من رئيسها وأحد وزرائه على كرامة ممثل الشعب النائب نزيه عمارين، عند التهديد باعتقاله وجلبه عاريًا حافي القدمين من الكرك».

     جبهة العمل الإسلامي التي تمثل الواجهة السياسية للإسلاميين في الأردن ولها (١٦) نائبًا في البرلمان، حملت الحكومة مسؤولية الأحداث التي شهدها الأردن، وقالت في بيان أصدرته بعد الاضطرابات: «أشعلت حكومة عبدالكريم الكباريتي نار الفتنة بإقدامها على رفع أسعار الخبز والأعلاف، ضاربة رأي ممثلي الأمة عرض الحائط، لقد وعدت الحكومة بالإصلاح السياسي والاقتصادي، ولقبت بالثورة البيضاء لكنها لم تلبث أن كشفت عن نواياها باغتيال قوت المواطن والاعتداء على رغيف الفقراء استجابة لضغوط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي»، ودعت الجبهة في بيانها: «إلى الاستجابة لرغبة الشعب بإقالة هذه الحكومة، وإلغاء قرارها المشين بخصوص الخبز والأعلاف، وبغير ذلك فإن المشكلة باقية والمعاناة مستمرة»، كما أصدرت جماعة الإخوان المسلمون في الأردن بيانًا طالبت فيه بإلغاء قرارات رفع الأسعار وإقالة الحكومة.

لماذا الجَنُوب؟

     هذا التساؤل أثاره المراقبون خاصة وأنها المرة الثانية التي تشهد فيها المناطق الجنوبية في الأردن اضطرابات عنيفة احتجاجًا على سياسة رفع الأسعار.

     فقد اندلعت عام ۱۹۸۹م أحداث مشابهة لتلك التي حدثت مؤخرًا، وكانت ساحتها الجَنُوب أيضًا، ولكن أحداث عام ١٩٨٩م كانت أكثر عنفًا، وأدت إلى مقتل (۱۱) شخصًا، كما أدت في حينه إلى إقالة حكومة زيد الرفاعي، والبدء بسياسة الإصلاح الديمقراطي، وكان سبب الاضطرابات في حينه قيام حكومة الرفاعي برفع أسعار الوقود تجاوبًا مع مطالب صندوق النقد الدَّوْليّ.

     وقد أعاد العاهل الأردني بعد الأحداث الأخيرة التذكير بما وقع عام ۱۹۸۹م، واعتبر أن ما حدث مؤخرًا مشابه لتلك الأحداث، وأضاف: «هذه تعيدني إلى ما مضى، إلى عام ١٩٨٩م، وربما كانت بعض العناصر هي نفس هذه العناصر التي تحركت هذه المرة»، ولكنه نفى أن تكون الإصلاحات الديمقراطية التي قرر الأردن البدء بها عام ۱۹۸۹م، قد جاءت بسبب الاضطرابات، وقال: «ظنوا أن عودة الديمقراطية والحياة البرلمانية والانتخابات الحرة وكل ما قمنا به من أعمال هي نتيجة لما جرى في الثمانينيات، والحقيقة لم تكن نتيجة لذلك، فقد وضعت الخطة للعودة إلى الديمقراطية موضع التنفيذ عندما انفصلنا عن الضفة الغربية وعندما أصبح من الممكن القيام بذلك».

    ولتوضيح الأسباب التي تدفع مناطق الجَنُوب في العادة للتعبير بصورة أكثر قوة عن معارضة سياسة رفع الأسعار مقارنة ببقية المناطق، قال الناطق باسم اللجنة الوطنية للدفاع عن معيشة المواطن ملحم التل: «إن الشعب في الجَنُوب جائع لا يمتلك إلا الأراضي والوظيفة والماشية، وبالتالي فالقرارات الاقتصادية التي تزيد أعباء الحياة تؤثر على حياته بشكل أكبر؛ لأن مناطق الجَنُوب هي الأكثر فقرًا، لذلك تحرك الجَنُوب من أجل لقمة عيشه».

     وأكد ذلك رئيس بلدية «الطفيلة» إحدى مدن الجَنُوب الذي أشار إلى أن هناك «حقيقة مؤلمة يتجاهلها المخططون وصناع القرارات حين يتجاهلون المطالب الملحة لبعض الشرائح، وقد قلنا مرارًا إن هذه المجتمعات ليست بالمجتمعات الأقل حظًا، بل هي مجتمعات أقل رعاية.

الحكومة والنواب اتهامات متبادلة:

      قبل اندلاع المواجهات في جَنُوب الأردن كانت العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية قد ساءت بصورة كبيرة بعد أن أعلن النواب الـ (٢٣) المعارضون لأية زيادة في أسعار الخبز والأعلاف، ومقاطعتهم لحضور جلسات البرلمان احتجاجًا على عدم قيام التليفزيون الأردني بنقل موقفهم المعارض، وقد هددت هذه المقاطعة بإمكانية تعطيل جلسات المجلس.

     ولكن الحكومة تمكنت وبعد جهود كبيرة من جمع النصاب الكافي لعقد جلسة للمجلس يوم الأربعاء ١٤/٨ قبل يومين من اندلاع الاضطرابات وبغياب النواب المعارضين، وتم خلال تلك الجلسة التصويت على اقتراح للجنة نيابية شكلها المجلس لبحث قرار رفع الأسعار؛ حيث توصلت اللجنة إلى اقتراح برفع أسعار الخبز بحيث تصبح أسعاره ما بين (۱۳۰ – ١٥٠) فلسًا، بدل (۲۲۰) فلسًا كما قررت الحكومة، وكانت نتيجة التصويت على اقتراح اللجنة تأييد (۲۳) نائبًا من أصل (٥٢) للاقتراح، مقابل معارضة (٢٩) نائبًا من بينهم (۲۲) نائبًا وزيرًا، مما أدى إلى سقوط الاقتراح.

     وقد هاجم رئيس الحكومة الكباريتي النواب المعارضين خلال هذه الجلسة على خلفية مقاطعتهم لجلسات المجلس، ووجه لهم عبارات قاسية، وقال إن عدم حضورهم للجلسات يعد صورة من صور الفساد، الأمر الذي دفع هؤلاء النواب إلى إصدار بيان شديد اللهجة قالوا: فيه إن الحكومة لم تراع حرمة المجلس، وإن رئيسها «فقد الرزانة»، ووجه عبارات غير لائقة وتصريحات غير مسؤولة، كما عبر هؤلاء النواب عن عتبهم على رئيس مجلس النواب الذي سمح لرئيس الحكومة بالتفوه بتلك العبارات، وقالوا إنه «كان عليه أن يوقفه عند حده، ويأمر بشطب تلك العبارات»، وأضافوا: «إن الحكومة أقدمت على ما أقدمت عليه من قرارات مصيرية تمس صميم حياة المواطن، ويسلك رئيسها مثل هذا السلوك، مطالبة بالاستقالة، إذ إنها فقدت أدنى مقومات المصداقية والثقة».

     وقد أثار قرار فض الجلسة الاستثنائية لمجلس النواب قبل انتهاء موعدها المخاوف من حل البرلمان، ولكن رئيس المجلس استبعد ذلك، واعتبره أمرًا غير وارد، وعبر النائب محمد عويضة من جبهة العمل الإسلامي عن أمله بأن لا يتم اللجوء إلى حل البرلمان، واعتبر أن حدوث ذلك سيكون وصمة عار في جبين الحكومة وأضاف: «إذا حل المجلس فهذا وسام لنواب المعارضة بأنهم يوم وقفوا مع شعبهم وقضاياهم لم تحتمل معارضتهم».

    وقد عبر النواب الـ (٢٣) المعارضون لقرارات الحكومة عن معارضتهم لقرار رفض الدورة الاستثنائية للمجلس، وقال ملحم التل -الناطق باسم اللجنة الوطنية للدفاع عن معيشة المواطن- إن هذا القرار يعبر عن حالة من التردي في تحمل واجب الاستماع إلى الرأي الآخر»، وأعلن النواب المعارضون أنهم -قرروا- ورغم فض أعمال الدورة الاستثنائية - مواصلة عقد اجتماعاتهم في إحدى قاعات البرلمان يوميًا، واعتبار أنفسهم كبرلمان مواز.

      التساؤلات تزايدت في الآونة الأخيرة وخاصة بعد قرارات رفع الأسعار حول الجدوى الاقتصادية لمعاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، وعلى جميع الأصعدة الشعبية والسياسية، والشعور العام الذي يسود الأوساط الأردنية هو السخط وعدم الرضى عن نتائج المعاهدة.

     النائب الإسلامي محمد عويضة تساءل: «كم حشدت الحكومة من وعود عن الرخاء والازدهار والاستثمار عندما قررت معاهدة وادي عربة، ثم تبخر ذلك كله»، واستغرب النائب الإسلامي بسام العموش كيف تقدم الحكومة على رفع الأسعار «بينما لازالت خطاباتها حول السمن والعسل الذي سيأتي بعد معاهدة وادي عربة ترن في آذاننا».

     وقال النائب عبد العزيز جبر: إن عملية السلام مع العدو الصهيوني «عادت على المواطن بالغلاء والبلاء، ولا سيما أسعار الخبز، بدلًا من الرفاهية وتحسين مستوى العيش».

     المحللون الإسرائيليون قالوا إن الاضطرابات الأخيرة في الأردن كانت متوقعة بسبب تفاقم الأزمة الاقتصادية في الأردن خلال العامين الماضيين، وقالوا: إن التوقعات التي عولها الأردنيون على معاهدة السلام مع إسرائيل لم تتحقق، وأن المواطن لم يلمس ثمارًا إيجابية أو فوائد ملموسة للمعاهدة على حياته الاقتصادية، وأعربوا عن اعتقادهم بأن الاضطرابات الأخيرة ستترك آثارًا سلبية على نظرة الأردنيين لعملية السلام، وأنها ستزود المعارضين للمعاهدة بذخيرة إضافية لمواصلة انتقاداتهم ومعارضتهم للمعاهدة التي لم تحقق للشعب الأردني الرخاء والازدهار المأمول.

     المراقبون لتطورات الأوضاع في الأردن يرون أن الأمور وصلت مرحلة ليست سهلة، وأن إمكانية التعايش بين الحكومة الحالية والقوي السياسية والأوساط الشعبية باتت أمرًا صعبًا، ولا يستبعدون أن يتم إجراء تغييرات سياسية في الأسابيع القليلة المقبلة، وقد ألمحت بعض المصادر إلى وجود إشارات غير معلنة بهذا الاتجاه.

هل تبدأ الحكومة حوارًا وطنيًا لإعادة التوازن إلى البلد؟

بقلم: حلمي الأسمر (*)

     حينما سأل الدكتور إسحاق الفرحان -أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي رئيس الوزراء المكلف «آنذاك» عبد الكريم الكباريتي عن برنامج حكومته التي عرضت على أعضاء الحزب المشاركة فيها، قال الكباريتي: أنا معني أولًا بتفعيل اتفاق السلام مع إسرائيل.

    والحقيقة أن هذا الجواب، وإن كان يهدف فيما يهدف إليه إلى إبعاد الإسلاميين عن المشاركة في الحكومة، إلا أنه كان يعبر عن مدى الخلل الذي وصل إليه المطبخ السياسي في الأردن، فبعد عامين من إبرام اتفاق وادي عربة يتضح أن صاحب القرار السياسي الأردني أولى السياسة الخارجية للبلد كل أو جل اهتمامه مديرًا ظهره للوضع الاقتصادي الخطير الذي كان أخذًا بالتدهور بشكل متسارع، فضلًا عن التآكل المستمر في الرصيد الجماهيري الداعم للإجراءات والقرارات الرسمية.

     وبكلمات أكثر وضوحًا فقد بدا أن الأردن مدفوع برغبة جامحة في محو آثار حرب الخليج الثانية عليه، مقبل بشكل غير محسوب جيدًا على إسرائيل والولايات المتحدة، معطي أكثر مما أخذ، غير منتبه للآثار المدمرة التي تركتها هذه السياسة على الشارع الأردني، فهو من جهة أشعر المواطن العادي بالصدمة جراء التعاطف الشديد جدًا مع مقتل إسحاق رابين -رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق-، ومن جهة أخرى أصاب هذا المواطن بخيبة أمل بالغة بعد أن اتضح أن الوعود التي بذلت له عن ثمار السلام لم تكن أكثر من رماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وقد اكتملت الدائرة التي أحاطت برقبة المواطن مع القرارات الأخيرة، التي رفعت أسعار علف الماشية والخبز ومشتقات الألبان والقمح، وناهيك عن سلسلة متوالية من أسعار السلع والخدمات التي كانت ارتفعت قبل هذا ومازالت ترتفع إلى الدرجة التي أصبح المواطن يشعر معها بالاختناق، وصاحب هذا ما حصل في البرلمان حينما ذهبت الحكومة إليه طالبة دعمه في رفع الأسعار، حتى إذا أوشكت على الوصول إلى حل وسط مع بعض النواب سارعت إلى اتخاذ القرار قبل أن تسمع رأي مجموعة من النواب حاولوا مسك العصا من الوسط، وبهذا فقد فوتت الحكومة فرصة ذهبية في تنفيس الاحتقان الشعبي، فيما لو حرصت على الالتقاء مع البرلمان -أو بعضه- على حل متفق عليه.

    ربما يكون من الصعوبة بمكان رضوخ الحكومة للمطلب الشعبي المطالب باستقالتها وعودتها عن قرارها برفع أسعار الأعلاف والخبز، ولكن يبدو أنه يتعين على البلد اختيار الحل الأقل سوءًا، وهو لن يكون فيما نظن أقل من هذا المطلب، والبدء في حوار وطني جاد مع القوى الوطنية الفاعلة على الساحة الأردنية، لا سيما الإسلاميين الذين أثبتوا على مدار تاريخهم أنهم قادرون على القيام بدور كبير في إعادة التوازن إلى البلد، وذلك تمهيدًا لتشكيل حكومة وفاق وطني تعيد بناء الأجندة الوطنية لوضع الأردن في محيطه العربي، وتحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والبدء في عملية إصلاح حقيقي على غرار ما أعقب هبة إبريل «نيسان» في العام ١٩٨٩م.

      إن الأردن الآن يقف على مفترق طرق، فأحداث الجنوب حدثت ليس بسبب التحريض الخارجي، ولكن بسبب الاحتقان الذين يعيشه المواطنون جراء انهيار وضعهم الاقتصادي، وحتى لو كان هناك تحريض من أحد، فلم يكن هذا التحريض ليفلح في تهييج الناس ودفعهم للتظاهر والتعبير عن السخط بحرق بعض المؤسسات العامة لو لم يكونوا مستعدين لمثل هذا، إن الحكمة تقتضي البحث عن أسباب الأحداث وليس تبريرها ولفلفتها، المشكلة موجودة ومواجهتها تتم بحلها وليس بقمع المعبرين عن خطورتها، ذلك أن القمع إجراء أمني محض وما يحتاجه الأردن الآن أكثر من هذا، إنه يحتاج إلى إجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية جذرية تعيد التوازن إلى البلد، وتضعه على الطريق الصحيح.

العكايلة لـ "المجتمع": نطالب بإلغاء قرار رفع أسعار الخبز والأعلاف

  • وعود الحكومة بالانتعاش والرخاء الاقتصادي بعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل ما هي إلا سراب. 

حاوره في عمان: عاطف الجولاني. 

  أعلنت مجموعة النواب الـ (٢٣) المعارضين لسياسات الحكومة الأردنية برفع الأسعار وفض الدورة الاستثنائية للبرلمان الأردني أنها ستواصل اجتماعاتها في البرلمان بشكل عادي، وكانت الدورة الاستثنائية مستمرة، واختارت النائب الدكتور عبد الله العكايلة مقررًا للمجموعة ليرأس اجتماعاتها، وفيما يلي نص المقابلة التي أجرتها للمجتمع مع الدكتور العكايلة أحد أبرز نواب جبهة العمل الإسلامي:

  • قالت الحكومة إن توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل سيؤدي إلى إنعاش الوضع الاقتصادي في الأردن، وإلى تحقيق الرخاء والازدهار في حياة المواطن، إلا أن الأحداث الأخيرة أكدت عكس ذلك، فما هو تفسيركم لما حدث؟

     منذ البداية أكدنا أن المعاهدة لن تحقق الوعود المقطوعة، وأي محلل سياسي واقتصادي وبعيدًا عن أية مواقف سياسية مبدئية كان يدرك أن المعاهدة بجوانبها المختلفة السياسية والاقتصادية ستكون لمصلحة الكيان الصهيوني، وليس لصالح الأردن أو الأمة العربية؛ لأنها جاءت من موقف قوة وإملاء من طرف قوي على أطراف ضعيفة ممزقة، وقد قلنا في حينه إن المواطن سيكون الضحية بسبب عدم وجود مؤسسات اقتصادية قادرة على منافسة المؤسسات الصهيونية، وقلنا أيضًا إن المواطن الأردني والعربي سيكون إما عاملًا لصالح الشركات الصهيونية، أو مستهلكًا لمنتجاتها، وفي أحسن الأحوال سيساهم صغار رجال الأعمال الأردنيين في مشاريع المؤسسات الصهيونية، وبالتالي فانعكاسات المعاهدة من الناحية الاقتصادية هي لصالح الكيان الصهيوني.

  وقد حاولنا أن ندحض الادعاءات بأن معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني ستحمل معها الرخاء والانتعاش الاقتصادي للمواطن الأردني، وبعد عامين من توقيع المعاهدة جاءت النتائج عكسية؛ حيث ارتفعت كلفة المعيشة على المواطن دون أن يصحبها زيادة في دخله، ودون أمل بمشاريع اقتصادية حقيقية يمكن أن تسهم في رفع مستوى معيشته، ولم يحدث أي انتعاش أو تحسن أو انفراج اقتصادي ملموس.

  وحتى على صعيد العلاقات مع الساحة العربية لم يحدث أي انتعاش اقتصادي في الأردن رغم بعض التحسن البطيء في العلاقات مع بعض الدول العربية.

     لقد تراجع الوضع الاقتصادي للمواطن، وارتفعت تكاليف المعيشة بشكل متواصل حتى وصلت إلى الحصن الأخير، وهو رغيف الخبز الذي أدى ارتفاع سعره إلى ارتفاع جميع السلع المتعلقة به، وحتى غير المتعلقة به؛ لأن الجميع بدأ برفع السلع لتعويض التكلفة الإضافية في الجانب لمعاشي المترتب على رفع سعر الخبز، وهذا جواب عملي ودليل قاطع على أن وعود الحكومة بالانتعاش والرخاء الاقتصادي ما هي إلا سراب ليس إلا، وكان الهدف منها تهيئة نفسية المواطن لقبول ما يسمى بمعاهدة السلام.

  • الحكومة تقول إن موقفكم الرافض لأية زيادة في أسعار الخبز والأعلاف يهدف إلى الحصول على الشعبية لخوض الانتخابات البرلمانية القادمة.

      لا نحتاج إلى دليل على شعبيتنا في الشارع الأردني، فشعبيتنا أثبتتها انتخابات عام ۱۹۸۹م كما أثبتتها نسب انتخابات عام ۱۹۹۳م رغم الحصار الذي فرض علينا وقانون الصوت الواحد، ثم إن العمل السياسي يقوم على الاستقطاب الشعبي، ومن حق كل حزب أو قوة سياسية أن تسعى للاستقطاب الشعبي وهو ليس تهمة.

     ولكن للأمانة لم يكن هذا هو دافعنا، وإنما كان دافعنا الحقيقي هو الدفاع عن لقمة المواطن، وعن حياته الكريمة بحدودها الدنيا، وقد كان الاصطفاف واضحًا في الشارع الأردني، وهو ما سينعكس بالضرورة على نظرة المواطن تجاه من وقف في صفه وفي صف المحافظة على قوته، وبين من وقف في الصف الآخر، وقد كان موقف الحركة الإسلامية واضحًا لكافة شرائح الشعب، فقد وقفت مع مصلحة المواطن بعيدًا عن الحسابات التي يطرحها البعض.

  • وما هو في تصوركم المطلوب للخروج من المأزق الحالي القائم؟

     المطلب واضح وقد حددناه، والرؤية لدينا واضحة من البداية منذ أن حاولت الحكومة الالتفاف على قرار النواب، وقد أصدرنا من البداية مذكرة وقع عليها (٤١) نائبًا للمطالبة بمناقشة قرار الحكومة برفع أسعار الخبز والأعلاف، وفي ظل ما حدث من تجاوز الحكومة لمجلس النواب، وتجاوز رأي الأغلبية من أعضاء المجلس سواء الرافضين كليًا أو جزئيًا لقرار رفع الأسعار، نشبت الأزمة وخرج المواطنون المتأذون من رفع الأسعار إلى الشارع بعد أن يئسوا من إمكانية تراجع الحكومة عن قرارها بالضغط البرلماني.

    وفي ضوء ذلك فإن موقفنا هو المطالبة بإقالة الحكومة، وإلغاء قرار رفع الأسعار، وقد طرحنا بدائل متعددة لتعويض العجز في الموازنة من خلال محاربة الفساد، وضبط النفقات الحكومية، وإصلاح السياسة الضريبية وترشيد الاستهلاك الحكومي، فتعويض العجز في الموازنة لا يجوز أن يكون على حساب المساس بمعيشة المواطن الذي أصبح يعيش معاناة لا طاقة ولا قبل له بها.

    فنحن نطالب بإقالة الحكومة، وإلغاء قرار رفع أسعار الخبز والأعلاف باعتباره الوسيلة الوحيدة لتسكين نفوس المواطنين وتهدئتهم وتطمينهم على أوضاعهم المعيشية.

  • ولكن هل يمكن أن تتعايشوا مع الحكومة في حال تراجعها عن قراراتها الأخيرة بعد تأزم الأوضاع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية؟

      إذا ألغت الحكومة قرارها فلا شك أن هذا سيحل جزءًا من الأزمة، وسيعمل على تهدئة الوضع على المستوى الشعبي، وتخفيف الاحتقان بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ولكنه لن ينهي الأزمة بينهما؛ بسبب تجاوز الحكومة لمجلس النواب وتعاملها معه بشكل غير مقبول.

الرابط المختصر :