العنوان أزمة جنوب السودان والتدويل.. من المستفيد؟!
الكاتب حاتم حسن مبروك
تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1999
مشاهدات 78
نشر في العدد 1376
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 16-نوفمبر-1999
كشف اجتماع التجمع الوطني الديمقراطي- المعارض للحكومة السودانية- بالقاهرة مؤخرًا عن مدى الاختراق الأمريكي الإسرائيلي له، حيث تبودلت الاتهامات والخلافات الحادة بين أعضائه، وبينت مدى الاختلافات الرئيسية بين المتحالفين لأجل هدف واحد مشترك هو إسقاط الحكومة الحالية.
فبينما كان موقف السيد الصادق المهدي والسيد محمد عثمان الميرغني مؤيدًا للمبادرة المصرية- الليبية المشتركة لأجل إيجاد حل شامل للمشكل السوداني تنسيقًا مع مبادرة دول الإيقاد، عارض هذا الإتجاه وفد الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جارانج وممثله ألور في المفاوضات مفضلين مبادرة دول الإيقاد!
ويوضح لنا موقف وفد الحركة الرافض للمبادرة «المصرية- الليبية» المؤيد لمبادرة «الإيقاد» تطابقًا مع تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت مؤخرًا في إفريقيا حينما قالت إن الولايات المتحدة لن تعير هذه المبادرة أي اهتمام وأنها ستدعم مبادرة الإيقاد فقط، ووعدت جارانج بالدعم السياسي والمادي.
والسؤال الذي يجب أن يطرح بصراحة: من هو- أو هم- الذين يستفيدون من خلق أزمة طاحنة في الجزء الجنوبي من الوطن، مما أدى إلى تقتيل آلاف الأفراد، ونزوج مثلهم إلى دول الجوار وانتقال البقية شمالًا، وفشل كل المفاوضات الجارية منذ سنوات بين الطرفين حتى لا تصل إلى حق؟
المراقب للأحداث سيجد حتمًا سببين: داخلي وخارجي، أما السبب الخارجي فيتمثل في الأطماع الغربية في ثروات السودان العديدة وتوجهه نحو الدين، والعمل على كبحه من التواصل نحو القارة الأفريقية بخلق أزمة وادعاء أن النصارى مضطهدون في الجنوب من قبل المسلمين في الشمال، والعمل بكل السبل والحيل على شطره نصفين أو إبادة المسلمين فيه.
أمام عن السبب الداخلي فيجب الاعتراف بأن الأخطاء التي ارتكبها بعض المسؤولين في التعامل مع هذه المشكلة- قديمًا وحديثًا- قد فاقم من تداعياتها، ولا سبيل لذكرها هنا تفصيلًا، والمذكرات التي كتبها ويكتبها بعض الضباط المتقاعدين والسياسيين- ممن عاصروها- في الكتب والصحف خير بيان.
وإذا دخلنا إلى العمق فالواقع يقول: إن التمازج والتلاقح بين الناس لم يتطور إلى الدرجة التي يتشكل منها شعب متماسك مترابط يؤمن بوحدته، ويقاتل من أجل وطنه- إلا من رحم الله- وذلك بسبب قوة الرابطة القبلية أو الجهوية، وضعف الرابطة الوطنية القومية، والشواهد على ذلك كثيرة.
كان الأستاذ محمد إسماعيل الأزهري شجاعًا حينما قال في ندوة «دعونا نعترف بالحقيقة.. إننا نحمل في دواخلنا عنصرية.. دعونا نعترف أن هناك استنكافًا يمارس من بعض أبناء السودان على بعض آخر من أبناء السودان، استنكاف في التعايش المشترك الذي يصل إلى حد التزاوج الذي يفرد مساحات التمازج الوطني المطلوب الحقيقي.. هذه مسألة تغيير اجتماعي وعملية طويلة جدًّا.. وتحتاج إلى زمن».
وقد وصف د. بركات موسى الحواتي خصائص العقل السوداني في ندوة بأم درمان بقوله: «إنه يتهم بالجزئيات أكثر من الكليات، وثانيها أنه يهتم بالإنجاز العاجل على التأني والدراسة، وثالثها غياب الفرد في مواجهة الجماعة، ورابعها أنه يعتمد على الذاكرة ولا يعتمد على التوثيق، وخامسها أنه لا يفرق بين الأزمة والنهضة وسادسها أن لديه نوعًا من الازدواجية بفعل الثقافة الغربية مثل الحديث عن الشمال والجنوب والإسلام والنصرانية، العروبة والزنجية... إلخ».
أما د. حيدر إبراهيم فقد أوضح واقع الأمة السودانية في حديثه للصحافة قائلًا: «الحديث عن أمة سودانية قد لا يخلو من مبالغة أو التفكير بالأماني.. فالسودان لم ينصهر ويتفاعل ثقافيًّا ويكتسب عناصر الوحدة الثقافية، القضية أكثر تعقيدًا من هذه الشعارات المرسلة دون تدقيق، فالسودان والسودانيون ليسوا كما تتصور، نحن نقع في منطقة تخلف متمكن في سلم الأمم الموحدة أو حتى المتألقة.. »، وفي اعتقادي أن المذكور أعلاه عن خصائص العقل السوداني، وعن عدم اكتمال انصهار الثقافات داخل الوطن، وهيمنة العنصرية في دواخل البعض خصمًا على الوطنية، هي غيض من فيض، وتدل على الجانب الآخر للأزمة من الناحية الثقافية والاجتماعية.
أما قضية الانفصال أو الوحدة فهذا الأمر حقيقة لم ينبع من الواقع السوداني الشعبي، بدليل أن الكثيرين يعيشون هنا وهناك بغير مشكلات أساسية، وبدليل تعايش الأقباط مع المسلمين في مصر بغير أزمات تذكر، أما إذا انتقلنا إلى الأسباب الأخرى لديمومة هذه الحرب وتشجيع الانفصال فسنجد الأسباب التالية:
1- الشركات الغربية- خصوصًا الأمريكية- التي وقعت عقودًا للتنقيب والبحث عن المعادن في الجنوب مع جارانج- باعتباره الحاكم اليوم ومستقبلًا- ودعمته بالمال والعتاد وتنتظر الانفصال بفارغ الصبر.
2- المنظمات الكنسية والمخابراتية التي تعمل تحت ستار الإغاثة ودعم المواطنين، تنصر الأهالي البسطاء، وتعمل على زرع الحقد ضد الإسلام والمسلمين، والمرضى الجوعى لا يعرفون، إلا من يمد لهم يد الإحسان وقت العوز والشدة.
3- مصالح جارانج الخاصة ومعاونيه التجارية والاستثمارية، والمتاجرة بقضية الأهالي المرضى والجوعى في الجنوب في المحافل الدولية بزعم الاضطهاد الديني، مما راكم عندهم ثروة ضخمة لم يحلموا بها قط.
4- الضباط الإسرائيليون في الجنوب يدربون جيش جارانج- أرسل بعض الضباط إلى إسرائيل للتدريب والتأهيل- ووجدت إسرائيل فرصتها في جارانج لخلق تحالف معه، تأمينًا لمنابع النيل لصالح دولتها الكبرى، كما تخطط لها منذ عقود.السودان بلد متنوع وأكثر من ثلث مناطقه لم تتواصل مع بقية أنحاء السودان، ولغاته مختلفة ومتباينة، ولكن الغلبة فيه للثقافة الإسلامية.. كما يقول الخبير الإفريقي د. حسن مكي، فهل تستطيع الأحزاب الشمالية- في التجمع المعارض- تقديم المصلحة العليا للسودان والإسلام على مكاسبهما الخاصة؟ وهل تستطيع الحكمة السودانية مفاجأة الجميع بالتوصل إلى اتفاق وفاقي مع هذين الحزبين الكبيرين مفوتة الفرصة على المتربصين؟
هل ينجح السودان في تحقيق التعايش السلمي بين أبنائه، والوصول إلى عقد اجتماعي عادل، أم يستمر الجري وراء السراب؟ هل ندع نظرية صامويل هنتنجتون عن دولة الصدع والثقافات المتباينة التي تتفكك وتتصدع تنطبق على السودان؟.